لا يحفظ كلُّ من يعرف أسرارك هذه الأسرار، ولا يرتاح كلُّ من يقف بجوارك حين يراك تتقدّم. وكثيرًا ما تأتي أكثر العلاقات إرباكًا من شخص نعدّه صديقًا؛ يساندنا في موقف وينتقص منا في موقف آخر، وهو قريب بما يكفي ليعرف ما يسعدنا وما يؤلمنا. ويُطلق على هذا النوع من العلاقات مصطلح «فرينمي» (Frenemy)، وهو لفظ مركّب من كلمتي الصديق (Friend) والعدو (Enemy).

ويتناول روبرت غرين في كتابه «قوانين الطبيعة البشرية»، في الفصل الذي خصّصه للحسد، كيف يختلط الإعجاب بشخص ما بالاستياء من نجاحه. فقد ينجذب الإنسان إلى صديق بسبب ذكائه أو حضوره أو مكانته، ثم تتحوّل هذه الصفات نفسها إلى مصدر لمقارنة مؤلمة، فما كان يثير الإعجاب عن بُعد قد يوقظ الإحساس بالنقص عند الاقتراب. ويرى غرين أن الحسد نادرًا ما يُعلَن صراحة، لأن الاعتراف به اعتراف ضمني بالنقص، ولذلك يتسلل في صورة نقد أو برود أو مديح مشوب بالتحفّظ.

غير أن عنوان المقال لا يعني أن هذا التحوّل يحدث دائمًا بشكل كامل أو عن وعي. فقد تظل المودة قائمة، وتنشأ إلى جوارها رغبة في التفوّق أو في التقليل من الآخر، وهو ما يجعل العلاقة محيّرة؛ إذ يصعب أن نفهم كيف يتصرف من يحبنا بطريقة تؤذينا.

قد يسعد الصديق بوجودك إلى جانبه، ثم يضطرب حين يراك تتجاوزه، فيصبح نجاحك في نظره تذكيرًا بما لم يحققه هو. وبدلًا من أن يفكّر في تطوير نفسه، ينشغل بالسؤال عن سبب حصولك أنت على ما حصلت عليه. وقد تقوده هذه المقارنة إلى التهوين من إنجازك؛ فالترقية في رأيه جاءت بالعلاقات، والنجاح ضربة حظ، والتقدير الذي تلقيته مبالغ فيه.

ويتكرر هذا المشهد كثيرًا في بيئات العمل والدراسة؛ زميلان بدآ معًا في المكان نفسه، وتقاسما القلق والطموح والأحلام، ثم حصل أحدهما على فرصة لم يحصل عليها الآخر. عندها قد يتغيّر الحديث بينهما دون إعلان؛ تقلّ التهنئة، ويكثر التعليق على العيوب الصغيرة، وتظهر عبارات تبدو بريئة في ظاهرها لكنها تحمل قدرًا من التشكيك. والطرف الذي نجح قد لا يفهم ما الذي تغيّر، فيظن أنه أخطأ في شيء، بينما الحقيقة أن نجاحه نفسه هو ما أعاد ترتيب العلاقة في نظر صديقه.

على أن الإحساس العابر بالمقارنة لا يجعل الإنسان عدوًّا لغيره. فالمهم هو ما يفعله المرء بهذا الإحساس: أيدفعه إلى العمل والاجتهاد، أم يتخذه ذريعة للإساءة؟ فمن الممكن أن نغار من إنجاز شخص ما ونظل في الوقت نفسه نعترف بحقه ونقدّره، والمسؤولية تبدأ من اللحظة التي نختار فيها كيف نتصرف بمشاعرنا.

ويزداد الأذى غموضًا حين يأتي في صورة مقبولة اجتماعيًا، كالسخرية التي تُقدَّم على أنها مزاح، أو التثبيط الذي يُقدَّم على أنه خوف عليك، أو إفشاء معلومة خاصة بحجة أنها ليست سرًّا ذا شأن. ولأن العلاقة تحمل ذكريات ومواقف طيبة، نميل إلى استبعاد احتمال الإيذاء، ونبدأ في الشك في أنفسنا، فنظن أننا نبالغ في الحساسية.

إلا أن الموقف الطيب لا يبيح لصاحبه الإهانة، كما أن خطأً واحدًا لا يمحو تاريخًا من الصداقة. والجدير بالانتباه هو تكرار السلوك: هل يحترم هذا الشخص خصوصيتك؟ وهل تستطيع أن تعبّر عن انزعاجك دون أن تُقابَل بالسخرية؟ وهل يكفّ عن السلوك المؤذي بعد أن يعرف أثره فيك؟

وينبغي في المقابل ألا نتخذ هذا المصطلح مبررًا لرفض النقد. فليس كل من يخالفنا حاسدًا، ولا كل من ينبّهنا إلى خطأ عدوًّا. وقد تكون النصيحة الصادقة ثقيلة على النفس، لكنها تختلف عن الإذلال؛ فالنقد يتناول تصرفًا أو فكرة ويترك مجالًا للإصلاح، أما الانتقاص فيختزل الشخص في عيوبه ويجعل كرامته مادة للسخرية.

ومن هنا تبدأ حماية النفس بوصف ما حدث بدقة، لا بإصدار الأحكام على النوايا. كأن تقول: «شعرت بالحرج حين ذكرت هذه المعلومة أمام الآخرين، ولا أريد أن يتكرر ذلك»، ثم تتابع رد الفعل. فالاعتذار المصحوب بتغيير حقيقي يفتح بابًا للإصلاح، أما التبرير الدائم مع تكرار الأذى فيستدعي إعادة النظر في حدود العلاقة.

وقد ينتهي الأمر بتقليل القرب، أو التوقف عن مشاركة الأسرار، أو إنهاء الصداقة إذا استمر الضرر. ولست مطالبًا بأن تثبت أن أحدًا يكرهك حتى يحق لك أن تحمي نفسك من سلوكه.

ويبقى سؤال أصعب نوجّهه إلى أنفسنا: هل نفرح حقًّا لأصدقائنا حين يحققون ما نتمناه لأنفسنا؟ وهل نعطي نجاحهم حقه، أم نبحث عمّا يقلل منه؟ فقد نكون نحن، دون أن ننتبه، ذلك الصديق الذي نشكو منه. فالوعي بطبيعة الصداقة يتطلب شجاعة في مراجعة دورنا فيها، بالقدر نفسه الذي يتطلبه الانتباه إلى سلوك الآخرين.

قد يختلف الصديق معك، وقد ينافسك، وقد يخطئ في حقك، لكن استمرار الصداقة يقوم على الاحترام والمسؤولية والقدرة على الإصلاح. فإذا أصبح القرب وسيلة متكررة للإيذاء، صارت مراجعة العلاقة أمرًا لا مفر منه، مهما كان اسمها جميلًا.

الأسئلة الشائعة

هو نوع من العلاقات يجتمع فيه معنى الصديق والعدو معًا؛ شخص يبدو قريبًا ومساندًا أحيانًا لكنه ينتقص منك أو يؤذيك أحيانًا أخرى

قد يظهر كبرود أو نقد أو مديح مشوب بالتحفظ أو التقليل من الإنجاز واعتباره ضربة حظ أو نتيجة علاقات بدل الاعتراف به

عندما يتكرر السلوك المؤذي مثل كشف الأسرار أو السخرية أو التثبيط ولا يتوقف بعد التنبيه والحديث الواضح عنه