قال البابا لاوُن الرابع عشر، بابا الفاتيكان، أن استمرار الجوع والفقر في العالم، رغم التسارع غير المسبوق في التقدم التكنولوجي، يكشف عن أزمة عميقة تتجاوز الجوانب التقنية والمالية، وتمتد إلى الأبعاد الأنثروبولوجية والأخلاقية، مشددًا على أن ضمان الغذاء الكافي والآمن لكل إنسان ليس امتيازًا، بل حق أساسي وواجب من واجبات العدالة.
جاء ذلك في رسالة وجهها البابا إلى شو دونيو، المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو»، بمناسبة اليوم العالمي للأغذية، الذي يأتي هذا العام تحت شعار «الابتكار اليوم من أجل تغذية الغد».
واضاف البابا أن مساعدة الأرض على إنتاج ثمارها لا تمثل مجرد عملية تقنية، بل تعبيرًا عن مسؤولية الإنسان في حفظ الخليقة وحرث الأرض، وهي مسؤولية تسبق كل إطار قانوني وكل ابتكار تكنولوجي.
الابتكار الحقيقي لا يُقاس بالأرباح وحدها.
وقال البابا لاوُن الرابع عشر إن مصطلح الابتكار يُستخدم اليوم بصورة متزايدة للإشارة إلى تطوير الأجهزة والخوارزميات وتحسين الأداء بهدف تحقيق المكاسب الاقتصادية، داعيًا إلى تغيير النظرة السائدة إلى التقدم، بحيث لا يحل الابتكار محل الخليقة، بل ينطلق من احترام القوانين المعقدة التي تحكم عمل الخالق.
وأضاف أن استخدام التكنولوجيا المناسبة في الزراعة يعبر عن دور الإنسان بوصفه معاونًا لله في عمل الخلق، لكن توظيف التقنيات الحديثة بما يؤدي إلى استنزاف خصوبة التربة أو إبعاد المزارعين عن أراضيهم خدمةً للمصالح الاقتصادية وحدها لا يمكن اعتباره تقدمًا، بل شكلًا متطورًا من أشكال التدمير.
وشدد على أن الاستخدام غير المسؤول للتكنولوجيا لتحقيق المصالح الأنانية، بدلًا من توظيفها لخدمة الخير العام، لا ينتهك مبدأ التضامن فحسب، بل يتجاهل أيضًا واجب البشرية في صون الخليقة.
وأشار إلى أن الابتكار الذي يحتاج إليه العالم لا ينبغي أن يُقاس بكمية الحبوب المنتجة وحدها، وإنما بقدرته على حماية الكرامة الإنسانية التي وهبها الله لكل إنسان، والحفاظ على سلامة النظام البيئي الذي دُعيت البشرية إلى صونه.
البابا: الجوع ليس قدرًا تفرضه الجغرافيا
وأكد البابا أن الجوع لا ينبغي التعامل معه باعتباره حالة استثنائية في الإحصاءات، موضحًا أنه يرتبط أساسًا بغياب الإرادة السياسية والتضامن الجماعي، وليس بنقص حتمي تفرضه الظروف الجغرافية.
وقال إنه في عصر يشهد تقدمًا تكنولوجيًا غير مسبوق، لم يعد مقبولًا أن يُنظر إلى الخبز باعتباره امتيازًا، أو إلى المياه باعتبارها سلعة تتنازع عليها الأطراف.
وشدد على أن الحصول المنتظم على غذاء آمن وملائم وكافٍ، بما يتناسب مع كرامة الإنسان، يمثل حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وأن ضمان هذا الحق واجب من واجبات العدالة، تتحمله الدول كلٌّ على حدة، كما يتحمله المجتمع الدولي.
ولفت إلى مفارقة تتمثل في أن الابتكارات تسرّع وتيرة الإنتاج، بينما يظل التوزيع مهمَلًا، في الوقت الذي تُتداول فيه أسواق الحبوب وتُستثمر في البورصات، وتصبح البذور التي تنبت في الأرض تحت سيطرة احتكارات تضيق الخناق على الزراعة الصغيرة النطاق.
