ظهرت حقوق العمال عالميًا بشكلها المنظم والحديث خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بالتزامن مع الثورة الصناعية العالمية وتصاعد الاحتجاجات العمالية في الغرب.

ويمكن تقسيم أبرز المحطات التاريخية لظهورها وتطورها إلى ما يلي:

1- الشرارة الأولى والاحتجاجات (النصف الثاني من القرن التاسع عشر).

المطالبة بثماني ساعات عمل: بدأت الحركات العمالية والنقابات في الولايات المتحدة وأوروبا الانتفاض ضد ظروف العمل القاسية وساعات العمل الطويلة، التي كانت تتراوح بين 12 و15 ساعة يوميًا.

إضراب شيكاغو (1886): نظّم العمال في مدينة شيكاغو الأمريكية إضرابًا كبيرًا للمطالبة بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات فقط. وتطور الأمر إلى مواجهات عنيفة عُرفت باسم «أحداث هايماركت».

تأسيس اليوم العالمي للعمال (1889): حدد الاتحاد الدولي للجماعات الاشتراكية والنقابات العمالية يوم الأول من مايو لإحياء ذكرى ضحايا إضراب شيكاغو ودعم حقوق الطبقة العاملة، ليصبح لاحقًا عيدًا عالميًا للعمال.

2- التأسيس والمأسسة الدولية (بدايات القرن العشرين).

تأسيس منظمة العمل الدولية (1919): تأسست منظمة العمل الدولية كجزء من منظومة عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. وكان ذلك اعترافًا دوليًا نوعيًا بحقوق العمال؛ إذ ركزت أولى اتفاقياتها عام 1919 على تحديد ساعات العمل في الصناعة، وحظر تشغيل الأطفال، وحماية الأمومة.

3- الاعتراف الأممي الشامل (منتصف القرن العشرين).

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): بعد تأسيس الأمم المتحدة، أُدرجت حقوق العمال باعتبارها حقوقًا إنسانية أساسية. ونصت المادة 23 من الإعلان صراحةً على حق كل شخص في العمل، وحرية اختيار عمله، والعمل في ظروف عادلة ومرضية، والحماية من البطالة، بالإضافة إلى الحق في إنشاء النقابات والانضمام إليها لحماية مصالحه.

الحرب العالمية الأولى وحقوق العمال.

كانت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) المنعطف الحاسم الذي نقل حقوق العمال من مجرد مطالب نقابية واحتجاجات محلية إلى قضية تتعلق بالأمن الدولي والتشريعات الملزمة.

وتأثر الاهتمام بحقوق العمال بالحرب من خلال عدة اتجاهات رئيسية:

1- تعاظم القوة السياسية والتفاوضية للعمال.

1- دور العمال في المجهود الحربي: اعتمدت الدول المتحاربة بشكل كبير على العمال في المصانع والمناجم لإنتاج الأسلحة والذخائر وإمدادات الجبهات. ومنح هذا الاعتماد النقابات العمالية نفوذًا غير مسبوق.

2- تقديم تنازلات حكومية: لتجنب الإضرابات التي قد تعطل المجهود الحربي، اضطرت الحكومات، خاصة في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، إلى إشراك قادة النقابات في إدارة الاقتصاد، ووعدتهم بتحسين شروط العمل وزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل فور انتهاء الحرب.

2- الخوف من المد الشيوعي والثورات.

الثورة الروسية (1917): شكّلت الثورة البلشفية وسقوط النظام القيصري في روسيا صدمة كبرى للأنظمة الرأسمالية والحكومات الغربية.

تقديم الإصلاحات بديلًا للثورة: أدرك قادة العالم أن تهميش الطبقة العاملة واستمرار اضطهادها قد يؤديان إلى اندلاع ثورات عمالية مشابهة في أوروبا وأمريكا. لذلك، أصبح الاهتمام بحقوق العمال أداة سياسية ووقائية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومنع انتشار الشيوعية.

3- مأسسة الحقوق دوليًا (معاهدة فرساي 1919).

