يأسرني الصباح وأحب نور الشمس حين يتسلل من نوافذ بيتنا، خفيفًا وادعًا، كأنه يخشى أن يوقظ سكون الأشياء، فينساب على مهل ويستقر في الزوايا التي لم تبلغها العتمة بعد.
لطالما رأيت في أشعتها شيئًا يشبه الحياة، ذلك النور الذي لا يكتفي بأن يكشف ما أخفته الظلال، بل يمنح الأشياء فرصة أخرى لتبدو على نحو مختلف، كأن للشمس قدرة خفية على إقناع العالم بأن العتمة مهما طالت، ليست قدرًا نهائيًا، وأن في كل صباح مساحة جديدة لم تُكتب عليها خيبات الأمس بعد.
لعل هذا هو السبب الذي جعلني أتوقف طويلًا عند موقف أمينة خليل، حين طلب منها أنس بوخش أن تصف نفسها في كلمة واحدة، وبعد صمت طويل قالت: «الشمس»! أعرف أن الإجابة أصبحت مادة للتندر والمزاح، وأن طول الصمت الذي سبقها منح الموقف طابعًا كوميديًا، لكنني، لسبب لا أعرف كيف أشرحه، لم أستقبلها بالطريقة نفسها، بل استوقفتني الكلمة، وشعرت بشيء جميل يتحرك في داخلي، كأنها أعادتني إلى معنى أعرفه منذ زمن، لكنني لم أفكر يومًا في اختصاره بهذه البساطة.
منذ طفولتي كنت أتعمد التعرض لأشعتها، كأن بيني وبينها موعدًا لا أعرف كيف أُخلِفُه. أذكر أنني في أيام طفولتي، كنت أجلس على الأرض لأذاكر تحت النور المتسلل من النافذة، وأظل أُحرّك كتبي وأنتقل معها كلما تحركت الشمس، حتى ينحسر الضوء ويختفي من الشباك، وحين دخلت الجامعة، ضبطت نفسي متلبسة بالعادة ذاتها، كأن بعض الأشياء التي نحبها في طفولتنا لا تغادرنا حين نكبر، بل تظل تسكننا في صمت وتنتظر أن نلتفت إليها من جديد.
ربما لم أكن أبحث عن الضوء وحده، بقدر ما كنت أبحث عن ذلك الشعور الذي يمنحني إياه، شعور غامض بالسكينة، وبأن العالم على اتساع ما فيه من تعب، لا يزال يحتفظ بمساحات صغيرة تستحق أن نعيش من أجلها.
للصباح فتنة لا تُشبه سائر الأوقات، كأن الحياة فيه تعود إلى أصلها الأول قبل أن تُثقلها العجلة، وتُربكها الالتزامات، وتُفسد صفاءها ضوضاء العالم.
صوت العصافير المغردة عند النوافذ ممتزج بصوت فيروز الذي يعيد إلى الروح شيئًا من براءتها القديمة، وهدوء يُخيّل إليّ معه أن العالم قد تصالح ولو لساعات قليلة مع نفسه، نوستالجيا عذبة لا أعرف على وجه الدقة إلى أي زمن تأخذني، ولا أي ذكرى تستدعيها، لكنها تُشعرني بأن ثمة أشياء جميلة لم نفقدها تمامًا، مهما تغيرت بنا السنوات.
الصباح يعني فنجان القهوة، ورشفتها الأولى، وقطمة من شطيرة الجبن، وتلك التفاصيل التي قد تبدو عادية إلى حد لا يستحق الالتفات، لكنها حين تجتمع في صباح هادئ، تمنح الحياة مذاقًا آخر، وأتساءل أحيانًا: كم من الجمال يمر بنا كل يوم دون أن نراه، لا لأنه غائب، بل لأننا اعتدنا وجوده حتى كففنا عن الامتنان له؟
أحب تلك الصباحات التي أستيقظ فيها بإرادتي قبيل الفجر أو مع خيوطه الأولى، لا لأن وراءها موعدًا ينتظرني، ولا لأن عليّ إنجاز شيء بعينه، بل لأنني أريد أن أمنح نفسي حق التمهل، وأن أعيش بعض الوقت دون أن أكون مطالبة بشيء.
أجلس مع هدوئي وأُصغي إلى العالم وهو يبدأ يومه، وأراقب النور وهو يستعيد المساحات من العتمة، وأترك روحي تتنفس بعيدًا عن كل ما يشغلها، وفي تلك اللحظات، أشعر أنني نلت من الجمال ما يكفيني لأواجه ما تبقى من اليوم بقلب أكثر اتساعًا، ونفس أكثر خفة، ورغبة متجددة في الحياة.
كأن الصباح يمنحني رصيدًا من الطمأنينة، أنفق منه طوال النهار كلما ازدحمت الأشياء أو ضاقت بي نفسي، أو نسيت وسط الركض أن الحياة ليست كلها ما نسعى إلى بلوغه، بل أيضًا ما يمر بنا ونحن في طريقنا إليه.
أنا ممتنة لله على هذه الاستراحات الصغيرة التي يمنحنا إياها دون سؤال، وعلى هذا الجمال الذي لا يحتاج منا سوى أن نكون حاضرين لنراه، ممتنة لأن لطفه لا يأتي دائمًا في هيئة أحداث عظيمة، بل يتسرب إلينا أحيانًا في خيط شمس يعبر نافذتنا، وصوت عصفور يوقظ الصمت، وأغنية قديمة، ورشفة قهوة، وصباح يبدأ دون أن يحمل إلينا وعدًا سوى أنه يوم جديد.
ممتنة لتلك اليد الخفية التي تمتد إلينا بحنان، وتترك في تفاصيل الحياة ما يُذكّرنا بأننا لسنا محرومين من الجمال حتى في أكثر أيامنا عادية.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى أسباب كبيرة لنحب الحياة، بل نحتاج أحيانًا إلى أن نراها كما هي، قبل أن تُفسدها استعجالاتنا وتوقعاتنا، أن ننتبه إلى النعم التي لا تُحدث ضجيجًا، وإلى العطايا التي لا تنتظر منا مقابلًا، وإلى ذلك الجمال الذي يزورنا كل يوم، ثم يمضي في هدوء كأنه لم يفعل شيئًا.
الحمد لله على الصباح، وعلى النور، وعلى قلبي الذي ما زال يجد في شروق الشمس سببًا جديدًا للامتنان.
لأن الكاتبة توقفت عند إجابة أمينة خليل حين وصفت نفسها بكلمة الشمس بعد سؤال أنس بوخش لها عن كلمة واحدة تعبّر عنها
يربط المقال الصباح بنور الشمس والعصافير وصوت فيروز وفنجان القهوة وقطمة الجبن باعتبارها تفاصيل تمنح السكينة والامتنان
الفكرة الأساسية هي الامتنان للجمال البسيط الذي يأتي مع الصباح والشمس والتفاصيل اليومية الهادئة دون حاجة إلى أحداث كبيرة


