تحل اليوم، ١٧ أكتوبر، الذكرى الـ٤٤ لرحيل الفنان يوسف وهبي، أحد أبرز رموز المسرح والسينما في مصر والعالم العربي، الذي غادر عالمنا عام ١٩٨٢، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود، ترك خلالها بصمة استثنائية في تاريخ الفن المصري، واستحق عن جدارة لقب «عميد المسرح العربي».
لم يكن يوسف وهبي مجرد ممثل قدم عشرات الأعمال المسرحية والسينمائية، بل كان صاحب مشروع فني متكامل، سعى من خلاله إلى الارتقاء بالمسرح وتغيير نظرة الجمهور إليه، كما أسهم في اكتشاف عدد كبير من نجوم العصر الذهبي، وترك مدرسة فنية خاصة جمعت بين الالتزام والانضباط والاهتمام بالقضايا الإنسانية والاجتماعية.
النشأة وبداية الرحلة من إيطاليا إلى القاهرة
ولد يوسف عبد الله وهبي باشا عام ١٨٩٨ بمحافظة الفيوم، في أسرة ثرية، إذ كان والده يشغل منصب مفتش ري. ورغم نشأته في بيئة مترفة، فإن شغفه بالفن والتمثيل دفعه إلى التمرد على القيود الاجتماعية، واختيار طريق لم يكن مألوفا في ذلك الوقت لأبناء الطبقات الثرية.
وبعد الحرب العالمية الأولى، سافر إلى إيطاليا لدراسة فنون التمثيل والإخراج، وتتلمذ هناك على أيدي عدد من كبار المسرحيين، لتتشكل ملامح تجربته الفنية التي حملها معه إلى القاهرة عام ١٩٢١، حيث بدأ خطواته الأولى نحو تأسيس مشروع مسرحي مختلف، استهدف من خلاله تقديم فن جاد يرتقي بالذوق العام.
##.
فرقة رمسيس.. نقطة التحول في تاريخ المسرح المصري
مثلت فرقة رمسيس المسرحية واحدة من أهم المحطات في حياة يوسف وهبي، إذ أسسها بمشاركة عدد من الفنانين البارزين، من بينهم عزيز عيد، ومختار عثمان، وحسين رياض، وأحمد علام، وفتوح نشاطي، وزينب صدقي، وأمينة رزق، وفاطمة رشدي، وعلوية جميل.
وافتتح مسرح رمسيس أبوابه في ١٠ مارس ١٩٢٣، ليصبح من أبرز المنابر المسرحية في مصر، وشهد تقديم أعمال ساهمت في ترسيخ مكانة المسرح الجاد، كما أتاح الفرصة لعدد من الفنانين لإبراز مواهبهم وتطوير أدواتهم الفنية.
ولم يقتصر دور يوسف وهبي على التمثيل والإخراج، بل اهتم ببناء منظومة مسرحية تقوم على الانضباط واحترام الجمهور، فعمل على تغيير الصورة النمطية التي ارتبطت بالمسرح الهازل، وسعى إلى توجيه اهتمام المشاهدين نحو الأعمال الجادة التي تحمل أفكارا وقضايا إنسانية واجتماعية.
كما حرص على منع التدخين داخل قاعات العرض، والالتزام بمواعيد رفع الستار، ووضع قواعد مهنية للممثل، تقوم على احترام المواعيد والالتزام بالنص وتنفيذ تعليمات المخرج، في إطار رؤيته للمسرح باعتباره رسالة فنية وثقافية تتطلب الجدية والمسؤولية.
وقد انعكست هذه الرؤية على مكانته في الحياة الفنية المصرية، حتى كلفته الحكومة عام ١٩٣٣ بتشكيل فرقة مسرحية حكومية، كانت نواة للمسرح القومي، في خطوة عكست الثقة في خبرته وقدرته على إدارة العمل المسرحي وتطويره.
##.
يوسف وهبي في السينما.. أعمال صنعت تاريخا
امتدت تجربة يوسف وهبي إلى السينما، فقدم مجموعة كبيرة من الأفلام التي تنوعت بين الدراما الاجتماعية والأعمال الإنسانية والتجارب التي ناقشت قضايا المجتمع، كما جمع في عدد من أعماله بين التمثيل والتأليف والإخراج، بما عكس تعدد مواهبه وحرصه على المشاركة في مختلف مراحل صناعة العمل الفني.
ومن أبرز أفلامه «أولاد الذوات» عام ١٩٣٢، و«الدفاع» عام ١٩٣٥، و«المجد الخالد» عام ١٩٣٧، و«ساعة التنفيذ» عام ١٩٣٨، و«في ليلة ممطرة» عام ١٩٣٩.
كما قدم عام ١٩٤١ أفلام «ليلى بنت الريف»، و«ليلى بنت المدارس»، و«عاصفة على الريف»، و«عريس من إسطنبول»، ثم شارك في «أولاد الفقراء» و«بنت ذوات» عام ١٩٤٢، و«الطريق المستقيم» و«جوهرة» عام ١٩٤٣.
وشهد عام ١٩٤٤ مشاركته في عدد من الأعمال، من بينها «غرام وانتقام»، و«سيف الجلاد»، و«ابن الحداد»، و«برلنتي»، فيما قدم عام ١٩٤٥ أفلام «سفير جهنم»، و«الفنان العظيم»، و«بنات الريف».
