أكد الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، أن النجاح في عالم الأعمال لم يعد مرتبطًا بتوافر رأس المال وحده، كما أن امتلاك فكرة جيدة لا يكفي لضمان نجاح المشروع واستمراره، مشيرًا إلى أن المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة جعلت التخطيط الجيد وإدارة المخاطر وحسن استثمار الموارد وتطوير المهارات والقدرة على اقتناص الفرص عناصر أساسية في بناء المشروعات الناجحة وتحقيق الاستدامة.
وأوضح الشوربجي، في تصريحات خاصة لـ«البوابة نيوز»، أن اهتمام الشباب بالاستثمار والعمل الحر وريادة الأعمال يتزايد باعتبارها مسارات تتيح فرصًا جديدة للاستقلال المهني والمالي، وتسهم في تحويل الأفكار إلى مشروعات اقتصادية قادرة على توفير فرص العمل وتقديم قيمة حقيقية للمجتمع.
وشدد على أن بناء الثروة لا يبدأ بالضرورة بامتلاك الأموال، وإنما بوجود فكرة قابلة للتنفيذ، ورؤية واضحة، وقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة، مؤكدًا أن الفارق الحقيقي بين الأفكار التي تتحول إلى مشروعات ناجحة وتلك التي تتوقف عند مرحلة التخطيط يرتبط بمدى استعداد أصحابها للعمل والتعلم ومواجهة التحديات.
الاستثمار الذكي يبدأ بإدارة المخاطر وليس البحث عن الأرباح
وقال الشوربجي إن الاستثمار الذكي يقوم على إدراك حقيقة أساسية، تتمثل في أن المخاطرة جزء لا ينفصل عن أي نشاط استثماري، موضحًا أن المستثمر الواعي لا يبحث عن استثمار يخلو تمامًا من المخاطر، وإنما يسعى إلى فهم طبيعتها وإدارتها وتقليل آثارها من خلال الدراسة والتخطيط واختيار البدائل المناسبة.
وأضاف أن الفارق بين الاستثمار الذكي والمخاطرة العشوائية يكمن في مستوى الوعي والقدرة على اتخاذ القرار، إذ إن المخاطرة التي تستند إلى معلومات دقيقة ودراسة مسبقة وخطة واضحة يمكن التعامل معها وإدارتها، بينما قد تؤدي القرارات غير المدروسة إلى خسائر مالية يصعب تداركها.
وأشار إلى أن تقييم أي فرصة استثمارية يجب ألا يقتصر على حجم العائد المتوقع، بل ينبغي أن يشمل طبيعة النشاط الاقتصادي، وحجم الالتزامات المالية، وظروف السوق، ومدى قدرة المستثمر على تحمل التقلبات والتحديات المحتملة.
وأكد أن اتخاذ القرار الاستثماري السليم يتطلب تحقيق التوازن بين الفرص المتاحة والمخاطر المرتبطة بها، بحيث يكون الاستثمار قائمًا على أسس واقعية وليس مجرد توقعات بتحقيق أرباح سريعة.
العمل الحر يحتاج إلى مهارات وقدرات تتجاوز امتلاك فكرة المشروع
وأوضح الخبير الاقتصادي أن الاتجاه المتزايد نحو العمل الحر وإقامة المشروعات الخاصة يمثل فرصة مهمة أمام الشباب، لكنه يتطلب استعدادًا حقيقيًا، لأن الرغبة في إنشاء مشروع لا تعني بالضرورة امتلاك المقومات اللازمة لنجاحه.
وأشار إلى أن العمل الحر يحتاج إلى القدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات والتعامل مع الضغوط والتحديات المختلفة، إلى جانب المعرفة الحقيقية بطبيعة السوق والعملاء والمنافسين.
وأضاف أن الاستعداد لإطلاق مشروع ناجح يبدأ بتقييم القدرات الشخصية وتحديد نقاط القوة التي يمكن تحويلها إلى مزايا تنافسية، مع العمل على تطوير نقاط الضعف واكتساب المهارات المطلوبة لإدارة النشاط الاقتصادي بكفاءة.
ولفت إلى أهمية بناء علاقات جيدة مع العملاء، وفهم احتياجاتهم، ومتابعة المتغيرات التي تشهدها الأسواق، مؤكدًا أن التعلم المستمر أصبح ضرورة لضمان قدرة المشروعات على المنافسة والاستمرار.
وأوضح أن الأسواق لا تبقى على حالها، وأن احتياجات العملاء تتغير باستمرار، كما تفرض التكنولوجيا أدوات وأساليب جديدة في الإدارة والتسويق والإنتاج، وهو ما يجعل أصحاب المشروعات مطالبين بتطوير مهاراتهم بصورة متواصلة.
وحذر من أن التوقف عن التعلم ومواكبة التطورات قد يؤدي إلى فقدان المشروع قدرته التنافسية وخروجه تدريجيًا من السوق.