«الخبز لا ينبغي أن يكون سلاحًا في الحرب»
ودعا البابا لاوُن الرابع عشر إلى تحرير إنتاج الغذاء من عقلية المضاربة البحتة، مؤكدًا أن الخبز لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للضغط الجيوسياسي أو أصل مالي متقلب، كما يجب ألا يُستخدم سلاحًا في الحروب.
وأضاف أن حرمان إنسان من الوصول إلى الخبز أو تدمير الوسائل التي يُنتج بها يمثل اعتداءً بالغًا على الكرامة الإنسانية، لأن قيمة الخبز تنبع من كونه يسند الحياة التي وهبها الله للبشر.
وحذر من الاستمرار في تبني نظرة قصيرة الأمد، معتبرًا أن الاعتقاد بإمكانية تحقيق نمو لا نهائي في ظل محدودية الموارد بلغ نقطة الانهيار، وأن الابتكار في المرحلة الراهنة يتطلب تحمل مسؤولية تجاه الأجيال المقبلة، تتجاوز الحسابات السنوية الضيقة.
وأوضح أن المطلوب ليس رفض التقدم التكنولوجي، بل التوفيق بين التكنولوجيا والحكمة، بما يشمل المعرفة المتوارثة عبر الأجيال، والاستفادة من خبرات المزارعين الذين راكموا، على مدار قرون، معرفة دقيقة بالأرض والمناخ من خلال الملاحظة والتجربة.
وشدد كذلك على أهمية حماية المياه باعتبارها خيرًا مشتركًا لا يجوز التفريط فيه.
دعوة إلى نظام غذائي عالمي جديد
وفي رسالته إلى المدير العام لمنظمة «الفاو»، حث البابا المنظمة والدول الأعضاء فيها على تجاوز التحليلات المجردة والتصريحات محدودة الفاعلية، والتحلي بالشجاعة الأخلاقية اللازمة لمواجهة أزمة الجوع.
وأكد الحاجة الملحة إلى إقامة نظام غذائي عالمي جديد يخضع فيه الابتكار التكنولوجي، دون قيد أو شرط، لاحترام الكرامة الإنسانية والخير العام الشامل.
كما دعا إلى إعادة توجيه الموارد التي تُستثمر في صناعة الأسلحة نحو البحوث الزراعية المستدامة وتجديد الأراضي المتدهورة، معتبرًا أن هذا التوجه يمثل ضرورة أخلاقية عاجلة في ظل التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العالمي.
«الغد هو حصاد ما نزرعه اليوم»
واختتم البابا لاوُن الرابع عشر رسالته بالتأكيد أن المستقبل ليس فترة زمنية مجردة تنتظر البشرية بصورة سلبية، بل هو حصاد القرارات التي تتخذها اليوم.
وأوضح أن الابتكار غير الأخلاقي، القائم على الرغبة في السيطرة على الأرض وإقصاء الضعفاء، لن يؤدي إلا إلى الجفاف والصراعات، بينما يمكن للابتكار المنطلق من احترام النظام الطبيعي وتحقيق العدالة للجائعين أن يمهد لمستقبل تتوافر فيه مقومات الحياة والغذاء للجميع.
وفي ختام الرسالة، استحضر البابا جهود الذين يكرسون أنفسهم لزراعة الأرض وصون الخليقة، مستمطرًا بركات الله القدير على الجميع، ومؤكدًا استمرار دعم الكرسي الرسولي للمبادرات التي تساند منظمة الأغذية والزراعة في مساعيها النبيلة.
أكد البابا لاوُن الرابع عشر أن استمرار الجوع والفقر يكشف أزمة أخلاقية وسياسية عميقة، وأن الغذاء الكافي والآمن حق أساسي وواجب من واجبات العدالة
قال إن الابتكار الحقيقي لا يقاس بالأرباح وحدها ولا بعدد الحبوب المنتجة فقط، بل بقدرته على حماية الكرامة الإنسانية وصون البيئة وخدمة الخير العام
دعا إلى نظام غذائي عالمي جديد يخضع فيه الابتكار لاحترام الكرامة الإنسانية والخير العام، وإلى توجيه الموارد من صناعة الأسلحة نحو البحوث الزراعية المستدامة وتجديد الأراضي المتدهورة


