تحل اليوم، الأربعاء 14 أكتوبر، الذكرى السادسة لرحيل الفنان الكبير محمود ياسين، أحد أبرز نجوم السينما والدراما المصرية، وصاحب المشوار الفني الاستثنائي الذي امتد لعقود طويلة، نجح خلالها في أن يحجز لنفسه مكانة خاصة في وجدان الجمهور، بفضل موهبته الاستثنائية وحضوره الطاغي وصوته المميز، الذي ظل علامة فارقة في تاريخ الفن المصري.
لم يكن محمود ياسين مجرد نجم وسيم استطاع أن يجذب الأنظار، بل كان فنانًا يمتلك أدوات متعددة، جمع من خلالها بين الرومانسية والدراما الوطنية والأعمال الاجتماعية والتاريخية، وقدم شخصيات متنوعة كشفت عن قدرته على الانتقال بين الأدوار المختلفة، دون أن يفقد بصمته الخاصة التي ميزته عن أبناء جيله.
من بورسعيد إلى خشبة المسرح
وُلد محمود ياسين في مدينة بورسعيد يوم 2 يونيو عام 1941، ونشأ محبًا للفن والتمثيل، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لدراسة الحقوق بجامعة عين شمس، التي تخرج فيها عام 1964. لكن شغفه الحقيقي كان يتجه نحو المسرح، فاختار أن يبدأ رحلته من خشبته، مؤمنًا بأن الموهبة تحتاج إلى الدراسة والتجربة والعمل المستمر حتى تصل إلى الجمهور.
التحق بالمسرح القومي، وقدم عددًا من المسرحيات المهمة التي ساهمت في صقل موهبته، من بينها «ليلى والمجنون» و«الخديوي» و«حدث في أكتوبر»، ليؤكد مبكرًا أنه يمتلك حضورًا مسرحيًا لافتًا وقدرة على تجسيد الشخصيات المركبة.
وكان المسرح بالنسبة إليه مدرسة حقيقية، تعلم فيها الانضباط والالتزام وفهم الشخصية من الداخل، وهي عناصر انعكست لاحقًا على أدائه السينمائي والتليفزيوني، وساعدته على بناء شخصية فنية متماسكة استطاعت الصمود أمام تغيرات الأجيال والأذواق.
السينما.. رحلة صعود نجم كبير
بدأ محمود ياسين خطواته السينمائية في أواخر ستينيات القرن الماضي، وشهدت السبعينيات انطلاقته الحقيقية نحو النجومية، ليصبح واحدًا من أبرز أبطال السينما المصرية، في مرحلة كانت فيها الشاشة الكبيرة تشهد تحولات فنية واجتماعية مهمة.
امتلك محمود ياسين ملامح البطل الرومانسي، لكنه لم يحصر نفسه في هذا القالب، بل استطاع أن يقدم أدوارًا متنوعة تجمع بين القوة والضعف، والحب والصراع، والانتصار والانكسار، وهو ما منحه مساحة واسعة لدى المخرجين والكتاب، وجعل اسمه حاضرًا بقوة في أفلام تنتمي إلى مدارس واتجاهات مختلفة.
ومن أبرز أفلامه «الخيط الرفيع» أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، و«أنف وثلاث عيون»، و«الرصاصة لا تزال في جيبي»، و«الوفاء العظيم»، و«على من نطلق الرصاص»، و«مولد يا دنيا»، و«أفواه وأرانب»، و«الباطنية»، و«سوق المتعة»، و«الجزيرة».
كما ارتبط اسمه بعدد من التجارب السينمائية التي تركت أثرًا لدى الجمهور، سواء من خلال الأدوار الرومانسية التي أظهر فيها رقة المشاعر وصدق الأداء، أو الأعمال التي اقتربت من الواقع المصري، وعكست تحولات المجتمع وصراعاته، وصولًا إلى الأدوار الأكثر تعقيدًا التي قدمها في مراحل متقدمة من مسيرته.
وكان من أبرز ما ميز محمود ياسين قدرته على التعامل مع مختلف البطلات، وتقديم ثنائيات فنية ناجحة، وفي مقدمتها أعماله مع الفنانة شهيرة، التي أصبحت شريكة حياته، فضلًا عن تعاونه مع نجمات كبيرات مثل فاتن حمامة وسعاد حسني ونجلاء فتحي، ليصبح واحدًا من الوجوه الأساسية في السينما المصرية خلال السبعينيات والثمانينيات.
الدراما التليفزيونية.. نجم كل بيت مصري
لم تتوقف رحلة محمود ياسين عند السينما والمسرح، بل امتدت إلى التليفزيون، الذي منحه فرصة أوسع للتواصل مع الجمهور، خصوصًا مع تغير خريطة المشاهدة واتجاهه إلى تقديم أدوار أكثر تنوعًا ونضجًا.
