علمتني دراستي العلمية أن الفرضية قوام البحث وأن نتائج كل دراسة رهن الفرضية الصفرية بين الاتباع أو الرفض فإما ألا نجد فرقاً ولا يثبت تباين وتتسيد الفرضية الصفرية عرش المسألة وتوصد أبوابها في المهد ، أو نقبل الفرضية البديلة فتطلق الأرقام حديثها وتغدو لها دلالة ومغزى وأثر؛ إذ لا إحصاء دون تباين..هكذا تعلمنا في معمل العلوم أن الفرضية ومن خلفها العالم – إن جاز التعبير – جلية لا مواربة فيها بين لونين إما أبيض أو أسود.

لكن حينما تطأ أقدامنا الحقل التاريخي تختلف المسألة وتتغير معها قواعد اللعبة برمتها؛ إذ أن وجود الفرضية (المنحازة) في حد ذاته قد يكون مًكبلاً لنتائج البحث التي لزامًا وأن تدور في فلك ترسيخ المستقر واثبات المثبت قربًا و قلمًا بعدًا خاصة تجاه المرويات التي شكلت الوجدان الشعبي ومجرد الاقتراب منها بالتدقيق والفحص يفتح أبواق الرفض والاستنكار.

لذلك لم أكن في أعمالي وأنا أشرع في الكتابة التاريخية أضع فرضيات حول الروايات خاصة المستقرة نوعًا ما إيثارًا للسلامة وبُعدًا عن الصدمات.. لكن كثيرًا ما كان عقلي يلح علي بالثورة والغضب وإعلان الرفض للكثير من المسلمات التي ندور في فلكها دون أن ندري وهنها وهشاشة بنيتها وضعف منطقها.

حينما كتبت كتابي “صفحات من التاريخ الأخلاقي بمصر” وضعت مبحثًا بعنوان “أدب الرحلة ” وأدرجت به رحلة الشيخ علي أحمد الجرجاوي إلى اليابان وما عرف بالرحلة اليابانية نسبة لكتابه الصادر عام 1907م وثمنت جهود صاحبها غير المسبوقة ورفعته مدارج النجم الساطع في عالم الرحلة.

في هذا الوقت مر بي طائف من شك (مشروع) كيف لشيخ لا يجيد اليابانية ويستطيع أن يقنع اثني عشر ألف ياباني ليعتنقوا الإسلام في خلال مدة قصيرة (شهر ويومين تقريبا) قضاها باليابان بصحبة ثلاثة من الدعاة وهم: سليمان الصيني من الصين ومخلص محمود من روسيا، وحسين عبد المنعم من الهند كونوا معا جمعية في طوكيو للدَّعوة الإسلاميَّة، ومن المعروف عن اليابانيين اعتزازهم بلغتهم فهل نجح الشيخ وهو لا ينطق بلسانهم في تغيير قناعاتهم التاريخية في أيام معدودات ؟!! ..غير أني سرعان ما أخرجت سهام الهواجس من صدري وشغلتني أمور جسام أخرى في سبيل اتمام الكتاب ..

الرحلة اليابانية للشيخ أحمد الجرجاوي

لكن ومع الاقتراب من تاريخ اليابان مؤخرًا وجدت نفسي حائرًا أمام فترة حكم الإمبراطور موتسوهيتو أو ميجي (تعني الحكومة المستنيرة) والممتدة من 3 فبراير 1867م وحتى وفاته في 29 يوليو 1912م، والتي لم تتضمن أي إصلاح ديني قط وبالتالي ففكرة مؤتمر الأديان التي تحدث عنها الشيخ الجرجاوي وخرج في أثرها لم تكن واردة منطقيًا.. صحيح أن الإمبراطور ميجي قد قاد بلاده للعبور من عتبات دولة عمادها بيئة زراعية هادئة يعتصرها الإقطاع (امتيازات طبقة الساموراي) ويفرض عليها سياج من العزلة إلى قوة صناعية وعسكرية ضاربة، لكن يبقى الدين أمر مختلف فالممالك تقوم على أكتاف البسطاء ولا سبيل لحشدهم إلا إذا خلقت لهم وازع ديني يسيرون خلفه مسلمين أنها إرادة الإله وقد تجسدت في شخص الحاكم لذلك لا غرو أن يبحث ميجى عن توطيد لديانة الشنتو الحديثة بكل السبل والوسائل لا العكس، وهي ديانة لقيطة بلا مؤسس ولا معتقدات محددة أو كتاب مهيمن بل تقدس قوى الطبيعة وأن الإنسان بطبعه كائن طيب والشر يحدث نتيجة تدخل الأرواح الشريرة، وفي سبيل التخلص من هذه الأرواح الشريرة تنقى النفس وتجرى الصلوات في الأضرحة وتقدم القرابين للـ«كامي» (كل ظواهر الطبيعة غريبها وعجيبها وغامضها وكل طائفة لها الحرية في اختيار الكامي الذي تهابه من بين هذه الظواهر)”.

