نتناول مخاطر الانزلاق العربي إلى صراعات إقليمية متشابكة، قد تبدأ بدوافع دفاعية مشروعة ثم تتحول إلى مواجهات مفتوحة تستنزف الأمن والاقتصاد وقرار الدولة.
نناقش هنا حدود الانخراط العربي في أزمات المنطقة، وطبيعة التهديدات المرتبطة بإيران والحوثيين، وانعكاسات الضغط المستمر على السعودية ومشروعات التنمية، فضلا عن أبعاد الدور الإسرائيلي والغربي في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي.
كما نسلط الضوء على أثر الحروب في التجارة والملاحة وقناة السويس، وعلى ضرورة إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام.
واقترح رؤية تقوم على التنسيق العربي، وضبط التصعيد، وربط القوة بأهداف سياسية واضحة، بما يحمي الأوطان ويصون استقلال القرار ويمنع استنزاف الموارد والمستقبل.
الدفاع عن الدول العربية وحدود الانخراط

من جانبه قال خبير الشؤون الاستراتيجية والعلوم السياسية اللواء الدكتور محمد الدسوقي لـ”البوابة نيوز”: حول حماية الأوطان أم استنزافها؟ قراءة في مخاطر الانزلاق العربي فإنه لا خلاف على حق الدول العربية في حماية أراضيها ومواطنيها ومنشآتها وممراتها البحرية، ولا يجوز التساهل مع الاعتداء عليها، أيًا كان مصدره أو المبرر المعلن له. لكن الدفاع عن الأمن الوطني يحتاج إلى تحديد واضح للفارق بين مواجهة خطر مباشر، والانخراط في مشروع إقليمي أوسع تتولى أطراف أخرى صياغة أهدافه.
وتابع: فقد تبدأ المشاركة بإجراءات لحماية الملاحة أو اعتراض تهديد عسكري، ثم تتسع لتشمل ضربات متبادلة، واستهدافًا للبنية الأساسية، وضغوطًا اقتصادية، والتزامات أمنية يصعب التراجع عنها، وهنا يظهر خطر الاستدراج التدريجي؛ إذ يصبح كل رد مبررًا لرد جديد، بينما يبتعد الحل السياسي وتتضاعف تكلفة الخروج من المواجهة.
ونبه إلى المخاطر المتوقعة قائلا: أما الدخول تحت عناوين فضفاضة، مثل “إعادة تشكيل المنطقة” أو “القضاء الكامل على التهديد”، فقد يفتح الباب أمام التزامات تتجاوز مصالح الدول وقدراتها.
وأشار: والدولة التي تواجه اعتداء تحتاج إلى حماية نفسها، لكنها تحتاج أيضا إلى منع المعتدي من التحكم في توقيت تحركاتها وحجم إنفاقها واتجاه أولوياتها؛ فهذه إحدى صور الاستنزاف التي ينبغي الانتباه إليها.
إيران والحوثيون.. فهم التهديد وحسابات المواجهة
وأوضح دكتور “الدسوقى”: وفى التعامل مع إيران يتطلب قراءة متعددة الأبعاد تشمل حساباتها الأمنية، وطموحاتها الإقليمية، وأدوات نفوذها، وأثر سياساتها على الدول العربية.
وقال: لا ينبغي أن يؤدي رفض الاعتداءات إلى تجاهل النتائج المحتملة لأي مواجهة واسعة.
ويكمل: وفإضعاف قدرة طرف على الهجوم قد يحقق مكسبا عسكريا وأمنيا، لكن اتساع الفوضى أو انهيار مؤسسات دولة كبيرة قد ينتج عنه تهديدات جديدة، لذا يجب أن يكون الهدف العربي هو وقف السلوك الذي يهدد الأمن، وتوفير ضمانات قابلة للتحقق، وحماية سيادة الدول، مع حساب النتائج المحتملة.
وشرح: وبالمثل، فإن قراءة الحوثيين من خلال علاقتهم بإيران وحدها لا تكفي لفهم قراراتهم. فهناك أيضًا مصالح محلية تؤثر في توقيت التصعيد وحدوده، كما أن الارتباط بقوة إقليمية لا يلغي وجود حسابات داخلية.
