تواجه الولايات المتحدة معضلة متكررة في الشرق الأوسط، تتمثل في كيفية حماية مصالحها دون الانجرار إلى حروب طويلة ومكلفة، أو الانسحاب الكامل من منطقة لا تزال تؤثر في أمن الطاقة العالمي ومنع الانتشار النووي والتوازنات الإقليمية.
وعلى مدار عقود، تعهد رؤساء أمريكيون، من بيل كلينتون وجورج بوش الابن إلى باراك أوباما وجو بايدن ودونالد ترامب، بتوجيه الاهتمام نحو مناطق أخرى، لكن التطورات أعادت واشنطن مرارًا إلى صراعات الشرق الأوسط.
حروب مكلفة ونتائج لم تحسم التحديات
بحسب تحليل لمجلة “فورين أفيرز” الأمريكية بعنوان: “لا ينبغي لأمريكا أن تتخلى عن الشرق الأوسط”، كشفت تجربتا أفغانستان والعراق حجم الأعباء المترتبة على التدخل العسكري الأمريكي، إذ بلغت تكلفة كل حرب منهما ما لا يقل عن تريليوني دولار، إلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة، ورغم أن عمليات مكافحة الإرهاب قلصت بعض التهديدات، فإنها لم تقضِ على الإرهاب، بينما أسهمت حالة عدم الاستقرار في تفاقم أزمات بالمنطقة.
وأظهرت الحرب مع إيران بدورها أن الانخراط العسكري لا يقتصر على تكاليف العمليات المباشرة التي تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، بل يمتد إلى سقوط قتلى، وتحويل الموارد العسكرية بعيدًا عن أولويات أخرى، واستنزاف الذخائر، وزيادة الضغوط على التحالفات، كما أن روسيا استفادت من ارتفاع أسعار النفط، في حين تعرضت أسواق الطاقة لاضطرابات واسعة، وأصبح النظام الإيراني أكثر تشددًا.
الوجود العسكري الأمريكي بين الردع والاستنزاف
بحسب “فورين أفيرز”، تواجه القواعد الأمريكية في المنطقة مخاطر متزايدة من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية الإيرانية، ما يطرح تساؤلات بشأن جدوى استمرار الانتشار العسكري بصورته الحالية، كما أن الدعم الأمريكي لإسرائيل وشركاء الخليج أسهم في ربط واشنطن بصورة أكبر بالتطورات الإقليمية، ورفع احتمالات انخراطها في مواجهات لا تتحكم وحدها في مساراتها.
وتتزامن هذه التحديات مع تنامي الشكوك داخل الولايات المتحدة بشأن الحرب مع إيران وما يُعرف بـ”الحروب الأبدية”، ولا تقتصر المعارضة على تيار سياسي واحد، إذ تظهر الانتقادات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، خصوصًا بين الناخبين الأصغر سنًا، الذين يبدون تشككًا في جدوى استمرار التدخلات العسكرية الممتدة.
لماذا يصعب على واشنطن مغادرة المنطقة؟
رغم كلفة التدخلات، يرى “التحليل”، أن الولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل الشرق الأوسط بالكامل، إذ تظل أسعار الطاقة العالمية مؤثرة في اقتصادها، حتى مع كونها دولة مصدرة صافية للطاقة، كما تحتفظ واشنطن بمصالح تتعلق بمنع الانتشار النووي، ومواجهة ما تبقى من تهديدات الإرهاب، والحفاظ على العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية مع دول الخليج.
وتتجاوز قيمة الصناديق السيادية الخليجية 5 تريليونات دولار، فيما تبلغ قيمة الأصول الخليجية في الولايات المتحدة نحو تريليوني دولار، ويتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج تريليوني دولار، وتعكس هذه الأرقام حجم الروابط الاقتصادية التي تجعل العلاقة مع المنطقة تتجاوز الاعتبارات العسكرية والأمنية.
مضيق هرمز.. نقطة ضغط على الاقتصاد العالمي
يمر عبر مضيق هرمز نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. وخلال الحرب، أدى إغلاق إيران المضيق أو شن هجمات مرتبطة به إلى ارتفاع أسعار النفط، مع زيادة أسعار البنزين في الولايات المتحدة بأكثر من 40% والديزل بأكثر من 70%.
وتوضح هذه الاضطرابات حجم الخسائر المحتملة؛ إذ إن تراجع الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 1% نتيجة صدمة نفطية قد يكلف الاقتصاد أكثر من 300 مليار دولار، بينما قد تتجاوز خسائر الاقتصاد العالمي تريليون دولار إذا انخفض ناتجه بنسبة 1%. لذلك، لا يقتصر تأمين المضيق على حماية إمدادات الطاقة، وإنما يرتبط باستقرار الاقتصاد العالمي.
