وعلى مر التاريخ قامت الزوايا والمدارس الصوفية بتخريج العلماء والقادة والمصلحين والمؤثرين حتى أضحوا يُشار إليهم بالبنان.

ففي الجانب الطبي نجد ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية في جسم الإنسان، والتي قام على أكتافها علم الطب في أوروبا قديمًا، وصُدِّر إلى العالم حديثًا!

وفي الجانب العلمي كان الإمام أبو حامد الغزالي بإنتاجه العلمي الكبير «إحياء علوم الدين» الذي أضاف إلى المكتبة الإسلامية ما أصبح زادًا لكل باحث عن الحق والحقيقة في دنيا الناس، حتى قيل في وصف هذا السفر الهائل: «كاد الإحياء أن يكون قرآنًا»، وقيل أيضًا: «لو نفدت كل كتب الأمة ولم يبق منها إلا الإحياء لكفاها»، «ولو بعث الله الأموات لأوصوا الأحياء بما في الإحياء»!

وفي الجانب القرآني نرى المفسر الكبير الإمام السيوطي متربعًا على عرش المفسرين الذين أضافوا إلى الدين كل إجلال وإكبار.

وكان شيخ الإسلام العز ابن عبد السلام الذي ضُرب به المثل في الحق، فكانت المقولة الشهيرة عبر العصور: «ما أنت بملام ولو كنت العز ابن عبد السلام»!

العز ابن عبد السلام، وما أدراك ما العز؟

إنه الفقيه الأصولي شيخ الإسلام ومصباح الأنام الذي تصوف على يد الصوفي الشهير أبي الحسن الشاذلي بعد أن جلس معه ساعات قليلة في خيمته مستمعًا إلى عذب حديثه وقوة حجته، ليخرج العز من الخيمة مصفقًا بكلتا يديه، مناديًا على جموع العلماء والعوام بخارج الخيمة: «هلموا اسمعوا هذا الكلام القريب عهد بالله»!

ثم يتحرك الإمام العز في صحبة الإمام الشاذلي في مقدمة جيش المسلمين لصد الحملة الصليبية السابعة في معركة المنصورة، وهي المعركة الفاصلة والمحورية والتي أُسر فيها لويس التاسع!

ألم يُضف ابن الفارض الشاعر الصوفي الشهير عشرات القصائد الشعرية بأجمل ألفاظ وكلمات البديع والبيان واللغة القوية، وبأفصح المعاني البلاغية، حتى دارت حولها مئات الرسائل العلمية تتزود من زادها العلمي واللغوي الرصين؟!

ألم يكن الصوفي الشهير السيد أحمد البدوي، والذي تربى وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، مقاتلًا ومتصديًا للحملات الصليبية على البلاد، فكان له الدور البارز في تعبئة الرأي العام والروح المعنوية للمجاهدين ضد الحملات الصليبية وضد خطر المغول في مصر؟

وكان يقتحم حصونهم فيأتي بالأسرى بفروسية كبيرة؟!

وكانت مدرسته السطوحية بطندتا «طنطا حاليًا» تقوم على الذكر والفكر، فتخرج من خلواتها العلماء والأولياء جيلًا بعد جيل!

وكان يتابع حلقات العلم والذكر، ويتابع الفقراء بالرعاية، وكان يقول: «أنا زيت من لا زيت له»، أي بابه مفتوح لطلاب العلم وللفقراء بالدعم والرعاية، فجاءت الأخبار أن مائدته لإطعام الجوعى كانت ممتدة على الدوام!

عشرات الآلاف من العلماء والأولياء تخرجوا من مدارس التصوف، والمقام هنا لا يتسع لذكرهم، وفي عصرنا الحديث نرى الشيخ محمد متولى الشعراوي بخواطره المتفردة، وهو البحر الخضم، صوفيًا شهيرًا، وإلى جانبه غزالي مصر في هذا العصر شيخ الإسلام الدكتور عبد الحليم محمود متخرجًا من الجامعة الصوفية الرصينة!

ألم يرَ الإمام عبد الحليم محمود سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رؤيا منامية يعبر قناة السويس مع الجنود وبشره بالنصر قبل حرب السادس من أكتوبر، وذهب إلى الرئيس السادات، وكان مكتومًا على موضوع الحرب، إلا أن الشيخ الجليل قص عليه رؤيته لينتفض الرئيس هاتفًا ومكبرًا، وأقدم على قراره مطمئنًا، وخاض الحرب، وكان النصر كما جاءت البشرى!

ثم الدكتور جودة محمد أبو اليزيد المهدي، العميد الأول لكلية علوم القرآن بجامعة الأزهر الشريف، هذا العالم الموسوعي الذي أضاف إلى المكتبة الإسلامية عشرات الكتب تأليفًا وتنقيحًا.

وفي العلم والإيمان لا ننسى المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود صوفيًا كبيرًا وعالمًا فريدًا أثر كل التأثير في الفكر المعاصر بالإيجاب تفردًا وريادة.

وبعد هذا كله، وما ذكرته ما هو إلا النزر اليسير، نرى من يلصق التهم الثقال بالتصوف ورجالاته دون تريث أو دليل!

فإن كان نقده من خلال بعض الدخلاء الأدعياء، فنقده غير موضوعي وغير بناء لكون ما أكثر الأدعياء في معين التصوف!

وإن كان النقد لمجرد النقد وحسب دون دراية، فهذه آفة العالم التي أربأ به من السقوط فيها!

وحقيقة لقد وقع التصوف في عصرنا الحديث ضحية بين صنفين من الناس لا ثالث لهما:

الأول: متربص به الدوائر دون حيادية أو موضوعية، فاكتفى بالقشور دون دراسة له عن جد وعن حقيقة، فتراه يكيل له التهم دون علم أو دليل!

والآخر: متمصوف اكتفى بالشعارات والشكليات، وأسـاء لهذا الطريق الكبير إساءة فادحة، وهذا وغيره كثيرون أدعياء ينتسبون إلى غير أبيهم!

فليس التصوف ثيابًا مهلهلة وحركات بهلوانية وترنحًا وتخبطًا وادعاء أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، بل التصوف انضباط فكر وذكر لله على الدوام، وتخلق بأحسن الأخلاق تطبيقًا لقولة شيخ الطائفة الإمام الجنيد: «التصوف خلق، وما زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف».

فليت قومي يعلمون!

الأسئلة الشائعة

يدافع النص عن التصوف باعتباره طريقًا يقوم على الانضباط الفكري وذكر الله والتخلق بالأخلاق الحسنة، ويرفض اختزاله في المظاهر أو الاتهامات غير المدعومة

ذكر النص ابن النفيس والإمام الغزالي والإمام السيوطي والعز ابن عبد السلام وابن الفارض والسيد أحمد البدوي والشيخ محمد متولي الشعراوي والدكتور عبد الحليم محمود والدكتور جودة محمد أبو اليزيد المهدي والدكتور مصطفى محمود

يرى النص أن بعض الانتقادات تأتي من متربصين يكتفون بالقشور أو من متمصوفة أساؤوا للطريق نفسه، ويؤكد أن النقد بلا دراية أو دليل غير موضوعي وغير بناء