وبين مفندا بقوله: والنتيجة الاستراتيجية لهذا الفهم أن خفض التصعيد يحتاج إلى معالجة مصادر الدعم والتسليح، وحماية الملاحة، ودعم مسار سياسي يمني، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد الجوار. أما الاكتفاء بالمواجهة العسكرية دون تصور للتسوية، فقد يؤجل التهديد أو ينقله إلى صورة أخرى.
السعودية.. استنزاف الأمن والاقتصاد ومشروع التنمية
وقال موضحا دكتور”الدسوقى”: تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها إحدى الدول العربية التي تتعرض لضغوط استنزاف مباشرة؛ فالاعتداءات الحوثية والتهديدات الموجهة إلى المطارات والمنشآت النفطية والملاحة تفرض أعباء متزايدة على الدفاع وحماية البنية الأساسية.
ولا تقتصر خطورة الاستنزاف على الخسائر المباشرة أو تكلفة اعتراض الصواريخ والمسيّرات، بل تمتد إلى إبقاء الدولة في حالة تأهب مستمرة، ورفع تكلفة حماية المنشآت، وإرباك التخطيط الاقتصادي، فالهجمات المتكررة تستطيع فرض تكلفة مرتفعة حتى عندما يفشل معظمها في الوصول إلى أهدافه، لأن الدفاع يتطلب الجاهزية والإنفاق على مدار الوقت.
وقال: ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار هذا الضغط يهدد بتحويل جزء متزايد من الموارد والاهتمام بعيدا عن أولويات التنمية، فمشروع التحول الاقتصادي السعودي، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات والسياحة، يحتاج إلى بيئة مستقرة يمكن توقع مسارها؛ وكلما طالت المواجهة، ازدادت صعوبة الحفاظ على هذه البيئة.
وكشف قائلا: ولهذا، فإن التضامن العربي مع السعودية وحماية أمنها ينبغي أن يقترنا برؤية تمنع تحويل الدفاع المشروع إلى حرب مفتوحة بلا نهاية سياسية واضحة. ويقتضي ذلك تعزيز قدراتها الدفاعية، مع الحفاظ على قدرتها على مواصلة مشروعها التنموي.
فحماية السعودية من الاستنزاف مسؤولية ترتبط بمنظور الأمن العربي الشامل؛ لأن إضعاف قدرة دولة عربية رئيسية على التنمية والتأثير ينعكس على التوازن الإقليمي كله.
من المستفيد من استنزاف المنطقة؟
ويجيب دكتور ” الدسوقى”: في تقديري، يمكن لإسرائيل أن تستفيد استراتيجيًا من تراجع قدرات الدول المحيطة بها، وتشتيت أولوياتها، وانشغالها بمواجهات ممتدة تستنزف مواردها وتضعف قدرتها على التأثير في القضية الفلسطينية، وقد يتيح انتقال الاهتمام الإقليمي إلى صراعات أخرى مساحة أوسع لفرض وقائع تخدم مصالحها، ويكتسب هذا التقدير أهمية إضافية في ظل اتساع نطاق العمليات والوجود العسكري الإسرائيلي عبر قطاع غزة والجنوب اللبناني وسوريا.
وتثير هذه التحركات سؤالًا حول احتمال تحول التدابير العسكرية والمناطق العازلة إلى وقائع طويلة الأمد تؤثر في سيادة الدول وفي فرص التسوية.
واستطرد قائلا: وبالتوازي، تواصل الحكومة الإسرائيلية دفع مشروع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار التوسع يهدد قابلية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا ويقوض حل الدولتين. ومن ثم، فإن الاستيطان يمثل مسارًا لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي، تتجاوز آثاره توقيت العمليات العسكرية واتفاقات التهدئة.
وفند مميزا بقوله: لكن الدقة تقتضي التمييز بين الاستفادة من الصراع، والإسهام في توسيعه، وصناعته بالكامل. فهذه درجات مختلفة، ولا يصح إثبات إحداها بمجرد إثبات الأخرى. والتحليل الرصين يتتبع الوقائع والأدلة، ويميز بين التقدير الاستراتيجي والمعلومة المؤكدة.
