أعلن الجيش الإسرائيلي أن جنود الشرطة العسكرية كانوا ينفذون “نشاط إنفاذ مستمرا” ضد الفارين والمتهربين من الخدمة بموجب قانون الخدمة العسكرية، حين تجمع عدد كبير من “المشاغبين” وتحركوا بصورة منظمة لتعطيل العملية في مدينة موديعين وسط البلاد. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، تجمع مئات المتظاهرين الحريديم واشتبكوا مع الشرطة وأحبطوا اعتقال شاب مطلوب بتهمة التهرب من التجنيد مطلع الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري، في أحدث حلقة من سلسلة مواجهات تشهدها المدن ذات الكثافة الحريدية.

وتأتي الحادثة في ظل غياب قانون ينظم إعفاء طلاب المعاهد الدينية، وبعد أن كثف الجيش والنيابة العامة هذا الصيف جهود إنفاذ أوامر التجنيد، ما رفع عدد الاعتقالات وأطلق موجة احتجاجات رافضة للتجنيد. ويرى قادة الحريديم أن الخدمة العسكرية تهدد نمط حياتهم الديني. وترى الدولة أن القانون يسري على الجميع، فيما يتصاعد الجدل السياسي والقضائي حول حدود الإنفاذ وكلفته الأمنية والاجتماعية.

مواجهة موديعين: اعتقال يتحول إلى اشتباك

وفق الرواية العسكرية، جاءت المواجهة أثناء عملية اعتقال اعتيادية، لكن حشدا كبيرا تجمع في الموقع خلال وقت قصير وعمل بتنسيق واضح. وانتهى ذلك إلى إفشال الاعتقال تحت ضغط الحشد، وسط اشتباكات مع عناصر الشرطة. وتحدثت تقارير عن اعتقال محتجين خلال الاضطرابات، من دون أن تتضح حصيلة نهائية للموقوفين أو المصابين في المصادر المتاحة.

ويعكس سرعة تجمع المحتجين وجود شبكات إنذار مبكر داخل بعض التيارات الحريدية. فقد أوردت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن منظمة “عام قدوش”، وهي شبكة استجابة وتنبيه يديرها “الفصيل اليروشلمي” المتشدد، وصفت اعتقال أحد طلاب المعاهد بأنه “اختطاف إلى سجن عسكري” في احتجاج سابق على الطريق السريع رقم 4. وفي واقعة أخرى قرب القدس، وصل عشرات المحتجين إلى موقع اعتقال في معاليه أدوميم بعد أن نبههم الفصيل اليروشلمي، ونجحوا في وقف العملية، بحسب هيئة البث العامة “كان”.

وتعتمد آلية الاعتقال نفسها على إجراءات أقرت قبل أشهر. فقد أعلنت الشرطة الإسرائيلية في مايو أنها أصدرت أوامر جديدة لعناصرها بتوقيف المتهربين من الخدمة وانتظار وصول الشرطة العسكرية لتسلمهم. وهذا يعني أن الاعتقال قد يحدث في أي مكان، من محطة نقل إلى مطار أو شارع، وهو ما يمنح الاحتجاجات طابعا مفاجئا ويصعب على الأجهزة الأمنية التحكم في مسار المواجهة.

موجة احتجاجات متصاعدة منذ الصيف

لا تبدو موديعين حادثة معزولة. فقد أغلق محتجون حريديم في أغسطس الطريق السريع رقم 4 بين تقاطع ألوف سديه في رمات غان وتقاطع أم هموشافوت في بتاح تكفا احتجاجا على اعتقال مطلوب للتجنيد. وتكرر هذا النمط مرارا قرب بني براك، وترددت فيه هتافات من قبيل “نموت ولا نجند”. وفي الثاني من سبتمبر، تظاهر العشرات أمام منزل مسؤول رفيع في شرطة المرور بالقدس بعد توقيف ستة مشتبه بتهربهم من الخدمة في مطار بن غوريون أثناء محاولتهم مغادرة البلاد، وهم خاضعون لأوامر منع سفر بسبب التهرب من التجنيد بحسب سلطة المطارات.

