بصراحة، أصبحت ظاهرة تصوير العزاءات ونشر الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي مشهدًا يستحق التوقف أمامه، ليس اعتراضًا على أداء واجب العزاء، ولا انتقاصًا من حق أي شخص في مواساة أهل المتوفى، وإنما رفضًا لتحويل المواقف الإنسانية إلى ساحة للظهور الإعلامي واستعراض العلاقات والمكانة الاجتماعية والسياسية.
العزاء في جوهره موقف إنساني خالص، عنوانه المواساة وجبر الخاطر والوقوف بجانب أهل الفقيد في واحدة من أصعب لحظات حياتهم. لكن المشهد في بعض الأحيان يبدو وكأنه تحول إلى جلسة تصوير، تتصدرها صور السادة النواب، ويتسابق فيها بعض الحضور على توثيق اللحظة ونشرها، وكأن أداء الواجب لا يكتمل إلا بصورة تشهد على الحضور!
وهنا يفرض نفسه سؤال مهم: هل أصبحنا نؤدي واجباتنا الإنسانية من أجل أصحاب العزاء، أم من أجل الجمهور الذي سيشاهد الصور على مواقع التواصل الاجتماعي؟
بالطبع، ليس كل من يصوّر نفسه في العزاء يسعى إلى الدعاية، وليس كل نائب ينشر صور حضوره يبحث عن شعبية أو مكسب سياسي؛ فهناك من يرى في ذلك وسيلة عادية للتواصل مع المواطنين، وهناك من يحرص على مشاركة أنشطته اليومية مع جمهوره. لكن الاعتراض يبدأ عندما يتحول الأمر إلى مبالغة في التصوير والاستعراض، أو عندما يصبح العزاء فرصة لبعض المنتفعين للظهور بجوار أصحاب المناصب، والتقاط الصور التي قد تخدم مصالحهم الشخصية.
المشكلة ليست في الكاميرا وحدها، بل في الهدف من استخدامها، وفي احترام خصوصية اللحظة ومشاعر أصحاب المصاب.
فأهل المتوفى لا يحتاجون إلى صور توثق عدد الحاضرين بقدر احتياجهم إلى كلمة طيبة، وموقف صادق، ودعاء خالص للراحل. وليس من الضروري أن يعرف الجميع أنك حضرت، أو أن تتصدر صورتك المشهد لتثبت أنك أديت الواجب؛ فقيمة المواقف لا تُقاس بعدد مرات نشرها، ولا بعدد الإعجابات والتعليقات التي تحصدها.
أما السادة النواب، فإن مكانتهم الحقيقية لا تُقاس بعدد العزاءات التي تظهر صورهم فيها، ولا بحجم حضورهم أمام الكاميرات، وإنما بما يقدمونه للناس من خدمات ومواقف جادة، وبمدى اقترابهم من المواطنين في أوقات الشدة قبل أوقات المناسبات.
النائب الذي يحترم مشاعر الناس يدرك أن حضوره واجب، وليس إنجازًا يستحق حملة دعائية. كما أن العمل العام لا يحتاج دائمًا إلى صورة، فهناك مواقف تزداد قيمتها حين تُؤدى بعيدًا عن الأضواء، وهناك أعمال لا تحتاج إلى إعلان حتى يشعر الناس بأثرها.
ولا يمكن إغفال ظاهرة أخرى مرتبطة بهذا المشهد، وهي حرص بعض الأشخاص على الظهور بجوار أصحاب المناصب، وكأن الصورة أصبحت وسيلة لإثبات القرب والنفوذ. وهنا يتحول العزاء، في بعض الحالات، من مناسبة إنسانية جامعة إلى مساحة لاستعراض العلاقات، وهو أمر يطرح تساؤلات حول حدود اللياقة والذوق العام واحترام حرمة الموت.
لسنا أمام دعوة لمنع التصوير بصورة مطلقة، ولا لمصادرة حق أحد في التعبير عن حضوره أو مشاركته، وإنما أمام دعوة لإعادة الاعتبار إلى المعنى الحقيقي للعزاء، وإلى ضرورة التمييز بين أداء الواجب الإنساني واستغلال المناسبات الاجتماعية لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية.
فحرمة الموت أكبر من أي منصب، ومشاعر أهل المتوفى أولى بالاحترام من أي صورة، والواجب الحقيقي لا يحتاج إلى فوتوسيشن حتى يصبح واجبًا.
وفي النهاية، أعتقد أن هذه الظاهرة تستحق نقاشًا مجتمعيًا هادئًا وصريحًا، بعيدًا عن تصفية الحسابات أو توجيه الاتهامات إلى أشخاص بعينهم.
والسؤال الذي أطرحه على القراء: هل ترون أن تصوير العزاءات ونشرها أصبح أمرًا طبيعيًا في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، أم أنه تجاوز في بعض الأحيان حدود الواجب الإنساني وتحول إلى دعاية سياسية واستعراض اجتماعي؟
وهل الأفضل أن نترك هذه الممارسات للحرية الشخصية، أم أن احترام حرمة الموت ومشاعر أهل الفقيد يجب أن يضع لها حدودًا واضحة؟
أترك الإجابة للرأي العام، فالمقصود ليس مهاجمة أحد، وإنما الدفاع عن قيمة إنسانية يجب أن تظل أكبر من أي منصب أو صورة أو مصلحة..

الأسئلة الشائعة

يناقش المقال ظاهرة تصوير العزاءات ونشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي بين اعتبارها مشاركة طبيعية وبين تحولها إلى استعراض اجتماعي وسياسي

يصبح محل اعتراض عندما يتحول إلى مبالغة في التصوير والاستعراض أو عندما يُستخدم لإظهار القرب من أصحاب المناصب وتحقيق مصالح شخصية

يرى المقال أن أهل المتوفى يحتاجون إلى كلمة طيبة وموقف صادق ودعاء خالص أكثر من حاجتهم إلى صور توثق عدد الحاضرين