وعلى الجانب الآخر قال: أما الولايات المتحدة والقوى الغربية، فلا ينبغي افتراض التطابق التام بين مصالحها ومصالح الدول العربية، أو بين مواقفها جميعًا. فقد تتقاطع المصالح في حماية الملاحة ومنع الاعتداءات، لكنها قد تختلف في الأهداف السياسية وترتيبات ما بعد المواجهة.
ولفت قائلا: ومن هنا، يجب إخضاع أي ترتيبات تقودها واشنطن أو قوى غربية لتقييم عربي مستقل: من يحدد أهدافها؟ ومن يتحمل تكلفتها؟ وما الضمانات التي تمنع اتساعها؟ وهل تعزز أمن الدول العربية، أم تدفعها إلى تحمل أعباء أهداف لم تشارك في صياغتها؟
الاستنزاف يتجاوز ميادين القتال
وشرح دكتور “الدسوقى “: لا تتوقف خسائر الحروب عند حدود ميادين القتال، بل تمتد إلى اضطراب التجارة، وتراجع السياحة، وزيادة الإنفاق الطارئ على حساب قطاعات التنمية والصحة والبنية الأساسية. كما تؤدي المخاطر الأمنية إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وإطالة زمن التسليم، والضغط على النمو وزيادة أعباء الأسعار والتمويل، وبذلك تمتد آثار المواجهة إلى دول لا تشارك مباشرة في القتال.
ومن ناحية أخرى أوضح: ومن زاوية الأمن القومي المصري، فإن حماية البحر الأحمر وباب المندب وحرية الملاحة ترتبط بأمن قناة السويس والتجارة والاقتصاد. لذا ينبغي أن تجمع المقاربة المصرية بين حماية المصالح الحيوية، ودعم التهدئة، والتنسيق العربي، ومنع تحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط دائمة في الصراعات الإقليمية.
وقال: فالدولة قد تنجح في حماية منشأة أو اعتراض هجوم، لكنها تظل تواجه خسائر إذا استمر اضطراب البيئة المحيطة بها. ومن ثم، فإن استعادة الاستقرار جزء أصيل من تحقيق الأمن.
القضية الفلسطينية.. منع تشتيت الأولويات
وأكد على أولوية القضية الفلسطينية بقوله: من أخطر نتائج اتساع المواجهات أن تتراجع القضية الفلسطينية في ترتيب الاهتمام، وأن تتبدد الجهود العربية بين أزمات متلاحقة. ويزداد هذا الخطر عندما يتزامن الانشغال الإقليمي مع استمرار العمليات في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية؛ فيتحول التركيز إلى إدارة تداعيات الحرب، بينما تتراكم العقبات أمام الحل السياسي.
وعنون دكتور “الدسوقى ” الوضع بقوله: إن فرض الوقائع بالقوة حاضر في أي تصور للأمن الإقليمي، فحماية الدول العربية ودعم القضية الفلسطينية مسؤوليتان متصلتان، ويحتاج كل منهما إلى موقف عربي قادر على التأثير، وفي الوقت نفسه، لا يجوز منح أي طرف تفويضا مفتوحا لاستهداف الدول العربية أو تعريض شعوبها للخطر تحت شعار نصرة فلسطين.
موضحا: فمصداقية السياسات تقاس بأثرها الفعلي في حماية الحقوق وتحقيق المصالح، وليس بالشعارات وحدها، كذلك يحتاج الرأي العام إلى خطاب يساعده على فهم الخيارات وتكاليفها.
وكشف خطورة التحريض المذهبي، والمبالغة في الوعود العسكرية، وتصوير التهدئة باعتبارها ضعفًا، قائلا: قد تضيق مساحة القرار وتدفع إلى تصعيد يصعب احتواؤه. والوعي المطلوب يساند حق الدفاع، ويدرك أن ضبط النفس المحسوب قد يحمي الدولة من معركة يختارها خصومها.