ربط السلام بالعدالة الاجتماعية: عند صياغة معاهدة فرساي، وهي اتفاقية السلام التي أنهت الحرب، أصر القادة على إدراج بند خاص بالعمال ضمن الجزء الثالث عشر من المعاهدة.

ونصت المعاهدة صراحةً على أن السلام العالمي الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا إذا قام على العدالة الاجتماعية.

تأسيس منظمة العمل الدولية: تأسست المنظمة في عام 1919 في إطار معاهدة فرساي، باعتبارها آلية دولية تهدف إلى ضمان عدم استغلال العمال، ووضع معايير عمل موحدة تمنع الدول من التنافس التجاري على حساب صحة العمال وحقوقهم.

4- دخول المرأة بقوة إلى سوق العمل.

سد الفراغ الذي خلّفه الرجال: نظرًا إلى التحاق ملايين الرجال بجبهات الحرب، دخلت النساء المصانع والمزارع والمرافق الحيوية لإدارتها والعمل فيها.

وفتح هذا التحول التاريخي الباب أمام الاهتمام الدولي والمحلي بحقوق المرأة العاملة، مثل المطالبة بالأجور المتساوية، وحظر بعض أشكال العمل الليلي الشاق للنساء، وتنظيم إجازات الأمومة.

منظمة العمل الدولية.

تأسست منظمة العمل الدولية عام 1919 في إطار معاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى. وجاء تأسيسها ليعكس قناعة دولية بأن السلام الدائم لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان مبنيًا على العدالة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي للجميع.

لماذا تأسست منظمة العمل الدولية؟

تضافرت ثلاثة دوافع رئيسية، إنسانية وسياسية واقتصادية، وراء اتخاذ قادة العالم قرار تأسيس منظمة العمل الدولية:

دافع إنساني (ظروف العمل القاسية): خلّفت الثورة الصناعية أوضاعًا معيشية وصحية متردية للعمال. فقد واجهوا ساعات عمل طويلة جدًا، تصل إلى 15 ساعة يوميًا، وغيابًا تامًا للأمان الصناعي، واستغلالًا واسعًا للأطفال والنساء، مما جعل التدخل الدولي لحمايتهم ضرورة أخلاقية.
دافع سياسي (الخوف من الثورات العمالية): بعد الثورة الروسية عام 1917 وصعود المد الشيوعي، خشيت الحكومات الغربية والرأسمالية من اندلاع ثورات مشابهة في بلدانها. وأصبح منح العمال حقوقهم من خلال تشريعات دولية منظمة بمثابة صمام أمان لحماية الاستقرار السياسي والاجتماعي.
دافع اقتصادي (تكافؤ الفرص في التجارة الدولية): كانت الدول التي ترغب في تحسين ظروف عمالها تخشى خسارة قدرتها التنافسية أمام الدول التي تستغل عمالها من خلال الأجور الزهيدة وساعات العمل الطويلة. لذلك، كان الهدف إيجاد معايير عمل دولية موحدة تضمن منافسة اقتصادية عادلة بين الدول.

أبرز محطات تطور حقوق العمال على الصعيد الدولي.

1886- إضراب شيكاغو (أحداث هايماركت): الشرارة التي رسخت المطالبة بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميًا، وأدت لاحقًا إلى اعتماد الأول من مايو عيدًا عالميًا للعمال.

1890- مؤتمر برلين الدولي: أول تحرك حكومي أوروبي مشترك لبحث شروط العمل وتنظيم تشغيل الأطفال والنساء في المصانع.

1906- اتفاقيات برن (سويسرا): إبرام أولى الاتفاقيات الدولية الملزمة التي حظرت استخدام الفسفور الأبيض السام والعمل الليلي للنساء.

1919- تأسيس منظمة العمل الدولية: المنعطف الأكبر، إذ ربطت معاهدة فرساي السلام العالمي بالعدالة الاجتماعية، واعتمدت المنظمة اتفاقية تحديد ساعات العمل في الصناعة.

1944- إعلان فيلادلفيا: إعادة صياغة أهداف منظمة العمل الدولية، وإقرار المبدأ الشهير: «العمل ليس سلعة»، مع تأكيد حق الجميع في الرفاهية المادية.