وفي عام ١٩٤٦، شارك في أفلام «شمعة تحترق»، و«ملاك الرحمة»، و«يد الله»، إلى جانب فيلم «ضحايا المدينة» الذي ارتبط اسمه بتأليفه. كما قدم «ضربة القدر» عام ١٩٤٧، و«القناع الأحمر» الذي تولى تأليفه وإخراجه في العام نفسه، و«شادية الوادي».
وتواصل عطاؤه السينمائي من خلال أفلام «رجل لا ينام» عام ١٩٤٨، و«كرسي الاعتراف»، و«بيومي أفندي»، و«غزل البنات»، و«أمينة» عام ١٩٤٩، ثم «الأفوكاتو مديحة» عام ١٩٥٠، و«أولاد الشوارع» و«حبيب الروح» عام ١٩٥١.
ومن أعماله أيضا «ناهد» و«المهرج الكبير» عام ١٩٥٢، و«بيت الطاعة» عام ١٩٥٣، و«بنت الهوى»، و«حياة أو موت»، و«أسعد الأيام» عام ١٩٥٤، و«عهد الهوى» عام ١٩٥٥، وهي مجموعة تعكس تنوع تجربته السينمائية وامتداد حضوره على مدار سنوات طويلة.
##.
المسرح.. عالمه الأول ومدرسته التي لا تنسى
ظل المسرح يمثل العالم الأقرب إلى يوسف وهبي، ومن خلاله قدم أعمالا استندت إلى نصوص عربية وعالمية، واهتم بتقديم الشخصيات المركبة والصراعات الإنسانية، مستفيدا من دراسته وخبرته في التمثيل والإخراج.
وضمت قائمة مسرحياته عددا من الأعمال البارزة، من بينها «عطيل»، و«يوليوس قيصر»، و«هاملت»، و«غادة الكاميليا»، و«كليوباترا»، و«لويس الحادي عشر»، و«راسبوتين»، و«الموت المدني»، و«الكوكايين»، و«الطمع»، و«الدنيا مسرح كبير»، و«المائدة الخضراء».
كما قدم مسرحيات «بيومي أفندي»، و«حب عظيم»، و«اليتيمان»، و«الاستعباد»، و«نحن وأنتم»، و«بنات الريف»، و«واحد يساوي اثنين»، و«كرسي الاعتراف»، و«الذبائح»، و«أولاد الذوات»، و«أولاد الفقراء»، و«أولاد الشوارع»، و«بنت مدارس»، و«ابن الفلاح»، و«ناكر ونكير»، و«حدث ذات ليلة»، و«البحار المزيف».
وتضمنت أعماله المسرحية أيضا «المستر فو»، و«سر الحاكم بأمر الله»، وهو نص من تأليف علي أحمد باكثير، إلى جانب أعمال أخرى أكدت اهتمامه بتقديم تجارب متنوعة، تجمع بين النصوص العالمية والموضوعات المرتبطة بالمجتمع المصري.
ولم تكن أهمية يوسف وهبي في عدد الأعمال التي قدمها فحسب، بل في إصراره على ترسيخ تقاليد مهنية داخل المسرح، وتأكيد أن نجاح العرض لا يتوقف على أداء الممثل وحده، وإنما يعتمد كذلك على احترام النص، ودقة التنفيذ، والالتزام بروح العمل الجماعي.
حياته الخاصة ورحيله
على الرغم من انشغاله الطويل بالفن، فإن حياة يوسف وهبي الخاصة ظلت بعيدة نسبيا عن الأضواء مقارنة بحضوره الفني. وقد تزوج ثلاث مرات، لكنه لم يرزق بأبناء، وعاش سنواته الأخيرة مع زوجته سعيدة هانم منصور، التي ارتبط بها بعلاقة اتسمت بالوفاء.
وفي ١٧ أكتوبر عام ١٩٨٢، رحل يوسف وهبي عن عمر ناهز ٨٤ عاما، بعد رحلة طويلة من العطاء الفني والإنساني، ترك خلالها إرثا مسرحيا وسينمائيا ظل حاضرا في ذاكرة الفن المصري.
وبعد مرور ٤٤ عاما على رحيله، لا يزال اسم يوسف وهبي مرتبطا بمرحلة مهمة من تاريخ المسرح والسينما، باعتباره فنانا لم يكتف بصناعة مجده الشخصي، بل أسهم في تشكيل ملامح الحركة المسرحية، ووضع قواعد مهنية وفنية استفادت منها أجيال متعاقبة، ليبقى لقبه «عميد المسرح العربي» تعبيرا عن مكانته ودوره في تاريخ الفن.
لأنه لم يكن مجرد ممثل بل صاحب مشروع فني متكامل سعى للارتقاء بالمسرح وتغيير نظرة الجمهور إليه وأسهم في اكتشاف عدد كبير من النجوم ووضع قواعد مهنية وانضباط داخل العمل المسرحي
من أهم محطاته تأسيس فرقة رمسيس مع عدد من الفنانين البارزين ثم افتتاح مسرح رمسيس عام 1923 ليصبح أحد أبرز المنابر المسرحية في مصر
رحل يوم 17 أكتوبر عام 1982 عن عمر ناهز 84 عاما بعد رحلة طويلة من العطاء الفني والإنساني