كيف يحمي العرب أمنهم وقرارهم؟
ودعا إلى الوحدة فى مواجهة التحديات بقوله: تبدأ الحماية بتنسيق عربي عملي يحدد التهديدات المشتركة، وأولويات الدفاع، وحدود المشاركة في الترتيبات العسكرية، وشروط التسوية المقبولة،فغياب التنسيق يتيح للأطراف الخارجية التعامل مع كل دولة منفردة، ويضعف قدرة العرب على التأثير في مسار الأزمات، ويجب أن يرتبط أي تحرك عسكري بهدف واضح، وسقف زمني وسياسي قابل للتقييم، وخطة لإنهاء المواجهة.
وأردف: كما ينبغي دعم القنوات الدبلوماسية التي تضمن وقف الاعتداءات وتحمي الملاحة وتحترم السيادة. فالتفاوض يحتاج إلى قوة تسنده، والقوة تحتاج إلى مسار سياسي يحول نتائجها إلى استقرار قابل للاستمرار.
وأوضح: إن استنزاف السعودية، واضطراب اليمن، والتوتر المرتبط بإيران، واتساع العمليات الإسرائيلية في غزة والجنوب اللبناني وسوريا، وتسارع الاستيطان في الضفة الغربية، مسارات مختلفة تتراكم آثارها على الأمن العربي.
وحذر قائلا: والخطر أن تدار كل ساحة بمعزل عن الأخرى؛ فتضيع الصورة الأشمل: موارد تستنزف، وأولويات تتشتت، ووقائع جديدة تفرض على الأرض.
وشدد لافتا إلى إن: التحذير من الانزلاق العربي هو دعوة إلى امتلاك المبادرة: أن نحدد نحن مصالحنا، وأن نختار وسائل حمايتها، وأن نمنع تحويل أراضينا واقتصاداتنا وشعوبنا إلى ساحات مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.
واختتم محذرا: فاحذروا الانزلاق إلى حروب لا نملك قرارها، واجعلوا حماية الأوطان، واستقلال القرار، وصون الحقوق العربية، وبناء المستقبل، هي المعايير التي تحكم كل موقف وكل تحرك.
حماية الأوطان تتطلب توازنًا دقيقًا بين الردع والدبلوماسية
في خضم الأزمات المتشابكة التي تضرب المنطقة، لا يكفي أن تمتلك الدول العربية القدرة على الرد، بل يجب أن تمتلك أيضًا القدرة على تحديد توقيته وأهدافه ونهايته.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق باستنزاف الموارد، ولا بتحويل الجيوش والاقتصادات إلى أدوات في صراعات مفتوحة تخدم حسابات الآخرين.
إن حماية الأوطان تتطلب توازنًا دقيقًا بين الردع والدبلوماسية، وبين التضامن العربي واستقلال القرار الوطني، وبين دعم الحقوق المشروعة وتجنب الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة.
كما أن القضية الفلسطينية يجب أن تظل في صدارة الأولويات، لا أن تصبح ضحية لتعدد الجبهات وتشتت الاهتمام.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية عربية مشتركة، تضع حدود واضحة للانخراط، وتربط القوة العسكرية بمسار سياسي قابل للاستمرار، وتحمي التنمية من آثار الحروب.
فالمستقبل لا يبنى بالشعارات، بل بقرارات مسؤولة تصون السيادة، وتمنع الاستنزاف، وتعيد للعرب زمام المبادرة في تحديد مصير منطقتهم.
المقال يحذر من أن الانخراط قد يبدأ بدوافع دفاعية ثم يتوسع إلى مواجهات مفتوحة تستنزف الأمن والاقتصاد وقرار الدولة وتزيد كلفة الخروج من الأزمة
الضغط الحوثي والتهديد للمطارات والمنشآت النفطية والملاحة يرفع كلفة الدفاع والحماية ويؤثر في التخطيط الاقتصادي ويهدد بيئة التنمية والاستثمار
المطلوب تنسيق عربي عملي يحدد التهديدات وأولويات الدفاع وحدود المشاركة وشروط التسوية مع ربط أي تحرك عسكري بهدف واضح ومسار سياسي قابل للاستمرار