1946- الانضمام إلى الأمم المتحدة: أصبحت منظمة العمل الدولية أول وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة.

1948- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: إدراج حقوق العمال في المادة 23 باعتبارها حقوقًا إنسانية أصيلة، تشمل الحق في الأجر العادل، وتأسيس النقابات، والحماية من البطالة.

1998- إعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل: تحديد أربعة مبادئ وحقوق أساسية للعمل، هي حرية التنظيم، والقضاء على العمل القسري، وإلغاء عمل الأطفال، ومكافحة التمييز.

2008- إعلان العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة: مواجهة تحديات العولمة وتعزيز العمل اللائق من خلال أربعة أهداف استراتيجية متكاملة ومترابطة.

2022- تعديل إعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل (1998): إضافة «بيئة عمل آمنة وصحية» باعتبارها المبدأ الخامس ضمن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، بما جعل حماية صحة العامل وسلامته جزءًا من الالتزامات الأساسية للدول الأعضاء.

إعلان العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة (2008).

يركز الإعلان على أربعة أهداف استراتيجية متكاملة ومترابطة:

تعزيز العمالة: خلق فرص عمل منتجة ومستدامة.
الحماية الاجتماعية: مد شبكات الضمان الاجتماعي لتشمل الجميع.
تعزيز الحوار الاجتماعي: دعم المشاورات الثلاثية بين أطراف الإنتاج.
الالتزام بالمبادئ والحقوق الأساسية في العمل: تعزيز الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية، والقضاء على العمل الجبري وعمل الأطفال والتمييز.

حكم «ترامب» والاستقطاب في ملف حقوق العمال.

أحدثت فترة حكم «ترامب» وسياساته، خاصة في ولايته الثانية (يناير 2025 – يناير 2029)، تحولات جذرية وحالة من الاستقطاب الشديد في ملف حقوق العمال؛ إذ اتسمت سياساته محليًا ودوليًا بالتركيز على المصالح التجارية والسيادية للولايات المتحدة، وخلقت مواجهات مباشرة مع حقوق العمال والحريات النقابية ومنظمة العمل الدولية.

ويمكن تقسيم هذه المواجهات إلى ثلاثة مستويات:

أولًا: التأثير على منظمة العمل الدولية.

تبنت إدارة «ترامب» نهجًا نقديًا حادًا تجاه منظمة العمل الدولية، مدفوعًا بفلسفة «أمريكا أولًا».

ولعلنا نتذكر هنا ما فعله «ترامب» مع منظمات دولية أخرى، مثل محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، ومنظمة الصحة العالمية.

مع محكمة العدل الدولية.

عندما تعارضت قرارات المحكمة مع مصالحه ورغباته وسياساته، اتخذ «ترامب» مواقف تصادمية معها، لا سيما في ما يتعلق بحماية إسرائيل ومواجهة الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية. ووصف تحركات المحكمة بأنها تقوض السلام الذي تبنيه واشنطن في الشرق الأوسط، وتتحدى الجهود والنفوذ الأمريكيين.

كما اتخذ مواقف تصادمية في سياق النزاع مع إيران، وانسحابه من الاتفاق النووي معها عام 2018، وما ارتبط بذلك من خلافات قانونية بشأن معاهدة الصداقة الموقعة بين إيران والولايات المتحدة عام 1955.

مع المحكمة الجنائية الدولية.

اتخذ «ترامب» تدابير صارمة وعدائية إزاء المحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة تختلف عن محكمة العدل الدولية؛ إذ تختص بملاحقة الأفراد، لا الدول، وهي ليست جهازًا من أجهزة الأمم المتحدة، بل مؤسسة قضائية دولية مستقلة أنشأها نظام روما الأساسي.

وفرض «ترامب» عقوبات مالية وقيودًا على تأشيرات السفر والدخول على قضاة المحكمة، على خلفية إصدارها مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم بحق الفلسطينيين في غزة وغيرها.

