في البدء كانت الأبجديات نقية كأول النور، وكانت الأشياء تُعرف بأسماء ذواتها دون زيفٍ أو تدليس.. غير أن زلزالًا خفيًا أصاب أركان المعنى، فوقع الاختلاط الأكبر وتداخلت الأنساب والطبائع. هكذا بدأ الانزلاق؛ يوم تسللت الخفة إلى أعماق الحقائق، وأصبح العبث يتكئ على أركان الوجود بثباتٍ مريب.

بعض من ذرات ثرى الهزار تطايرت على ثرى الجد فمسخت معالم هذا الزمان، نسمة ريح نثرت بعضا من ثرى الفرح على الحزن فباتت مباهجنا كجنائزنا، نفخة جن من ضجر منا خلطت الماء بالنار ففقدا تناحرهما وأصبحت الرؤى غير ذات جدوى فقد ضاع الحدث.

خلعت الحروف إزار الوقار وباتت كفتاة ليل تضاجع الألسنة الحمقاء الأطول مدى ومدا. صارت الأقلام كأمبولات الحقن على أرفف صيدلية عفا عليها الزمن وخلفتها أدوية الشرب الحديثة كطل خلفها.

لا يبدأ الانحطاط بانهيار العمارة، بل بانهيار المعجم. حين تفقد الكلمات طهرها ووظيفتها الروحية، تتشوه الرؤية؛ فيغدو الهراء حكمة، وتحتضر الرمزية على أرصفة الاستهلاك السريع. لقد صرنا نعيش في زمن التنميق الفارغ، حيث تُباع الصياغات الجوفاء وتُقبر الأفكار العميقة في مقابر الإهمال، ليتحول الفكر من مشعل هداية إلى سلعة تُعرض وتُطرح كبضاعة باخسة.

تاهت خطواتنا في الشوارع بين بعضنا البعض، فاستبدلنا المشاوير دون أن يوقظنا الوعي سوى لحظة الوصول، فأصابنا اليأس من مشقة العودة. تقاتلنا على صندوق القدر فاختلطت الأوراق ببعضها فاغتنى الفقير حظا وافتقر الغني خطأ.

تبادلنا النساء والأبناء على استمارات السجل المدني، كتابع لاختطاف أوراق القدر فامتلأت المحاكم بملفات قضايا الحجر والطلاق وإثبات النسب. لم ينتبه الآباء إلى خلط أوراق الأبناء فامتلأت دور المسنين وفرغت دور العبادة.

تلك ما يسمونها الفوضى الخلاق، التي زرعها الإنسان حين توهم أنه قادر على إعادة ترتيب العالم بمعزل عن الحقيقة الأولى. فحين تتداخل الأدوار والمسؤوليات، تصبح الغربة ليست نفيًا عن الجغرافيا، بل نفيًا عن الذات وعن الفطرة. تيبست المشاعر وصار التواصل آليًا، فاستبدلنا السكن بالعزلة، والحب بالعقود، والعقيدة بالشعارات التي لا تجاوز الحناجر.

هذا الخلط لم يكن الأول وربما ليس الأخير، كان قبل نوح عليه السلام، فحدث الطوفان، وعاد صندوق السماء كما خلق بنفس هندامه وترتيبه، وهلك كل خطاف آفاق، لكن كيف اختلط الثرى بعد؟ ذاك هو السؤال الذي يحتاج إلى تفسير!.

أخدع أحد ركاب السفينة نوح وضمر في قلبه بعضا من بقايا الشر وحينما زال الإعصار زرع ما في قلبه في الأرض.. فطرح!.. ءأثر ابن نوح الغرق بجسده ليظل صداه باقيا في الورى!.

لم تنمح جينات العصيان والاستعلاء بطوفان الماء؛ لأنها مستقرة في وساوس الأنا الإنسانية.. كان ابن نوح نموذجًا مبكرًا لمن يفضل وهم «الجبل» الفاني على «السفينة» المنجية، متوهمًا أن عقله الفردي أعتى من سنن الوجود. واليوم، يتناسل أبناء نوح الجدد في كل وادٍ، يحسبون أن ما شيدوه من شاشات وأبراج واصطناعات سيحفظهم من غضب الفطرة ومصير الانهيار.

أي شيطان يحكم مملكة الجن الآن ذلك الذي استطاع أن يجند كل هؤلاء البشر فكف عن أتباعه شقاء الغواية؟ واكتسب تعاطف القلوب بعد كل ما قدمه من بشر كوقود للحميم.

لقد نجح الشيطان في أعظم خديعة تاريخية: تجريد اللغة من أضدادها الحقيقية، وإحلال التباس المفاهيم محل جلاء الحقائق. جعل من العذاب ألفة، ومن الاحتراق دفئًا، حتى غدت البشرية تلتقم الجمر وتحسبه شعلة هداية وتودد.

وأخيرا ليس أمامنا للنجاة سوى أن نبحث عن عودة.. لنقاتل من أجل هداية “الكلمة” وإعادة ترتيب الجملة وصندوق الأقدار.

الأسئلة الشائعة

الفكرة الأساسية هي أن الانحطاط يبدأ من انهيار المعجم واختلاط المعاني، لا من انهيار العمارة أو الشكل الخارجي فقط

يربط بينهما عبر صور مثل اختلاط الأوراق والأنساب وتبدل الأدوار والمسؤوليات، وما نتج عنه من قضايا الحجر والطلاق وإثبات النسب وغربة الإنسان عن ذاته

ينتهي إلى أن النجاة تكون بالعودة إلى هداية الكلمة وإعادة ترتيب الجملة وصندوق الأقدار بعد تشويه اللغة والمفاهيم