مثّل المجذوب في فيلم “سعد اليتيم” 1985م، صوت الضمير الحي، والباحث عن الحقيقة، أو المُذكّر بها طوال الوقت، لا شك أن جذبته – أو ادعاؤه الجنون – كانت اختيارية، بناء على حادثة عنيفة ومُدبّرة وقعت له، ولكّن هذا الاختيار يظل غير معروف بالنسبة للمشاهد، ولا يتضح إلا في نهاية أحداث الفيلم.

“سعد اليتيم” بطولة: أحمد زكي، “زكريا فاضل – سعد اليتيم”، نجلاء فتحي، “صباح بدران”، فريد شوقي، “الهلباوي”، محمود مرسي، “بدران الجمّال”، شويكار، “حُسنة”، توفيق الدقن، “موسى”، كريمة مختار، “كرامات طبّوزاده”، أحمد بدير “عبدالدايم – حِنجل”، محمد توفيق “فاضل الجمّال”، سيناريو وحوار عبدالحي أديب، إخراج، أشرف فهمي.

منذ بداية أحداث الفيلم قرر “عبدالدايم” لعب دور الدرويش، اختار “عبدالدايم” لنفسه ذلك الدور بعدما تعرّض لتشويه وجهه حرقًا على يد رجال المعلم “بدران الجمّال” الذي تآمر بالتعاون مع المعلم “الهلباوي” لقتل شقيقه “فاضل الجمّال” والد الطفل “زكريا فاضل” حديث الولادة.

يرصد الفيلم التحول الذي حدث لـ”عبد الدايم” حينما حاول الفتوات قتله حرقًا، فهام على وجهه تحت جنح الليل والظلام، وتحوّل إلى مجذوب بعدما تبدّلت ملامحه، ولم يعد باستطاعة أحد التعرّف عليه، ولكنّه ظل وفيًا لصديقه القديم المعلم “فاضل الجمال” باحثًا عن طفله “سعد اليتيم” الذي جمح به حصان “كارتة” والده إلى أن وصل إلى تكية “كرامات” السيدة التي استبشرت به خيرًا، واتخذته ابنًا لها.

جرت بعض الكلمات على لسان “عبدالدايم” منذ تحّوله إلى مجذوب، أصبح يرددها ذهابًا وإيابًا في الحي: “لك يوم يا ظالم، كانت دامت لمين لمّا حتدوملك، لك الملك يا صاحب الملك، تعز من تشاء وتذل من تشاء، أنت فين أراضيك يا زكريا”. وهو هنا يُمثل الإنذار بعقوبة الظلم، ويُقدّم استشرافًا لما سيحدث مستقبلًا خلال سير أحداث الفيلم، في إشارة منه إلى زوال عرش الظالم مهما بلغ بطشه وقوته، مستشهدًا بقوة الله المالك لكل مالك، والمُتحكم في أقدار وجاه الرجال، ثم يواصل بحثه عن أمانته المُتمثلة في “سعد اليتيم” أو “زكريا فاضل”.

يظهر إلى جانب “عبدالدايم” عدد كبير من الدراويش في الفيلم، وهم قاطنو التكية، الذين يعتبرهم “سعد اليتيم” “عواطلية”، ويُشبّههم بالبهائم، حينما يقول لـ”كرامات”: “هتفضلي تعلفي فيهم لإمتى”. بينما يحنو على “عبدالدايم” الذي يجوب الشوارع والأزقّة حافي القدمين، ويمنحه ما قدّره الله عليه.

كرامات قدّمت منطقًا مختلفًا تجاه دراويش التكية، تراهم زاهدين في الدنيا مُنكبوّن على عبادة الله، فيما يراهم “سعد اليتيم” اتكاليين، مُذكرًا بوصية الرسول الكريم بالعمل، باعتباره عبادة، وأنّ العامل بيده لكسب قوته خيرٌ من الزاهد المُعتمد على غيره من الناس.