خطر الانتشار النووي وتبدل التحالفات
يمثل احتمال امتلاك إيران سلاحًا نوويًا أحد أبرز دوافع استمرار الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، إذ قد يدفع ذلك السعودية وتركيا إلى السعي لامتلاك قدرات نووية مماثلة. وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد قال إن بلاده ستحتاج إلى سلاح نووي إذا امتلكت إيران واحدًا.
وفي عام 2025، وقعت السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان النووية، ثم أبرمت في عام 2026 اتفاقًا مع تركيا وباكستان، ويثير احتمال تراجع الالتزام الأمريكي مخاوف من اتجاه دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الأمنية مع باكستان وتركيا والصين، بالتوازي مع احتمال لجوء إسرائيل إلى ضربات استباقية أو سعي إيران إلى دفع برنامجها النووي قدمًا.
الانسحاب الكامل يحمل مخاطر أخرى
لا يعني تقليص الوجود العسكري الأمريكي أن الانسحاب الكامل سيكون أقل كلفة، فالتجربة السابقة للانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011 سبقت صعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ثم عودة القوات الأمريكية إلى البلاد، كما قد يؤدي التخلي عن المنطقة إلى تراجع النفوذ الأمريكي في ملفات حقوق الإنسان، ويمنح قوى أخرى مساحة أوسع للتأثير في التوازنات الإقليمية.
وتعكس هذه الاحتمالات صعوبة الاختيار بين استمرار التدخلات الواسعة وترك المنطقة بالكامل؛ فكل خيار يحمل مخاطر على المصالح الأمريكية، سواء من ناحية أمن الطاقة أو الانتشار النووي أو مستقبل التحالفات، وهو ما يجعل إعادة تصميم السياسة الأمريكية أكثر واقعية من الاكتفاء بالتصعيد أو الانسحاب.
استراتيجية بديلة: حضور أقل ودبلوماسية أكثر
يقترح “التحليل” مسارًا بديلًا يقوم على رفض تغيير الأنظمة بالقوة، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي الذي يتجاوز 50 ألف جندي موزعين على أكثر من اثنتي عشرة قاعدة رئيسية، مع الاعتماد على مواقع أصغر وأكثر تشتتًا وتحصينًا، بالإضافة إلى إمكانية نقل بعض مهام القيادة إلى الولايات المتحدة وأوروبا وجزيرة دييجو جارسيا، مع الحفاظ على ترتيبات الوصول العسكري مع الأردن ودول الخليج.
ويشمل هذا النهج إعادة إحياء الدبلوماسية مع إيران للتوصل إلى قيود نووية يمكن التحقق منها، بالتوازي مع الحفاظ على الردع، كما يتطلب تنويع مسارات نقل الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز؛ إذ تستطيع السعودية والإمارات تحويل نحو 5 ملايين برميل يوميًا عبر مسارات بديلة، مع خطط لإضافة ما لا يقل عن 4 ملايين برميل أخرى إلى طاقة خطوط الأنابيب، فضلًا عن إمكانية إنشاء مسار يربط العراق بسوريا.
شروط للدعم وتحالفات أكثر توازنًا
تتضمن المقاربة المقترحة تقليل الاعتماد على النفط، وربط المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل باحترام حقوق الإنسان وقوانين المساعدات الإنسانية، وتطبيق شروط مماثلة على الدعم الأمني المقدم لدول الخليج، كما تدعو إلى تعزيز التعاون مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين بدلًا من تحمل واشنطن وحدها أعباء إدارة الأزمات.
وتبرز انتخابات عام 2028 فرصة لفتح نقاش أمريكي أوسع بشأن مستقبل السياسة تجاه الشرق الأوسط، وحدود الالتزام العسكري المطلوب، والخلاصة بحسب التحليل ترى أن الخيار الأكثر واقعية لا يتمثل في التخلي عن المنطقة أو الاستمرار في تدخلات مفتوحة، وإنما في إعادة ترتيب الأولويات، وحماية المصالح الأمريكية بأدوات أقل تكلفة وأكثر قدرة على احتواء المخاطر.
لأن المنطقة ترتبط بأمن الطاقة العالمي ومنع الانتشار النووي والتوازنات الإقليمية والعلاقات الاقتصادية والتكنولوجية مع دول الخليج
يشير التحليل إلى أن حربَي أفغانستان والعراق كلفتا ما لا يقل عن تريليوني دولار لكل حرب إضافة إلى الخسائر البشرية الكبيرة
يقترح تقليص الوجود العسكري واعتماد مواقع أصغر وأكثر تحصينًا وإحياء الدبلوماسية مع إيران وتنويع مسارات نقل الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز


