أثارت القيود المفروضة على استخدام خدمة الاتصالات الفضائية العسكرية “ستار شيلد”، التابعة لشركة “سبيس إكس” الأمريكية، مخاوف في أوكرانيا بشأن تأثيرها على كفاءة العمليات الميدانية، بعدما أفاد مسؤولون أوكرانيون بتعطل عدد من المهام العسكرية وصعوبات في تشغيل الطائرات المسيّرة وتنفيذ عمليات الاستطلاع والإمداد على خطوط المواجهة مع القوات الروسية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعتمد فيه كييف بصورة متزايدة على تقنيات الاتصالات الفضائية لدعم قدراتها العسكرية، خصوصًا في توجيه الطائرات غير المأهولة ونقل البيانات بين الوحدات الميدانية. وبينما لم تتضح جميع تفاصيل القيود الجديدة، ربط مسؤول أوكراني الإجراءات بالسياق السياسي الراهن، مشيرًا إلى أن القوات لم تتلق إشعارًا مسبقًا بشأنها، الأمر الذي أدى، بحسب قوله، إلى إخفاق عدد من المهام.

وتفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات بشأن مدى اعتماد العمليات العسكرية الأوكرانية على البنية التحتية الفضائية التي توفرها شركات خاصة، وانعكاسات أي تغيير في شروط استخدامها على سير المعارك وقدرة القوات على مواصلة عملياتها.

قيود مفاجئة وإخفاق مهام ميدانية

قال سيرهي بيسكريستنوف، مستشار الرئيس الأوكراني لشؤون تكنولوجيا الأسلحة، إن القوات المسلحة لم تتلق تحذيرًا مسبقًا بشأن القيود التي طالت خدمة “ستار شيلد”، موضحًا أن غياب الإخطار أدى إلى فشل عدد من المهام.

وأضاف أن الإجراءات شملت أجهزة تستخدم الخدمة أثناء الحركة بسرعات تتجاوز 100 ميل في الساعة، أي نحو 161 كيلومترًا في الساعة، وربطها بما وصفه بالظروف السياسية الحالية، من دون تقديم تفاصيل إضافية توضح طبيعة العلاقة بين الاعتبارات السياسية والقيود التقنية.

من جانبهم، اتهم مسؤولون في وزارة الدفاع الأوكرانية شركة “سبيس إكس” باتخاذ إجراءات أحادية الجانب، قالوا إنها أثرت على تشغيل الطائرات المسيّرة وأعاقت بعض المهام المرتبطة بجمع المعلومات الاستخباراتية والإمداد اللوجستي ونقل الإشارات.

وتبرز أهمية هذه الشكاوى في ضوء الدور الذي تؤديه الاتصالات الفضائية في العمليات العسكرية الحديثة، إذ تتيح للمركبات والطائرات المسيّرة المتصلة بالشبكة تبادل البيانات والحفاظ على الاتصال أثناء الحركة، بما يدعم توجيهها والتحكم فيها وتنفيذ المهام الموكلة إليها.

“ستار شيلد”.. شبكة فضائية للاستخدامات العسكرية والأمنية

أعلنت شركة “سبيس إكس” عن خدمة “ستار شيلد” في أواخر عام 2022، بوصفها شبكة أقمار اصطناعية مخصصة للعملاء الحكوميين وتطبيقات الأمن القومي، مع توفير مستويات حماية مصممة للتعامل مع المعلومات الحساسة والسرية.

وتستند الخدمة إلى التكنولوجيا الأساسية لشبكة “ستارلينك”، لكنها تختلف عنها في طبيعة الاستخدامات والاحتياجات الأمنية التي تستهدفها؛ إذ صُممت “ستار شيلد” لتلبية متطلبات الجهات الحكومية والعسكرية، بينما تُستخدم “ستارلينك” على نطاق واسع لتوفير خدمات الإنترنت والاتصالات المدنية.