وتصاعدت الاحتجاجات من حيث الحجم أيضا. ففي 29 سبتمبر شهدت القدس مسيرة حاشدة ضد التجنيد شارك فيها الآلاف، بحسب تغطية صحيفة “جيروزاليم بوست”. ثم عادت الاحتجاجات في الثامن من أكتوبر إلى الطريق رقم 4، وسط تقارير عن إصابة أحد المتظاهرين بعد أن دهسته مركبة. وتكشف هذه الوقائع عن اعتماد المحتجين على إغلاق الطرق الرئيسية وسيلة ضغط تشل حركة وسط البلاد.

وتمتد المواجهات إلى محيط السجون العسكرية. فقد شهد محيط السجن العسكري رقم 10 قرب كفار يونا احتجاجات متكررة منذ يونيو. وحضر حاخام طائفة “غور” الاحتجاج أمام السجن بنفسه، وقد فتحت الشرطة البوابة بعد محاولة أولية لمنع المتظاهرين من الاقتراب. وفي أواخر سبتمبر ذكرت وسائل إعلام عبرية أن الجيش والشرطة أوقفا العمليات الاستباقية لاعتقال المتهربين الحريديم بعدما “ارتدعت” السلطات بسبب المظاهرات الواسعة، بينما أكد الجيش أنه يواصل جهود الاعتقال.

معركة القانون والسياسة وتصدع داخل المجتمع الحريدي

يتقاطع المشهد الميداني مع صراع تشريعي وقضائي حاد. فقد أقر الائتلاف الحاكم في يوليو قانونا كان سيوقف اعتقال المتهربين الحريديم سبعة أشهر، لكن المحكمة العليا جمدته سريعا ثم ألغته بالكامل في سبتمبر، معتبرة أنه ينتهك مبدأ المساواة في الخدمة. وعند تجميد القانون مؤقتا، دعا وزير الاتصالات شلومو كرعي أجهزة إنفاذ القانون إلى تجاهل القرار، معتبرا أن أمرا بتعليق قانون “لا معنى له”، وهو موقف يعكس عمق التوتر بين الحكومة والجهاز القضائي.

ومن جهتها، دعت النيابة العامة الدولة إلى تعزيز إنفاذ أوامر التجنيد بما يشمل اعتقال المتهربين. وفي المقابل، لا يقتصر الانتقاد على الأحزاب الحريدية. فقد انضم نواب من الائتلاف إلى نواب حريديم في الاحتجاج على توقيف طالبين، وقالت النائبة تالي غوتليف إن الاعتقالات تجري رغم أن الجهد نفسه لا يبذل ضد المتهربين من غير الحريديم. ويرد منتقدو الحريديم بأن المطلوب هو إطار تجنيد جدي يسد نقص الجنود، لا الدفاع عن المتهربين.

ولا يقف المجتمع الحريدي نفسه على موقف واحد. فقد هاجم رئيس حزب “الجمهور الحريدي” موتي ليتنر، بحسب موقع i24NEWS، “عصابة” الفصيل اليروشلمي ووصفها بأنها ترهب الدولة، وطالب قادة الأحزاب الحريدية بإدانة العنف ضد الجنود. ويكشف ذلك انقساما بين تيارات تتبنى المواجهة المباشرة وأخرى تفضل المسار السياسي والتفاوضي. وفي ظل غياب تسوية قانونية، تبدو المواجهة مرشحة للاستمرار، مع كل اعتقال جديد قد يتحول إلى احتجاج جديد.

الأسئلة الشائعة

تجمع مئات المتظاهرين الحريديم واشتبكوا مع الشرطة وأحبطوا اعتقال شاب مطلوب بتهمة التهرب من التجنيد أثناء عملية نفذتها الشرطة العسكرية

لأن قادة الحريديم يرون أن الخدمة العسكرية تهدد نمط حياتهم الديني، بينما تقول الدولة إن القانون يسري على الجميع

لا، فقد سبقتها احتجاجات مشابهة شملت إغلاق الطريق السريع رقم 4 والتظاهر قرب بني براك والقدس ومحيط السجون العسكرية منذ الصيف