لن نتطرق إلى قضية هدم التكية التي ناقشها الفيلم، والتي تورّط فيها موسى “توفيق الدقن” بدعوى أن عظام جدّه دُفنت أسفل التكية، في إشارة صريحة ومُحاكاة مُباشرة لمحاولات اليهود تهويد وهدم المسجد الأقصى، بدعوى إقامة الهيكل المزعوم، وأنّهم سيستردون أرضهم “التكية” ليجتمعوا على أرضها مرّة ثانية، وإلا سيظلّوا مُشتتين وملعونين إلى يوم القيامة، ولن نتطرق أيضًا للحوار الذي دار بين “سعد” وعمّه حينما أضرم “موسى ورجاله” النيران في التكية، مؤكدًا أنها لن تتحرر إلا بأيدي رجالها، ولكّننا حتمًا سنتطرّق إلى الكارتة التي ظلّت “التكية” محتفظة بها على مدار ثلاثين عامًا، باعتبارها كلمة السر وحل اللغز، والتي سيستولي عليها “موسى” ويذهب بها إلى المعلم “هلباوي”، وهناك سيراها “عبدالدايم” – الذي تحوّل اسمه لـ”حِنجل” – وتثور ثورته، ومن ثم يبدأ بسرد الحكاية لـ”موسى والهلباوي”.

مثل “عبدالدايم – حِنجل”، عنصرًا وجزءًا أصيلًا من الحبكة الدرامية للفيلم، ففي البداية وقبل أن يحرق رجال المعلم “بدران” وجهه بالنار كان شاهدًا على جريمة القتل التي وقعت في حق المعلم “فاضل” وجموح الحِصان بالكارتة، كما ظلّ “حِنجل” خازنًا لسر “زكريا” وجريمة عمه لثلاثين سنة، قضاها مجذوبًا بمحض إرادته أملًا في العثور على ضالته ليُعيد الحق لأهله ويُبرئ ساحته أمام “زكريا”، وحينما رأى الكارتة سرد الحكاية أمام “الهلباوي”، ثم توارى عن الأنظار لنهاية الفيلم، وكأنه أنهى مهمته التي ظهر خلال الأحداث وعاش لأجلها، فلو تخيّلنا أن شخصية المجذوب هنا ليست موجودة، لتفككت حبكة الفيلم، ولما حدثت لحظة التنوير، أو كشف السر الذي أدى للنهاية.

الصدمة التي تعرّض لها “عبدالدايم” عظيمة الأثر، ومن النادر نجاة الإنسان منها، هي لا تقل في خطورتها عن الصدمات التي تعرّضت لها الشخصيات السابقة وأفقدتها عقلها وإيمانها بنفسها، فإن كان الاسم هو المُعبّر الأول عن الهوية، ولا يمكن التعامل مع إنسان لا يحمل اسمًا يعطيه وجوده في النظام الاجتماعي، فإن الوجه هو المعادل المرئي لهذا الاسم، ويُمكننا القول إن تشويه وجه “عبدالدايم” لم يكن محوًا كاملًا لهويته بقدر ما كان تعطيلًا لهذه العلامة المرئية، حيث احتفظ بذاكرته وماضيه وأمانته، بينما اختار – تحت تأثير الصدمة – الفرار من مكانته السابقة في المُجتمع. وهكذا صار “حِنجل” هوية بديلة تحجب الشخص الذي كانه من قبل، دون أن تلغي ما يحمله من مسؤولية وأمانة تجاه الحقيقة التي لم يكن يعرفها غيره والمتورطون فيها.

صدمة كبيرة تعرّضت لها الشخصية، ولكّن الأكبر من الصدمة، تلك الأمانة التي أصبح المسؤول الأول عنها منحت الشخصية غاية تتمسك بها، وحالت دون استسلامها لليأس، ومنحته الأمل في الحياة، رغم أنّه عاش ما تبقى من عمره مدعيًا الخلل العقلي للعثور على أمانته، وهنا نكتشف يقينًا أن استجابات الشخصيات للصدمات مُختلفة ومتفاوتة من شخصية لأخرى، وتقبّل الأحداث والهزّات العظيمة في حياة الشخصية، يتوقف على المؤهلات والقدرات النفسية والعقلية والاجتماعية لكل منها.

الأسئلة الشائعة

هو عبد الدايم بعد أن تعرّض لتشويه وجهه بالنار فتحول إلى مجذوب وظل يبحث عن أمانته وكشف حقيقة ما جرى

اختار ذلك بعد الصدمة العنيفة التي تعرض لها وتشويه وجهه، وظل يؤدي دور المجذوب حتى يتمكن من متابعة البحث عن الحقيقة والأمانة

الشخصية كانت جزءًا أصيلًا من الحبكة لأنها خزنَت سر زكريا وجريمة العم لثلاثين سنة، ولولاها لتفككت الحبكة ولم تحدث لحظة كشف السر