تتعدد وجوه السلطة في تاريخ الجماعات البشرية؛ فمنها ما يُشيد أركانه على العدل والرضا، ومنها ما يقوم على الإكراه السافر والقوة العارية. غير أن أخبث أشكال الهيمنة وأكثرها دهاءً، تلك التي تستبدل الصدام الخشن بالاستقطاب الناعم، وتكلّف أصحاب الدار بحراسة أغلالهم بأيديهم.

وفي هذا السياق، تأتي حكاية “الأسود والحمير” لتفتح نافذة نقدية عميقة على ميكانيزمات السيطرة الوظيفية وصناعة الوكلاء؛ قصة لا تقف عند حدود الرمز التراثي البسيط، بل تقدم نموذجًا مجهريًا مشبعًا بالدلالات السياسية والسيكولوجية التي تشرح تاريخ العلاقات بين القوى المهيمنة والمجتمعات الخاضعة لها.. لنعرف الحكاية أولًا:

بعد عناءٍ وتربّصٍ وتصيّدٍ وانتظار، اصطادت الأسودُ حمارًا واهنًا.. وهمّوا أن يأكلوه، لكن أحدهم قال: «لن يسمن ولن يغني من جوع؛ لنعالجه ونراعاه ثم نعيده إلى مجتمع الحمير، نكون قد كسبنا ولاءه، وهو من سيوفر لنا بعد ذلك طعامنا دون أن نتكبد نحن العناء».

وبالفعل، أعادوا الحمار إلى عشيرته معافى، تظهر على أذنه علامات العظمة. هابته الحميرُ وعلمت أنه مدعومٌ من «الغابة السوداء».. فحكم في مجتمع الحمير، وكان مصير كل من يعترض أو يتذمر أن يُقدَّم وجبةً للأسود.. وهكذا صار الحمار: أسدًا بين الحمير… وحمارًا بين الأسود.

ليست القصة للضحك ولا للتسلية، ولكنها تختزل برغم قصر كلماتها، واحدًا من أعقد الميكانيزمات السياسية في تاريخ العلاقات بين القوى الكبرى أو مراكز الهيمنة، وبين المجتمعات الخاضعة لها. فبتجاوز إطارها الرمزي البسيط، نجدها تقدم تفكيكًا بنيويًا لطبيعة السلطة الوظيفية، وكيفية إعادة تشكيل الوعي والولاء لتمرير السيطرة بأقل تكلفة ممكنة، عبر هندسة سياسية واجتماعية دقيقة.

لم تقم الأسود بتصفية الحمار الواهن، بل اختطفت بيئته الرمزية والوجدانية، وأعادت تشكيل ولاءاته حتى صار “تابعًا منقادًا”.. هذه العملية تشبه تمامًا صناعة “النخب التابعة” أو الطبقات الوظيفية التي تُفصل عن جذورها الثقافية والاجتماعية لتصبح أداة طيعة بيد القوة المهيمنة.

إعادة الحمار إلى قومه “زعيمًا مُباركًا بسندٍ خفيّ” تعكس مفهوم الشرعية الشكلية؛ فهو ينتمي إلى محيطه شكلًا ولغةً ومظهرًا، لكنه يستمد وجوده الحقيقي واستمراره من غطاء خفي تمنحه إياه “الغابة السوداء.

الأمثلة من الواقع كثيرة على تجربة الأسود والحمار؛ فمنها على سبيل المثال ما طبقه الاستعمار البريطاني في إفريقيا وآسيا (على غرار نظرية اللورد لوغارد)، بمبدأ الاعتماد على القيادات المحلية والزعامات التقليدية بعد إعادة تأهيلها وترويضها، لتتولى قمع التمردات وجمع الضرائب وتقديم الفداء للإمبراطورية دون أن تحتاج لندن إلى إرسال أساطيلها لكل مواجهة.

ومنها كذلك أنظمة “الفيكيلاند” وحكومة “فيشي” الفرنسية إبان الاحتلال النازي، حيث جسدت هذا المفهوم بشكل جلي؛ إذ أدار الفرنسيون قمع زملائهم وتسليم أعضاء المقاومة للجيش الألماني، لتتحول السلطة المحلية إلى جهاز تجميع وتصفية لصالح المحتل.

في النهاية، تكشف هذه الحكاية الرمزية عن مأساة المجتمعات حين تُخدع بشرعياتٍ مصنوعة في كواليس الأقوياء. إن القوة المهيمنة لا تحتاج دومًا لإشهار مخالبها أو إرسال جيوشها؛ بل يكفيها أن تزرع في كل أرضٍ وكيلًا يعيش بين أهله بهيبةِ “الأسد”، بينما لا يعدو في حقيقته أن يكون “حمارًا” طيعًا في يد سادته.

ولن ينتهي هذا الدوران في حلقة الفداء المفرغة إلا حين تفكك المجتمعات لغز “السند الخفي”، أو كما يقال “ظل الحمار” وتدرك أن حريتها لا تبدأ من مواجهة الأسود الرابضة في أطراف الغابة فحسب، بل من كشف الأقنعة عن الوجوه التابعة التي تدير الوهم باسم الشرعية.

الأسئلة الشائعة

الحكاية تستخدم رمز الأسود والحمار لشرح كيف تُصنع الهيمنة عبر وكيل يبدو من داخل الجماعة لكنه يعمل بسند خفي من القوة المهيمنة

يفسرها بأنها إعادة تشكيل الولاء والوعي داخل المجتمع بحيث يصبح بعض أبنائه أدوات طيعة بيد القوة المهيمنة بدل المواجهة المباشرة

ذكر المقال الاستعمار البريطاني في إفريقيا وآسيا وفق نظرية اللورد لوغارد، وكذلك حكومة فيشي الفرنسية إبان الاحتلال النازي