مع أنني لا أحب الكتابة صراحة في السياسة -ببساطة لأنه لم يعد هناك ساسة ولا سياسة بمفهومهما الحقيقي- إلا أن ما نراه ونتابعه أحيانًا يتجاوز حدود السياسة ليطال صناعة الوعي العادي وسلامة العقل الجمعي.

لم تكن السياسة يومًا تُدار بالسطحية التي يحاول البعض فرضها، ولا كان دور الصحافة والإعلام يتلخص في إلغاء السياق واللعب على أوتار التأويلات القاصرة. لقد كشفت ردود الأفعال والتغطيات الإعلامية الأخيرة حول كلمة الرئيس في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة عن مساحة شاسعة بين جوهر الخطاب السياسي وحقيقة الرسائل الموجهة، وبين ما تحاول بعض المعالجات الصحفية ترسيخه في أذهان المتابعين عبر اجتزاء الجمل والعبارات بعيدًا عن ظروف وسياق قائلها.

إن ما جرى في التعاطي مع كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا يطرح علامات استفهام كبرى: هل نحن أمام عدم فهم حقيقي لجوهر الرسائل السياسية والدستورية، أم أمام محاولة متعمدة لتضخيم “بالونات الاختبار” على حساب الوعي العام والمصلحة الوطنية؟.

تابعت خلال الأيام الماضية التغطية الإعلامية والصحفية لكلمة الرئيس السيسي في ختام الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بعنوان “وطن الأبطال”؛ وتعجبت وأندهشت وضحكت من اندفاع البعض لاقتطاع جمل من سياق الحديث وإبرازها كعناوين لا تدل على سياقها ولا تلامس معناها الحقيقي.

أفهم تمامًا أن تفعل قنوات الخارج ذلك على طريقة المشهد الشهير في مسلسل “هو وهي”: “ما تحبنيش بالشكل ده.. أهو قالي مش بيحبني!”، أو أن تقع فيه بعض صفحات التواصل الاجتماعي في صراعها المحموم على “الترند”، أو حتى العوام ممن لم يشاهدوا الحدث ولم يحضروا تفاصيله فيصلهم المقتطع ليبنوا عليه تخيلهم وفهمهم.. لكن، أن يفعل ذلك مَن حضروا أو عرضوا أو شاهدوا الحدث كاملًا، فهذا يحمل تفسيرين لا ثالث لهما: إما أنهم لم يفهموا وهذه طامة كبرى، وإما أنهم فهموا، ولما حدث ما حدث، كان هذا باب لفتح مناقشة كانت مؤجلة للبحث لها عن مدخل.. وقد أوجد هذا المدخل، الاندفاع في التحليل ونشوة المانشيتات الزائفة واشتياق كوادر المعارضة للسلطة.. فكانت الرسالة الأهم: “شكرا لكم على حسن تعاونكم”..

أعود بكم إلى الجملة المحورية التي قالها الرئيس:

“فيه دستور للدولة دية، فيه دستور إحنا وافقنا عليه للدولة دية، محدش هيمسه.. محدش هيمسه”.

هذه الجملة قيلت صراحةً في سياق الحديث عن مؤامر تنظيم الإخوان والتذكير بما حدث منهم إبان عهد الرئيس الراحل أنور السادات. ولو كانت هناك رسالة قاطعة ومؤكدة هي الأهم والأبرز في الخطاب، فهي أنه لا أمل إطلاقًا في أي مصالحة أو حتى مجرد تهدئة بين الدولة المصرية وهذا التنظيم، وأن باب الوساطة أو المراهنة على تكرار خطأ السبعينيات مُغلق تمامًا وبشكل حاسم.

لقد جاء استدعاء الرئيس لتجربة الرئيس السادات ليرسم خطًا أحمر واضحًا لا ينبغي تجاوزه، مؤكدًا أن التاريخ لن يعيد نفسه، وأن المراهنة على خلط الأوراق قد انتهت بلا رجعة.

أما الحديث عن الدستور، فكان جزءًا مباشرًا من الرد على اجتماعات التنظيم في الخارج، والتي تناولت مناقشات حول وضع دستور جديد؛ فجاء الرد قاطعًا بأن أحدًا لن يستطيع المساس بدستور الدولة، وأنه لا يحق لأي طرف يخطط لذلك أن يفرضه، إلا جهة واحدة صاحبة هذا الحق الأصيل وهي “الشعب” الذي تحدث الرئيس عن إرادته؛ فالدستور الحالي مستمد من الإرادة الشعبية الخالصة، ولا يمكن لأي طرف خارج مظلة هذا الشعب أن يمس به أو يفرض أجنداته.

وفي النهاية لماذا ضحكت؟.. لأن السياسة لا تُدار برعونة السطحية، ولا دور الإعلام والصحافة يقتصر على تكهّن النوايا أو تفسير القصد المقتطع من جملة. فدور الإعلام الرصين ليس مجرد نقل “المانشيتات” المثيرة، بل نقل الحقائق بوضوح، وتحليل السياقات بموضوعية، والارتقاء بوعي المتلقي بدلًا من مداعبة غرائزه بعناوين مضللة.

وقبل ان اترككم استحضرني جملة قيلت في كثير من المواضع سواء في السياسة أو الفن أو البرامج وأذكرها الآن على لسان الفنان سعيد صالح لأحد الإعلاميين: إنت يا بني عبيط؟!.

الأسئلة الشائعة

يرى الكاتب أن الرسالة الأساسية هي تأكيد الرئيس أن دستور الدولة لن يمسه أحد، وأن أي محاولة للمساس به أو فرض بدائل عليه مرفوضة

فسّره بأنه رد مباشر على اجتماعات التنظيم في الخارج التي ناقشت وضع دستور جديد، مع تأكيد أن الحق الأصيل في الدستور يعود للشعب فقط

لأن بعض التغطيات اقتطعت جملًا من سياقها وحولتها إلى عناوين مضللة بدل نقل الحقائق وتحليل الرسائل بموضوعية