وتسمح وزارة الدفاع الأمريكية لأوكرانيا باستخدام الخدمة، في إطار الاستفادة من الاتصالات الفضائية لدعم قدراتها العسكرية. ويمنح الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية القوات الموجودة في مناطق القتال إمكانية الوصول إلى شبكات الاتصال ونقل البيانات، خصوصًا في البيئات التي تتعرض فيها البنية التحتية الأرضية للتدمير أو التشويش.

ومع ذلك، فإن اعتماد الوحدات العسكرية على منظومة اتصالات محددة يجعلها عرضة للتأثر بأي تعديلات تطرأ على شروط التشغيل أو نطاق التغطية أو القيود الفنية المفروضة على الأجهزة المستخدمة.

خلاف حول استخدام التكنولوجيا التجارية في العمليات القتالية

سبق لإيلون ماسك، مؤسس “سبيس إكس”، أن شدد على ضرورة التمييز بين “ستارلينك” و”ستار شيلد”، مؤكدًا أن الخدمة الأولى مخصصة للاستخدامات المدنية، وأن توظيف محطاتها التجارية في أنظمة الأسلحة يتعارض مع شروط الخدمة.

ويعكس هذا الموقف إشكالية أوسع تتعلق باستخدام التكنولوجيا التجارية في الحروب، خصوصًا عندما تتحول شبكات الاتصالات التي أُنشئت لأغراض مدنية إلى مكونات أساسية في أنظمة عسكرية تعتمد على الاتصال المستمر ونقل البيانات في الوقت الفعلي.

وفي مثل هذه الحالات، لا تقتصر تداعيات تغيير شروط الخدمة على المستخدمين المدنيين، بل قد تمتد إلى القدرات التشغيلية للقوات التي تعتمد على الشبكة في توجيه المسيّرات أو تنسيق المهام الميدانية.

وفي الحالة الأوكرانية، تثير الشكاوى بشأن القيود المفروضة على «ستار شيلد» تساؤلات حول قدرة كييف على ضمان استمرارية الاتصالات العسكرية، ومدى امتلاكها بدائل تقنية قادرة على سد أي فجوات قد تنشأ عن تقليص الخدمات أو تعديل آليات استخدامها.

ولم تتضمن المعلومات الواردة تفاصيل كافية لتحديد النطاق الكامل للقيود أو المدة التي ستظل خلالها سارية، كما لم يتضح ما إذا كانت الإجراءات تستهدف جميع الأجهزة المعنية أم فئات محددة منها.

الحرب الروسية الأوكرانية والاعتماد المتزايد على المسيّرات

اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، مع بدء الهجوم الروسي واسع النطاق على الأراضي الأوكرانية، لتتحول المواجهة منذ ذلك الحين إلى حرب طويلة الأمد تتداخل فيها العمليات البرية والجوية والهجمات بعيدة المدى والحرب الإلكترونية.

وخلال سنوات القتال، اكتسبت الطائرات المسيّرة أهمية متزايدة لدى الطرفين، سواء في مراقبة تحركات القوات وتحديد الأهداف أو تنفيذ الهجمات ونقل الإمدادات في بعض الظروف الميدانية. وأصبحت القدرة على تأمين الاتصالات وتبادل المعلومات بسرعة عاملًا مؤثرًا في كفاءة هذه الأنظمة.

واعتمدت أوكرانيا على تقنيات “ستارلينك” منذ المراحل الأولى للحرب للمساعدة في الحفاظ على الاتصالات، ولا سيما في المناطق التي تضررت فيها شبكات الاتصالات التقليدية. كما أتاح الاتصال الفضائي استمرار تبادل المعلومات بين الوحدات العسكرية ومراكز القيادة، رغم صعوبة الظروف الميدانية.