واتهم «ترامب» المحكمة بممارسة أعمال غير مشروعة ولا أساس لها، وبالتمادي في تهديد السيادة الوطنية لحلفاء الولايات المتحدة. وذهب إلى فرض عقوبات مالية وقانونية مشددة عليها، في إجراءات استهدفت قيادات في المحكمة وقضاة حاليين وسابقين.

مع منظمة الصحة العالمية.

اتبَع «ترامب» سلوكًا مشابهًا مع منظمة الصحة العالمية، إذ رفض خضوع الولايات المتحدة لإرشاداتها، ووقّع أمرًا تنفيذيًا بانسحاب الولايات المتحدة رسميًا من المنظمة في يناير 2026، وقطع أشكال التمويل والتعاون معها.

واتهم المنظمة بالخضوع للنفوذ السياسي للصين، وبمساعدة بكين في التغطية على أصل جائحة كورونا، والفشل في إجراء إصلاحات حقيقية.

أما في تعامله مع منظمة العمل الدولية، فقد اتخذ عدة إجراءات، أبرزها:

1- تقييد تمويل المنظمة والتهجم على دورها:

انتقدت إدارة «ترامب» منظمة العمل الدولية، وصرح البيت الأبيض بأن المنظمة «تعمل على تنظيم العمال الأجانب نقابيًا ضد مصالح الشركات الأمريكية في الخارج».

وجُمّد التمويل الأمريكي للمنظمة، وقُطعت ملايين الدولارات، بما في ذلك تعليق نحو 107 ملايين دولار.

تجميد التعيينات وتراكم الديون: تسبب تخلف واشنطن عن سداد مستحقاتها المالية لعامين متتاليين في أزمات دبلوماسية داخل المنظمة. ورغم تجميد بعض المناصب الحساسة بسبب هذا الخلاف، عُيّن المسؤول الأمريكي «شينغ لي» نائبًا للمدير العام للمنظمة لإدارة قطاع السياسات، في محاولة للحفاظ على التوازن الدبلوماسي.

معارضة قطاع الأعمال الأمريكي: واجهت قرارات قطع التمويل معارضة من اتحادات الشركات الأمريكية الكبرى، ومنها قطاعات المنسوجات والملابس، التي جادلت بأن إضعاف المنظمة يضر بالشركات الأمريكية؛ لأن برامج المنظمة، مثل «Better Work»، تضمن الرقابة الدولية وتحد من المنافسة غير العادلة.

ثانيًا: التأثير على حقوق العمال داخل أمريكا.

تُوصف سياسات «ترامب» تجاه حقوق العمال بأنها من أكثر السياسات إثارة للجدل، إذ تراوحت نتائجها بين إضعاف هياكل النقابات العمالية وحماية عمال قطاعات معينة.

تفكيك حقوق العمل الجماعي للوظائف الفيدرالية: أصدر «ترامب» قرارات تنفيذية جرّدت أكثر من مليون موظف فيدرالي من حقوق المفاوضة الجماعية، باستثناء بعض الوكالات التي يدعم عمالها «ترامب» سياسيًا، مثل حرس الحدود.
تقليص حجم القوى العاملة المدنية: سعت قرارات التسريح الجماعي إلى تقليص حجم القوى العاملة المدنية بنسبة 12% خلال فترات الإغلاق الحكومي، وهي القرارات التي واجهتها النقابات ونجحت في وقفها قضائيًا.
إضعاف الهيئات الرقابية: شملت الإجراءات تعطيل المجلس الوطني لعلاقات العمل وإضعافه، وإقالة مسؤولين بارزين فيه لتسهيل إجراءات فصل العمال، إلى جانب تقليص ميزانيات وزارة العمل وخفض عدد مفتشي إدارة السلامة والصحة المهنية (OSHA).
تقييد تشكيل النقابات: دعمت السياسات إجراءات تجعل تنظيم العمال أنفسهم في نقابات جديدة أكثر صعوبة، من خلال إلزامية التصويت السري حتى عندما يوافق أصحاب العمل على الاعتراف بالنقابة، ومنح إدارات الشركات، في الوقت نفسه، نفوذًا أكبر على العمال.

