أعتقد أن الحب من أكثر الأشياء التي تكشف حقيقة وجوهر الإنسان، وأن الطريقة التي نحب بها تقول عن أرواحنا أكثر مما تقوله الكلمات التي نختارها عندما نتحدث عن أنفسنا. أفكر في قيس بن الملوح وأنا أستعيد حكايته مع ليلى، وفي ذلك الشاعر الذي ظل اسم امرأة واحدة حاضرًا في قصائده، حتى أًصبح اسمهما معًا جزءًا من الوجدان العربي. ثمة شيء يستحق استعادة هذه الحكايات؛ أن يظل إنسان وفيًّا لشعوره، وأن يمنح من أحب مكانًا في حياته لا تمحوه المسافات، ولا تنهيه السنوات، وأن يجد في الكتابة وسيلة للاحتفاظ بما عجزت الحياة عن منحه إياه.
لم يكن قيس وحده في هذه الحكاية. كان هناك جميل بثينة، وعنترة وعبلة، وعشاق كثيرون تركوا لنا قصائدهم وأخبارهم، ومضوا. أحب هؤلاء في ظروف اجتماعية قاسية، وواجهوا أعرافًا حالت بينهم وبين من أحبوا. ومع ذلك، ظلوا يكتبون، ويستعيدون الوجوه والأماكن واللقاءات العابرة، ويمنحون مشاعرهم كلمات وصلت إلينا بعد قرون طويلة. أفكر في الأمر وأتساءل: ما الذي يجعل تجربة إنسان عاش قبل مئات السنين قادرة على لمس قارئ يعيش في أماكن وأزمنة مختلفة تمامًا؟ ربما لأننا، على اختلاف أحوالنا، نعرف معنى أن يصبح شخص ما عزيزًا إلى الحد الذي تتغير معه علاقتنا بالأشياء من حولنا.
يقول عنترة بن شداد في معلقته: “ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ مني وبيض الهند تقطر من دمي”. يستحضر الشاعر عبلة وسط المعركة، في لحظة ينشغل فيها الفارس بمواجهة الموت، وتحيط به الرماح والسيوف. أتوقف عند هذا البيت، وأفكر في حضور المحبوبة في وعي رجل يخوض معركة، وفي الطريقة التي تختصر بها كلمات قليلة علاقة كاملة. لم يحتج عنترة إلى أن يشرح لنا ما تمثله عبلة في حياته؛ ذكرها في تلك اللحظة، وترك لنا أن نفهم. ولعل الشعر الجميل يفعل ذلك دائمًا، يمنحنا مشهدًا صغيرًا، ثم يترك في نفوسنا مساحة واسعة من الأشواق والأسى.
وفي حكاية جميل بثينة معنى آخر للوفاء. ظل جميل يكتب لبثينة، وظل اسمها حاضرًا في شعره، حتى أصبح اقترانهما من أشهر حكايات الحب في التراث العربي. يعجبني في هذه الحكاية أن المرأة لم تختفِ تمامًا وراء صورة الشاعر؛ فقد احتفظت الذاكرة باسمها إلى جوار اسمه، وأصبحت جزءًا من الحكاية التي تناقلتها الأجيال. وربما كان في ذلك ما يستحق الانتباه؛ أن يتحول الحب، بعد انقضاء زمن أصحابه، إلى ذاكرة مشتركة، وأن يجد القراء في أسماء العشاق ما يعيد إليهم شيئًا من تجاربهم الخاصة.
أحب في هذه القصص أنها تفتح لنا بابًا للتفكير في الإنسان، بعيدًا عن الأحكام المسبقة التي نطلقها على مشاعره. فالحب عند قيس يختلف عن الحب عند عنترة، وتجربة جميل لها ملامحها الخاصة، لكن أصحابها يشتركون في رغبتهم في التعبير عما يشعرون به، وفي قدرتهم على تحويل التجربة الشخصية إلى شعر يقرأه الآخرون ويجدون فيه ما يعنيهم. لم تعد هذه القصائد ملكًا لأصحابها وحدهم؛ فقد غدت جزءًا من ثقافة كاملة، ووسيلة لفهم ما يمر به البشر حين يحبون، ويشتاقون، ويخسرون، ويحاولون الاحتفاظ بما تبقى لهم.