المبادرات الحكومية فرصة لدعم الشباب ورواد الأعمال
وأكد الشوربجي أن المبادرات الحكومية وبرامج ريادة الأعمال تمثل فرصة مهمة أمام الشباب الراغبين في تأسيس مشروعات جديدة أو تطوير مشروعات قائمة، مشيرًا إلى أن الاستفادة من هذه المبادرات تتطلب فهم طبيعة النشاط الاقتصادي واستكمال الأوراق والإجراءات الرسمية اللازمة.
وأوضح أن تحديد تصنيف المشروع، سواء كان متناهي الصغر أو صغيرًا أو متوسطًا، يساعد صاحبه على التعرف على برامج الدعم والمزايا المتاحة له وفقًا للشروط المنظمة لكل برنامج.
وأشار إلى أن أهمية المبادرات الحكومية لا تقتصر على توفير التمويل، وإنما تمتد إلى التدريب وبناء القدرات والاستفادة من حاضنات الأعمال وبرامج الدعم وشبكات العلاقات المهنية والتجارية.
وأضاف أن العديد من هذه البرامج يتيح فرصًا لتطوير مهارات أصبحت ضرورية لنجاح المشروعات، وفي مقدمتها التسويق الإلكتروني وإدارة المشروعات وريادة الأعمال.
وشدد على أن الاستفادة الحقيقية من برامج الدعم لا تتحقق بمجرد الحصول على التمويل أو المشاركة في المبادرات، وإنما بقدرة صاحب المشروع على توظيف ما يحصل عليه من موارد وخبرات في تحقيق قيمة اقتصادية فعلية.
وأوضح أن المشروع الناجح يجب أن ينطلق من فكرة تستجيب لاحتياج واضح لدى المستهلكين، أو تقدم حلًا عمليًا لمشكلة قائمة في السوق، بما يضمن وجود طلب حقيقي على المنتجات أو الخدمات التي يقدمها.
التمويل وسيلة للنمو وليس هدفًا في حد ذاته
وقال الشوربجي إن التمويل يمثل إحدى الأدوات المهمة التي تساعد المشروعات على الانطلاق والتوسع، لكنه لا يجب أن يتحول إلى هدف مستقل عن احتياجات المشروع وقدرته على النمو.
وأوضح أن التمويل الناجح هو الذي يسهم في زيادة الطاقة الإنتاجية وتحسين الأداء وتعزيز القدرة على الاستمرار، وليس التمويل الذي يتحول إلى عبء مالي إضافي على صاحب المشروع.
وأكد ضرورة إعداد خطة عمل واضحة قبل التقدم للحصول على التمويل، تتضمن تحديد أهداف المشروع واحتياجاته المالية وأوجه استخدام الأموال والتدفقات النقدية المتوقعة.
وأضاف أن صاحب المشروع مطالب بدراسة مصادر التمويل المختلفة والمقارنة بينها، واختيار المصدر الأكثر ملاءمة لطبيعة نشاطه وقدرته على الوفاء بالتزاماته المالية.
وشدد على أن حسن استخدام التمويل لا يقل أهمية عن الحصول عليه، موضحًا أن الأموال يجب أن توجه إلى الأغراض المخصصة لها، مع تجنب استخدام التمويل قصير الأجل في استثمارات طويلة الأجل.
وأشار إلى أن هذا الخطأ قد يضع المشروع أمام التزامات مالية مستحقة السداد قبل أن تبدأ الاستثمارات الممولة في تحقيق عوائدها، ما يؤدي إلى ضغوط على السيولة وقد يهدد استمرارية النشاط.
وحذر من الدخول في أنشطة اقتصادية لا يمتلك أصحابها الخبرة الكافية لإدارتها لمجرد توافر التمويل، مؤكدًا أن رأس المال قد يساعد على إطلاق المشروع، لكنه لا يستطيع تعويض نقص الخبرة أو ضعف المعرفة بالسوق والمنافسين وأساليب الإدارة.
السيولة المالية عنصر أساسي لاستقرار المشروعات
وأكد الخبير الاقتصادي أن الإدارة الجيدة للسيولة تمثل أحد العوامل الرئيسية للحفاظ على استقرار المشروعات واستمراريتها، خاصة في فترات التقلبات الاقتصادية وعدم استقرار الأسواق.
وأوضح أن الاحتفاظ باحتياطي نقدي مناسب يساعد أصحاب المشروعات على مواجهة النفقات التشغيلية الطارئة والالتزامات قصيرة الأجل، كما يوفر قدرًا من الأمان المالي خلال فترات تراجع الإيرادات أو انخفاض الطلب.
وأشار إلى أن إدارة السيولة تتطلب قدرًا من التوازن، لأن الاحتفاظ بكميات كبيرة من الأموال دون توظيفها قد يؤدي إلى ضياع فرص استثمارية مهمة للنمو والتوسع.
وأضاف أن الإدارة المالية الناجحة تقوم على توفير احتياطي نقدي يغطي الاحتياجات الفعلية والطوارئ المحتملة، مع استثمار الموارد المتاحة بصورة تحقق أفضل استفادة اقتصادية ممكنة.
وشدد على أن تحقيق التوازن بين الأمان المالي والاستثمار في المستقبل يساعد المشروعات على مواجهة الأزمات دون التخلي عن فرص التطوير والنمو.
الاستثمار في الإنسان الأكثر استدامة
وأكد الشوربجي أن الاستثمار في الإنسان يمثل أحد أهم أشكال الاستثمار وأكثرها استدامة، موضحًا أن تنمية مهارات صاحب المشروع وتطوير معرفته وخبراته لا تقل أهمية عن توفير رأس المال.
وأضاف أن امتلاك المعرفة والمهارات المناسبة يمنح الإنسان القدرة على إدارة الأموال واستثمارها بكفاءة أكبر، واتخاذ قرارات اقتصادية تتناسب مع طبيعة الأسواق والفرص المتاحة.
وأشار إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع جعل التعلم المستمر ضرورة وليس رفاهية، لأن المهارات التي يمتلكها الفرد اليوم تحتاج إلى التطوير والتحديث حتى تظل قادرة على المنافسة مستقبلًا.
وأوضح أن اكتساب معارف جديدة قد يفتح أمام الشباب فرصًا مهنية واستثمارية لم تكن متاحة من قبل، ويمنحهم القدرة على دخول مجالات اقتصادية حديثة والاستفادة من التحولات التي تشهدها الأسواق.
الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة المتجددة فرص واعدة للشباب
ولفت الخبير الاقتصادي إلى وجود مجموعة من المجالات الواعدة التي يمكن للشباب الاستفادة منها خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني وتطوير البرمجيات.
وأضاف أن الفرص تمتد كذلك إلى التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية والطاقة المتجددة، وغيرها من المجالات المرتبطة بالتحول التكنولوجي والاقتصادي.
وشدد على أن اختيار المجال المناسب لا ينبغي أن يعتمد فقط على كونه من المجالات الواعدة أو سريعة النمو، وإنما يجب أن يجمع بين احتياجات السوق والقدرات الشخصية والاهتمامات الفردية والاستعداد للتعلم والتخصص.
وأوضح أن الفرصة الحقيقية لا تتمثل في مجرد دخول مجال جديد، بل في امتلاك المعرفة والمهارة والخبرة التي تمكّن الفرد من تقديم قيمة حقيقية داخله.
وأكد أن الاستثمار في تطوير القدرات البشرية يتيح للشباب فرصًا أوسع للمنافسة في أسواق العمل، كما يساعد أصحاب المشروعات على تطوير أنشطتهم والاستفادة من التقنيات الحديثة.
من الفكرة إلى المشروع.. خطوات صناعة النجاح
واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن تحويل الأفكار إلى مشروعات ناجحة لا يعتمد على المال وحده، وإنما يتطلب سلسلة متكاملة من الخطوات تبدأ باختيار فكرة مدروسة، ثم وضع خطة واضحة، وإدارة المخاطر، والاستفادة من الفرص المتاحة، وحسن استخدام التمويل، وإدارة السيولة بكفاءة، إلى جانب التطوير المستمر للمهارات.
وأوضح أن كثيرًا من الشباب يمتلكون أفكارًا جيدة وقابلة للتنفيذ، لكن الفارق الحقيقي يظهر عندما تتحول الفكرة إلى خطة، والخطة إلى عمل، والعمل إلى قيمة اقتصادية، ثم إلى مشروع قادر على الاستمرار والنمو.
وشدد على أن الثروة لا تصنع من المال وحده، وإنما من فكرة جيدة وعقل واعٍ ومهارة متطورة وقرار محسوب وإرادة قادرة على مواجهة العقبات وعدم التوقف عند أول تحدٍّ.
وأكد أن حكاية مشروع ناجح قد تبدأ بفكرة بسيطة تراود صاحبها، لكن ما يصنع الفارق هو امتلاك الشجاعة لاتخاذ الخطوة الأولى، والحكمة في التخطيط، والقدرة على مواصلة العمل رغم التحديات.
لا يكفي رأس المال وحده لنجاح المشروع؛ فالخبر يؤكد ضرورة وجود فكرة قابلة للتنفيذ ورؤية واضحة وتخطيط جيد وإدارة للمخاطر ومهارات مناسبة
يجب إعداد خطة عمل واضحة تحدد أهداف المشروع واحتياجاته المالية وأوجه استخدام الأموال والتدفقات النقدية المتوقعة مع دراسة مصادر التمويل المختلفة واختيار الأنسب
ذكر الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني وتطوير البرمجيات وكذلك التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية والطاقة المتجددة