ثالثًا: التأثير على حقوق العمال عالميًا.

امتدت السياسات الأمريكية لتؤثر في شكل علاقات العمل داخل سلاسل الإمداد العالمية، عبر آليات تجارية متعددة.

استخدام التعريفات الجمركية لمواجهة السلع المنتجة بالعمل الجبري: استخدم «ترامب» التعريفات الجمركية الأمريكية لمواجهة السلع المصنوعة بالعمل القسري، وفقًا لتفسيراته، بزعم حماية العمال الأمريكيين من المنافسة غير العادلة. وشمل ذلك تفعيل القوانين المتعلقة بمنع العمل الجبري وفرض تعريفات جمركية على سلع من عشرات الاقتصادات، مثل الصين ودول في أمريكا اللاتينية وآسيا، للحد من منافستها.
تراجع الدعم الدبلوماسي لحقوق العمال: يقدّر خبراء العلاقات الدولية أن واشنطن خفضت دعمها المالي والسياسي لبرامج حقوق العمل الدولية، بما أضعف المعايير الدولية للعمل وترك العمال في الدول النامية دون حماية كافية من استغلال الشركات الكبرى متعددة الجنسيات.

ويمكن القول، باختصار، إن سياسات «ترامب» نقلت ملف حقوق العمال من إطاره الحقوقي والإنساني إلى ملف اقتصادي تحكمه الصراعات والتنافسات التجارية، وأضعفت دور نقابات العمال والمنظمات الدولية، وفرضت، في الوقت نفسه، قيودًا صارمة على دول بزعم استخدامها العمل الجبري في إنتاج السلع المصدرة.

«ترامب» ومنظمة العمل الدولية.

لم تنجُ منظمة العمل الدولية من نهج «ترامب» وعقيدته السياسية التي طبقها على المحكمة الجنائية الدولية ومنظمة الصحة العالمية، والتي تمثلت في استخدام «الابتزاز المالي» والضغط السياسي للسيطرة على مفاصل المنظمات الدولية، وإخضاعها للتوجهات الأمريكية، وضمان عدم اتخاذها أي قرارات تضر بمصالح واشنطن أو شركاتها الكبرى.

ويمكن رصد استخدام هذه الاستراتيجية ضد منظمة العمل الدولية من خلال عدد من الشواهد والدلالات، منها:

معركة التعيينات في منصب نائب المدير العام.

سعت إدارة «ترامب» إلى فرض تعيين موظفين موالين لها في منصب نائب المدير العام لمنظمة العمل الدولية، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها من خلاله، مستفيدة من كونها أحد أكبر ممولي المنظمة، وبحسب ما ورد في هذا السياق، من مساهمتها بنسبة 22% من تمويلها.

وتمثل ذلك في طلب تعيين «نيلز نوردكويست»، أحد كبار المستشارين الاقتصاديين لـ«ترامب» في البيت الأبيض، نائبًا للمدير العام للمنظمة، مع تعديل الهيكل الإداري لمنح هذا النائب مسؤولية الإشراف على قطاعات رسم السياسات في المنظمة، ومراجعة جميع تقاريرها قبل صدورها ورفعها إلى المدير العام.

وبعد التراجع عن ترشيح «نيلز نوردكويست» نتيجة الاعتراضات داخل مجلس إدارة المنظمة، رشحت واشنطن «شينغ لي»، وهو مسؤول رفيع في وزارة العمل خلال إدارة «ترامب»، ليكون، وفقًا للانتقادات الموجهة إلى الترشيح، بمثابة «رقيب سياسي» على المنظمة، يمتلك سلطات لتجميد التحركات التي لا تدعمها واشنطن أو تقييدها.

رفض منظمة العمل الدولية الاستسلام لإرادة «ترامب».