وعندما نصل إلى ابن الفارض، نكتشف أن الحب اتخذ في التراث العربي مسارات أخرى، وامتد من العلاقة بين الإنسان ومحبوبه إلى التجربة الصوفية وما تحمله من شوق روحي. يقول ابن الفارض: “زدني بفرط الحب فيك تحيرًا وارحم حشىً بلظى هواك تسعّرًا”. في هذا البيت، نلمح إنسانًا يطلب المزيد من الحب، رغم ما يسببه له من حيرة واحتراق. لقد أصبح الشوق تجربة تستغرق الروح، وتدفع صاحبها إلى البحث عن معنى يتجاوز حدود الحياة اليومية. وأجد في هذا الامتداد ما يكشف عن ثراء مفهوم المحبة في الثقافة العربية، وقدرته على التعبير عن تجارب إنسانية وروحية متباينة.
أفكر أحيانًا في الظروف التي عاش فيها هؤلاء العشاق، وفي الأعراف التي تدخلت في اختياراتهم، وفي المسافة التي فصلت بين رغباتهم وما أتيح لهم من حياة. كان الزواج في كثير من البيئات محكومًا باعتبارات عائلية وقبلية، ولم تكن رغبة الفرد كافية دائمًا لتحديد مستقبله. ومع ذلك، استطاع الشعراء أن يمنحوا مشاعرهم مساحة للتعبير، وأن يتركوا لنا شهادات عن رغبة الإنسان في اختيار من يحب، وعن حاجته إلى أن تكون له كلمة في حياته الخاصة. وقد تكون هذه إحدى القيم التي تجعل حكاياتهم قريبة منا؛ أنها تذكّرنا بحق الإنسان في مشاعره، وبأهمية أن يجد في حياته مجالًا للاختيار.
أحب الكتاب والشعراء الذين ينظرون إلى الإنسان بعين رقيقة، ويمنحون تجاربه اليومية ما تستحقه من اهتمام. أولئك الذين يعرفون أن المشاعر التي تبدو بسيطة قد تحمل داخلها أسئلة كبيرة عن الحرية والوفاء والكرامة، وأن كلمة يكتبها عاشق في لحظة شوق قد تعيش أكثر من صاحبها. لا يحتاج الأمر إلى نهايات سعيدة حتى تستحق الحكايات أن تبقى؛ يكفي أن نجد فيها صدقًا إنسانيًا يجعلنا نتوقف قليلًا، ونتأمل حياتنا، ونتذكر الأشخاص الذين تركوا فيها أثرًا عزيزًا.
ربما لهذا نعود إلى قيس وليلى، وجميل بثينة، وعنترة وعبلة، ونقرأ قصائدهم بعد مرور كل هذه القرون. نعود إليهم لأنهم منحوا مشاعرهم كلمات بقيت، ولأن حكاياتهم تذكّرنا بأن الإنسان يحتاج إلى الحب، وإلى الحرية في اختياره، وإلى مساحة يحتفظ فيها بما يعنيه. وقد تكون أجمل هدية يقدمها الشعر لنا أن يجعلنا أكثر انتباهًا إلى ما نحمله في قلوبنا، وأكثر تقديرًا للأشخاص الذين يمرون في حياتنا ويتركون فيها أثرًا طيبًا. فهل نمنح من نحبهم ما يستحقونه من رقة ووفاء؟ وهل نعرف قيمة وجودهم قبل أن تتحول أيامهم معنا إلى ذكريات نستعيدها بعد فوات الأوان؟.
يركز المقال على كيف تكشف حكايات الحب في التراث العربي عن الوفاء والشوق والحرية، من خلال قيس وليلى وجميل بثينة وعنترة وعبلة وابن الفارض
لأنه يوضح حضور المحبوبة في لحظة شديدة القسوة داخل المعركة، وكيف تختصر كلمات قليلة علاقة كاملة وتترك أثرًا شعوريًا كبيرًا
أن جميل ظل يكتب لبثينة وظل اسمها حاضرًا في شعره حتى أصبح اقترانهما من أشهر حكايات الحب في التراث العربي