لكن اتساع استخدام التكنولوجيا الفضائية في المجال العسكري كشف أيضًا عن تحديات مرتبطة بالاعتماد على شركات خاصة، إذ لا تخضع هذه الشركات بالضرورة لجميع الاعتبارات والقرارات التي تحكم المؤسسات العسكرية والحكومية، وقد تتأثر سياساتها بعوامل قانونية وتجارية وأمنية وسياسية.

وفي ظل استمرار الحرب، باتت السيطرة على الاتصالات والقدرة على حمايتها من التشويش أو الانقطاع جزءًا مهمًا من المنافسة العسكرية بين موسكو وكييف.

ضغوط سياسية وتداعيات محتملة على العمليات الأوكرانية

تأتي الشكاوى الأوكرانية في ظل استمرار الهجمات الروسية وتصاعد الضغوط الأميركية على كييف للحد من ضرباتها داخل الأراضي الروسية، ما يضع ملف الدعم التقني والعسكري في سياق سياسي أكثر تعقيدًا.

وربط بيسكريستنوف القيود بالوضع السياسي الراهن، لكنه لم يقدم تفاصيل إضافية تثبت وجود قرار سياسي محدد وراء الإجراءات، الأمر الذي يجعل من الضروري التمييز بين الاتهامات الأوكرانية بشأن دوافع القيود وبين المعلومات المؤكدة عن تأثيرها الفني والميداني.

وعلى المستوى العملياتي، يمكن أن يؤدي تعطل الاتصالات أو فرض قيود على الأجهزة المتحركة إلى صعوبات في التحكم بالطائرات المسيّرة، وتأخير نقل المعلومات، وإرباك بعض المهام التي تتطلب اتصالًا مستمرًا بين المنصات الميدانية ومراكز القيادة.

كما أن أي اضطراب في قنوات الاتصال قد يدفع القوات إلى البحث عن بدائل، سواء عبر شبكات أخرى أو أنظمة اتصال مستقلة، وهي خيارات قد تتطلب وقتًا وموارد إضافية لضمان توافقها مع المعدات والأنظمة المستخدمة بالفعل.

ومع ذلك، لا تتوافر في المعلومات المعلنة أرقام دقيقة بشأن عدد المهام التي تعطلت، أو حجم الخسائر التشغيلية الناتجة عن القيود، أو مدى انتشار تأثيرها على مختلف القطاعات العسكرية الأوكرانية.

تحديات الاتصالات تكشف نقاط ضعف الاعتماد التقني

تسلط الأزمة المرتبطة بخدمة “ستار شيلد” الضوء على الدور المتنامي لشبكات الأقمار الاصطناعية في الحروب الحديثة، وعلى المخاطر التي قد تواجه القوات عندما تعتمد قدراتها الميدانية على خدمات تقنية تديرها شركات خاصة.

وبالنسبة إلى أوكرانيا، لا يتعلق التحدي فقط باستعادة الاتصال بالأجهزة المتأثرة، بل أيضًا بضمان استمرارية منظومة الاتصالات التي تدعم المسيّرات والاستطلاع والإمداد وتبادل البيانات على الجبهة.

وفي انتظار اتضاح تفاصيل الإجراءات وموقف “سبيس إكس” منها، ستظل قدرة كييف على التكيف مع القيود التقنية وتأمين بدائل موثوقة للاتصال عاملًا مهمًا في تقييم تأثير هذه التطورات على عملياتها العسكرية في الحرب مع روسيا.

الأسئلة الشائعة

بحسب المسؤولين الأوكرانيين أدت القيود إلى تعطل عدد من المهام وصعوبات في تشغيل الطائرات المسيّرة وتنفيذ الاستطلاع والإمداد ونقل الإشارات

قال سيرهي بيسكريستنوف إن القوات المسلحة لم تتلق تحذيرًا مسبقًا بشأن القيود وإن غياب الإخطار أدى إلى فشل عدد من المهام

ستار شيلد مخصصة للعملاء الحكوميين وتطبيقات الأمن القومي بينما ستارلينك مخصصة للاستخدامات المدنية وخدمات الإنترنت والاتصالات