على عكس رغبة إدارة «ترامب» في إحكام قبضتها على منظمة العمل الدولية، شهدت أروقة المنظمة في جنيف مواجهة حادة، تمثلت فيما يأتي:

1- تجميد ترشيحات إدارة «ترامب»: عبّر موظفو المنظمة وممثلون عن الدول الأعضاء عن مخاوفهم من أن يؤدي تعيين مرشحي «ترامب» إلى منح واشنطن سيطرة وهيمنة غير متناسبتين على سياسات المنظمة وتوجهها الاستراتيجي.

2- رفض تعيين المرشح الأمريكي: في يونيو 2026، اتخذت منظمة العمل الدولية خطوة قوية بإلغاء قرار تعيين المرشح الأمريكي «شينغ لي» وسحبه نهائيًا، ومنعه من تولي منصبه، ردًا على مماطلة إدارة «ترامب» في سداد مستحقاتها المالية المتأخرة للمنظمة.

استخدام واشنطن سلاح تجفيف المنابع المالية للمنظمة وشيطنتها سياسيًا.

سعى «ترامب» إلى تكرار ما حدث مع منظمة الصحة العالمية، عندما اتهمها بالتبعية للصين، موظفًا استراتيجية مماثلة في الهجوم على منظمة العمل الدولية وشيطنتها سياسيًا، عبر خفض التمويل بهدف الضغط عليها وضمان خضوعها وتراجعها.

فهاجم البيت الأبيض منظمة العمل الدولية في بيانات رسمية، متهمًا إياها بأنها «منظمة تعمل على فرض تنظيم العمال الأجانب نقابيًا، بما يضر بمصالح الشركات الأمريكية في الخارج».

وفرض، بناءً على هذا الاتهام، اقتطاعًا ماليًا بقيمة 107 ملايين دولار من التمويل المخصص للمنظمة، لتواجه عجزًا ماليًا خانقًا؛ إذ تجاوزت ديون الولايات المتحدة ومستحقاتها المتأخرة للمنظمة حاجز 173 مليون فرنك سويسري، نتيجة تراكم المستحقات المالية وعدم سدادها.

ويهدد هذا الوضع بإلغاء ما يقرب من 295 وظيفة وخفض العمليات الميدانية للمنظمة حول العالم.

وقد ألقت أزمة التمويل والتعيينات، التي تقودها إدارة «ترامب» ضد منظمة العمل الدولية، بظلالها على انتخابات منصب المدير العام للمنظمة، المقررة في 16 نوفمبر 2026.

وأحدثت سياسات «ترامب» حالة من الاستقطاب الحاد والاضطراب المالي، بما يضغط باتجاه إعادة تشكيل خريطة التحالفات والترشيحات داخل المنظمة. ويظهر ذلك بوضوح في المؤشرات والملفات الحالية للعملية الانتخابية.

1- إشعال انتخابات مدير عام المنظمة وتحويلها إلى منافسة سياسية وأيديولوجية.

أُغلق باب الترشح رسميًا لمنصب المدير العام للمنظمة في 31 أغسطس 2026، على ثلاثة مرشحين، يدور انقسام المجتمع الدولي حولهم على أسس سياسية وأيديولوجية، وهم:

المدير الحالي، جيلبرت هونغبو (توجو): يسعى إلى الفوز بولاية ثانية، ويُنظر إليه باعتباره رمزًا لمقاومة الهيمنة الأمريكية، بعد أن اتخذت المنظمة، خلال قيادته، قرارًا بإلغاء تعيين المرشح الأمريكي «شينغ لي» بسبب تخلف واشنطن عن سداد مستحقاتها المالية.
خافيير غونزاليس أولايتشيا (بيرو): دخلت بيرو السباق بترشيح وزير خارجيتها السابق، ذي التوجهات المحافظة والمدعوم من الحكومة اليمينية هناك، والذي يُنظر إليه باعتباره بديلًا قد يحظى بقبول إدارة «ترامب»، بما يضمن عودة التمويل الأمريكي دون مواجهة سياسية.
يولاندا دياز (إسبانيا): وزيرة العمل الإسبانية، التي تمثل الجبهة الأوروبية المدافعة عن حقوق العمال والنقابات، والرافضة للابتزاز المالي الذي تمارسه واشنطن ومحاولاتها تقويض حماية العمال لصالح الشركات الأمريكية حول العالم.

2- الابتزاز المالي أداةً لتوجيه أصوات الناخبين.

تخوض منظمة العمل الدولية غمار هذه الانتخابات في ظل معاناتها من عجز مالي كبير، بسبب ديون واشنطن المتراكمة، التي بلغت 257 مليون فرنك سويسري، وهو ما يُستغل عنصرًا للضغط النفسي والسياسي على مجلس إدارة المنظمة، الذي يتولى انتخاب المدير العام.

3- ضرب مبدأ «التوافق الثلاثي» التاريخي للمنظمة.

قامت منظمة العمل الدولية، منذ تأسيسها، على نظام تمثيل ثلاثي في تشكيلاتها وأنشطتها كافة، يجمع بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال.

غير أن هجوم إدارة «ترامب» الصريح على المنظمة، واتهامها بأنها «تعمل على تنظيم العمال الأجانب نقابيًا ضد الشركات الأمريكية»، أديا إلى انقسام حاد داخل الكتل التصويتية في مجلس إدارة المنظمة:

كتلة أصحاب العمل: تميل إلى التفاعل مع رغبات واشنطن وتجنب الصدام مع سياساتها التجارية الحمائية التي يتبناها «ترامب».
كتلة العمال ونقاباتهم: تبدي استبسالًا في دعم المرشحين الذين يحافظون على استقلالية المنظمة الدولية في مواجهة ما تصفه بـ«البلطجة المالية» الأمريكية.
كتلة الحكومات: تحسمها الحسابات السياسية ومدى ارتباط الدول بالولايات المتحدة الأمريكية.

خلاصة الأمر.

ستكون انتخابات نوفمبر 2026 لاختيار المدير العام لمنظمة العمل الدولية بمثابة استفتاء دولي؛ فإما أن يختار أعضاء مجلس إدارة المنظمة الانصياع لرغبات إدارة «ترامب» وتمرير قيادة ترضاها واشنطن، مقابل استعادة التمويل والحفاظ على الوظائف، وإما أن ينتخبوا قيادة مستقلة تواجه الحصار الأمريكي، الذي قد ينتهي بانسحاب واشنطن بالكامل من منظمة العمل الدولية، كما فعلت مع منظمة الصحة العالمية من قبل.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بالنتائج، في ظل الوقائع والمتغيرات والتفاصيل الدقيقة المرتبطة بخريطة الترشيحات وهيكل المنظمة، وذلك في ضوء العوامل التالية:

1- مقاومة المدير الحالي واستبساله.

عدم استسلام المدير الحالي للاتفاق الذي كان قد جرى قبوله، والذي يقضي بتقييد صلاحياته لمصلحة نائب المدير الأمريكي، وموافقة إدارة المنظمة عليه تحت الضغط الأمريكي.

2- الانقلاب التكتيكي.

اتخذ جيلبرت هونغبو، المدير الحالي لمنظمة العمل الدولية، خطوة جريئة وصادمة لواشنطن في يونيو 2026، حين سحب قرار تعيين المرشح الأمريكي «شينغ لي» وألغاه، ومنعه من تولي منصبه نائبًا للمدير العام.

واستغل هونغبو امتناع إدارة «ترامب» عن سداد ديونها للمنظمة، التي بلغت 257 مليون فرنك سويسري، لتجميد تعيين المرشح الأمريكي ورفض المطالب الأمريكية، وهو ما جعله، في نظر كتلة العمال وعدد من الحكومات، رمزًا للمقاومة، لا شخصية ممتثلة للإملاءات الأمريكية.

3- خريطة المنافسين للمدير الحالي في انتخابات 16 نوفمبر 2026.

وفقًا للقوائم الرسمية المعلنة، ينافس المدير الحالي مرشحان:

مرشحة إسبانيا، يولاندا دياز: ليست مجرد وزيرة عمل، بل تشغل أيضًا منصب النائبة الثانية لرئيس الوزراء الإسباني، وهي سياسية اشتراكية بارزة، يحظى ترشيحها بدعم قوي من حكومة مدريد والكتل العمالية والنقابية في أوروبا. وتتبنى دياز خطًا هجوميًا ضد سياسات «ترامب» وضد تقليص حقوق العمال لصالح أصحاب العمل.

مرشح بيرو، خافيير غونزاليس أولايتشيا: وزير خارجية سابق وسياسي محافظ جدًا، تدعمه حكومة يمين الوسط في بيرو. ويُنظر إليه باعتباره خيارًا مهادنًا قد يرضي إدارة «ترامب»، ويعيد صياغة العلاقة مع واشنطن بما يضمن تأمين تمويل المنظمة.

4- السيناريوهات المتوقعة لنتيجة الانتخابات.

بناءً على هذه المعطيات المتشابكة، فإن مجلس إدارة منظمة العمل الدولية يتكون من 56 عضوًا أصيلًا يتمتعون بحق التصويت، موزعين وفق الهيكل الثلاثي الذي تقوم عليه المنظمة، على النحو التالي:

28 ممثلًا للحكومات.
14 ممثلًا لأصحاب العمل.
14 ممثلًا للعمال.

ويمكن تقسيم المجلس إلى جبهتين رئيسيتين محتملتين، بما يجعل التكهن باستبعاد المدير الحالي أمرًا صعبًا، ويضعنا أمام سيناريوهين:

السيناريو الأول: الإبقاء على جيلبرت هونغبو أو صعود الإسبانية يولاندا دياز.

إذا غلبت على الدول الأعضاء الرغبة في الحفاظ على استقلالية المنظمات الدولية ورفض الابتزاز المالي والخضوع لإرادة «ترامب»، فقد تتكتل الأصوات لدعم التجديد لهونغبو، مكافأةً له على إلغاء التعيين الأمريكي، أو التصويت لصالح دياز لقيادة جبهة دولية داعمة لحقوق العمال.

السيناريو الثاني: اختيار البديل البيروفي.

أما إذا سيطرت المخاوف المالية على الدول الأعضاء، بسبب شبح تعثر المنظمة ماليًا وإلغاء ما يقرب من 295 وظيفة نتيجة الضغوط التجارية والمالية الأمريكية، فقد يتم التخلي عن هونغبو وانتخاب المرشح البيروفي المحافظ، خافيير غونزاليس أولايتشيا، في إطار صفقة دبلوماسية غير معلنة تتضمن تقديم تنازلات للإدارة الأمريكية، مقابل إعادة ضخ مئات الملايين في خزينة المنظمة.

خلاصة القول.

يجب ألا يقبل العمال وممثلوهم وداعموهم مستقبلًا قائمًا على «اتفاقات رمادية» أو تنازلات مبدئية توسع نطاق استغلال العمال، وتؤدي إلى الانحياز لمرونة السوق وحماية الشركات متعددة الجنسيات.

ويبقى السؤال المر: هل يمكن لمنظمة العمل الدولية أن تحافظ على استقلالها، وتقاوم الضغوط الترامبية، وتطهر صفوفها من التشوهات التي طالت بعض مواقعها خلال فترة الضغوط المالية والاقتصادية والسياسية؟ أم سيظل شلل الخوف يقيد يد الإدارة، إلى أن تنتهي تلك المرحلة البرتقالية؟

الرابط المختصر https://alhorianews.com/sh/f882

الأسئلة الشائعة

أدت سياسات ترامب إلى تجميد التمويل الأمريكي للمنظمة وقطع ملايين الدولارات منها وخلق أزمة مالية وضغط سياسي ارتبط بمحاولة التأثير على قراراتها وتعييناتها

أصدر ترامب قرارات جرّدت أكثر من مليون موظف فيدرالي من حقوق المفاوضة الجماعية وسعت لتقليص القوى العاملة المدنية وإضعاف المجلس الوطني لعلاقات العمل وتقليص الرقابة العمالية

المقال يذكر أن انتخابات المدير العام مقررة في 16 نوفمبر 2026 بين جيلبرت هونغبو وخافيير غونزاليس أولايتشيا ويولاندا دياز وسط عجز مالي وضغط أمريكي واضح