ومن أبرز أعماله التليفزيونية مسلسلات «اللقاء الثاني»، و«غدًا تتفتح الزهور»، و«أبو حنيفة النعمان»، و«جمال الدين الأفغاني»، و«سوق العصر»، و«العصيان»، الذي حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، إلى جانب «رياح الشرق» و«مذكرات زوج» و«اليقين».
واستطاع الراحل أن يثبت قدرته على مواكبة التحولات الفنية، فبعدما عرفه الجمهور بطلًا رومانسيًا وطنيًا في السينما، أصبح في مراحل لاحقة واحدًا من أبرز نجوم الدراما الذين يجسدون الشخصيات صاحبة الخبرة والهيبة والتجارب الإنسانية المعقدة.
صوت الوطن.. حين يتحول الأداء إلى ذاكرة
من المحطات المهمة في مشوار محمود ياسين مشاركته في الأعمال الوطنية التي تناولت تاريخ مصر وتضحيات أبنائها، وفي مقدمتها فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي»، الذي ارتبط بأجواء حرب أكتوبر واستعادة الروح الوطنية، وأصبح من الأعمال البارزة في السينما المصرية التي تناولت الحرب.
كما امتلك صوتًا جهوريًا مميزًا وأداءً لغويًا واضحًا، جعلاه من أبرز الفنانين الذين استعانت بهم الأعمال الوثائقية والتسجيلية والتعليق الصوتي، فضلًا عن مشاركته في إلقاء القصائد والنصوص الوطنية والدينية.
ولم تكن قوة صوته مجرد ميزة شكلية، بل كانت جزءًا من أدواته التعبيرية؛ إذ استطاع أن يمنح الكلمات وقعًا خاصًا، وأن يصل إلى المستمع بإحساسه وثقافته وقدرته على التحكم في نبرات الأداء.
شهيرة.. حكاية حب امتدت خارج الشاشة
على المستوى الشخصي، ارتبط محمود ياسين بقصة حب وزواج مع الفنانة شهيرة، التي كانت رفيقة رحلته على مدار سنوات طويلة، وأنجب منها ابنيه رانيا وعمرو، اللذين سارا في الطريق الفني، ليظل اسم العائلة حاضرًا في الوسط الفني المصري.
وشهدت علاقتهما تعاونًا فنيًا في عدد من الأعمال، لكن صورتهما خارج الشاشة بقيت حاضرة لدى الجمهور بوصفهما ثنائيًا جمع بين الحياة والفن، وواجه معًا تقلبات الزمن وتحديات الشهرة والمرض.
وفي سنواته الأخيرة، ابتعد محمود ياسين تدريجيًا عن الأضواء بسبب ظروفه الصحية، قبل أن يرحل في 14 أكتوبر عام 2020، عن عمر ناهز 79 عامًا، تاركًا حزنًا كبيرًا لدى أسرته وزملائه ومحبيه.
ست سنوات على الرحيل.. والأعمال باقية
بعد مرور ست سنوات على رحيله، لا يزال محمود ياسين حاضرًا في ذاكرة الجمهور من خلال أعماله التي تتجدد مشاهدتها عبر الشاشات، ومن خلال شخصيات أصبحت جزءًا من تاريخ السينما والدراما المصرية.
لقد امتلك الراحل ما هو أبعد من الوسامة والنجومية، امتلك ثقافة فنية واسعة، وانضباطًا مهنيًا، وقدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية بأشكال مختلفة، فاستطاع أن ينتقل من دور العاشق إلى البطل الوطني، ومن الشخصية الاجتماعية البسيطة إلى الرجل صاحب النفوذ والصراعات المعقدة.
وتبقى قيمة محمود ياسين الحقيقية في هذا التنوع الذي منح مشواره ثراءً واستمرارية، وفي قدرته على ترك بصمة واضحة في أجيال متعاقبة من المشاهدين.
رحل الجسد، لكن صوته وأدواره وملامحه التي ارتبطت بذاكرة الفن المصري لا تزال حاضرة، ليبقى محمود ياسين واحدًا من أولئك الفنانين الذين لا تقاس مكانتهم بعدد سنوات الغياب، وإنما بما تركوه من أثر يصعب أن يمحوه الزمن.
تحل اليوم الأربعاء 14 أكتوبر الذكرى السادسة لرحيل الفنان الكبير محمود ياسين
تألق محمود ياسين في السينما والمسرح والتليفزيون وقدّم أعمالاً رومانسية ووطنية واجتماعية وتاريخية
رحل محمود ياسين في 14 أكتوبر عام 2020 عن عمر ناهز 79 عامًا


