تحولت مسيرات احتجاجية حاشدة ضد غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، السبت 17 أكتوبر، إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال حرق ونهب في عدة مدن فرنسية. وأضرمت النار في مبنى بلدية ليموج التاريخي وسط البلاد، بينما استهدفت مجموعات عنيفة مبان عامة ومتاجر في باريس ومرسيليا وليل وليون. وأعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو توقيف نحو 1200 شخص.

وجاءت المظاهرات في سياق ضغوط معيشية متراكمة وأسابيع من احتجاجات الطلاب، وبدعوة من حركة “السترات الصفراء” إلى تحرك سمته “الأصفر والشباب”، وقبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية في أبريل المقبل. وتباينت الأرقام الرسمية والنقابية للمشاركين، فيما شدد الرئيس إيمانويل ماكرون على أن الحق في التظاهر لا يشمل الاعتداء على الأشخاص والممتلكات.

ليلة من الحرائق والنهب

كانت الواقعة الأبرز في ليموج، حيث وصف تقرير لشبكة “فوكس نيوز” مبنى البلدية الذي شيد عام 1883 بأنه “ضاع إلى حد كبير” بعد أن انهار سقفه على الطوابق السفلى. وأعلن محافظ منطقة أوت فيين مساء السبت أن المبنى ضاع في معظمه. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، اقتحم محتجون مبنى البلدية في مرسيليا وشوهوا جدرانه برموز فوضوية قبل أن تتدخل الشرطة، وأحرق آخرون مكتب السياحة في ليون.

وفي باريس، استخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع بعد مواجهة مئات المحتجين الملثمين، بعضهم أطلق ألعابا نارية، في عدة مواقع. وحاول مشاغبون اقتحام متجر “غاليري لافاييت”، وحطموا واجهات مصارف، ونهبوا متجر “لاكوست” ومحلا لهواتف “إس إف آر”. واندلع حريق في حانة قرب ساحة الجمهورية، بينما غطت الكتابات الجدارية النصب الرئيسي في الساحة.

وامتدت أعمال النهب إلى مدن أخرى. فقد أفادت “فرانس برس” بأن لصوصا اقتحموا في عدة مدن متاجر تتراوح بين علامة فاخرة ومخبز، وأن المحتجين في مرسيليا خربوا عشرات المحال، ومنها متجر “هيرميس”. وقال رئيس بلدية ليل أرنو ديسلاند إن متجر “أبل” في وسط المدينة اقتحم. وتحدثت تقارير عن اقتحام نحو اثني عشر متجرا في نيس.

جذور الغضب: القدرة الشرائية والوقود والدين

تتصل الاحتجاجات بتراجع حاد في القدرة الشرائية. فبحسب “فرانس برس”، تآكلت القدرة الشرائية في فرنسا منذ عام 2024، بينما قفزت أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية مطلع هذا العام. وأظهر استطلاع شمل ألفي شخص نشر هذا الشهر أن نحو 45 في المئة من الفرنسيين قلقون من تكاليف المعيشة والتضخم. وقال موظف حكومي في الأربعينيات من عمره، شارك في مسيرة بمدينة غيريه، إنه لا يبقى معه شيء في نهاية الشهر لأن الأسعار ترتفع والأجور ثابتة.

ولم تقتصر المطالب على الأسعار. فقد جاءت التظاهرات بعد أسابيع من احتجاجات طلابية تحولت إلى عنف، وتتعلق بتمويل التعليم وتراجع الخدمات العامة. ودعت “السترات الصفراء”، التي نظمت قبل ثماني سنوات احتجاجات ضد زيادة ضرائب الوقود، إلى تحرك مشترك مع الشباب. وذكر موقع أنشأه المنظمون أن أكثر من 600 تظاهرة كانت مقررة في أنحاء البلاد، ويرى مراقبون أن اجتماع الطلاب والنقابات والسترات الصفراء يمنح الحراك قاعدة اجتماعية أوسع من احتجاجات سابقة.

ويضيق الوضع المالي للدولة هامش المناورة أمام الحكومة. فاقتصاد منطقة اليورو الثاني حجما يواجه صعوبة في كبح دينه العام، الذي يتوقع أن يتجاوز 120 في المئة من الناتج المحلي العام المقبل، أي ضعف سقف الاتحاد الأوروبي البالغ 60 في المئة. ويقول اقتصاديون إن خفضا ملموسا للدين يتطلب إصلاحات كبرى، منها تقليص نظام التقاعد السخي، وهو ملف يثير حساسية اجتماعية عالية.

ردود السلطة وحسابات السياسة قبل الانتخابات

شن المسؤولون هجوما حادا على أعمال العنف. فقد تعهد ماكرون بملاحقة المعتدين ومعاقبتهم، متهما من وصفهم ب”زارعي الفوضى” بمحاولة تقويض المؤسسات ومنع المحتجين السلميين من التعبير عن مطالبهم. وقال لوكورنو إن الحكومة لن تخضع للترهيب، محملا “اليسار المتطرف” ومجرمين المسؤولية. وأوضح أن أكثر من 150 شرطيا أصيبوا خلال احتجاجات السبت، دون أن يحدد ما إذا كان محتجون قد أصيبوا.

وفي المقابل، يتصاعد الجدل حول أداء الشرطة. فقد ذكرت “فرانس برس” أن هيئة الرقابة على الشرطة تحقق في ما لا يقل عن 24 ادعاء بعنف الشرطة. وقال نجار يبلغ 47 عاما وكان من محتجي السترات الصفراء إن القمع بات يطال أبناءهم، في إشارة إلى معاملة تلاميذ المدارس في الاحتجاجات الأخيرة. وكانت فرنسا قد علقت في السابع من أكتوبر، بحسب تغطية “إيه بي سي”، استخدام قنابل الصوت في احتجاجات الطلاب.

وتتداخل الأزمة مع السباق الرئاسي. فقد ساند زعيم حزب “فرنسا الأبية” اليساري جان لوك ميلانشون الحراك الطلابي وشارك في إحدى مسيراته، في حين وضعت مارين لوبان، زعيمة التجمع الوطني التي تتصدر استطلاعات الرأي، حزبها إلى جانب الشرطة. ويرى مراقبون أن استمرار المواجهات قد يصبح عاملا في حسم الانتخابات. وسجلت بلجيكا والبرتغال وإيطاليا احتجاجات أصغر حجما على غلاء المعيشة، ما يشير إلى أن الضغوط تتجاوز فرنسا.

الأسئلة الشائعة

الاحتجاجات جاءت ضد غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، وتتصل أيضا بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الوقود والقلق من التضخم

أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو توقيف نحو 1200 شخص خلال الاحتجاجات التي شهدتها عدة مدن فرنسية

أضرمت النار في مبنى بلدية ليموج التاريخي واستهدفت أعمال نهب وحرق متاجر ومبان عامة في باريس ومرسيليا وليل وليون ونيس