ولا غرو أن يكون من بين “الكامي” الأباطرة ومنهم “ميجي” والذي أقيم إليه ضريحًا لاعتبارات دينية وشعبية فهل يتخلى الإمبراطور عن دين يضعه في مرتبة القداسة ويقيم مؤتمرًا للأديان سيكون للأديان الرئيسية فيها (الإسلام واليهودية والمسيحية) النصيب الأكبر والقسط الأوفر واختيار أيا منها سيحد من صلاحيته ويزيل عن عرشه هالة القداسة ..بالطبع لا ..

الشيخ أحمد الجرجاوي

هذا من دائرة المنطق فماذا عن نبرة الدليل وقطعيته ؟! هنا كانت رحلة البحث بين أرشيف الصحافة المصرية لأجد ضالتي أخيرا بين رحاب أرشيف مجلة ” كل شيء والدنيا ” عام 1938م تحت عنوان “ذكريات طريفة عن المرحوم مصطفى كامل باشا ” وما وصفته المجلة بأكذوبة “مؤتمر الأديان” والتي خدع بها “مصطفى كامل” ووقع في شراكها الأستاذ “محمد فريد وجدي” والشيخ “طنطاوي جوهري”، والسبب خلف ذلك يكمن في خبر نشرته جريدة “الوقت” الباكستانية من اعتزام الحكومة اليابانية إقامة مؤتمر للأديان يشترك فيه “مندوبي الأمم” فسارع مصطفى كامل لتأييد الفكرة ودعا المصريين للمشاركة واقترح انتخاب وجدي والشيخ جوهري على النحو المشار له آنفا.

ووضع الأستاذ “فريد وجدي” رسالة باللغة الفرنسية عنوانها “سفير الإسلام” ليلقيها في المؤتمر، وكذلك فعل الشيخ “طنطاوي جوهري” واستعدا للسفر لليابان ولكن لم تصل الدعوة فأرسلا بالبريد إلى “طوكيو” بعنوان “حضرة رئيس مؤتمر الأديان” فذهبت الرسالتان بلا عودة وظهر أنه ليس هناك شىء يدعى “مؤتمر الأديان” وأنها “أكذوبة “أو لنكن أكثر رقة من المجلة في توصيفها بسوء فهم وقع فيه الجميع ومنهم صاحبنا الشيخ الجرجاوي .

الشيخ أحمد الجرجاوي وميجي إمبراطور اليابان

السؤال هل التاريخ هنا محكوما باللونين الأبيض والأسود؟!! اعتقد أن للتاريخ ألوانا عديدة فالبعد الإنساني فيه يرغم كاتب التاريخ المعاصر على قبول هذه المساحات اللونية المختلطة، ومن هذا المنطلق لن نقسو على الشيخ الذي ربما سافر بالفعل مدفوعًا بالحماس وحينما وجد ما ذهب إليه وهما ومال آل إليه سرابًا خشى أن يعود لقومه وعشيرته خالي الوفاض خاصة أنه باع بالفعل خمسة أفدنة من أرضه ببلدته القرعان في مركز جرجا فاختلق تفاصيل المؤتمر وجلساته من العدم “كذبة بيضاء” لاشية فيها أو ربما لم يسافر من الأساس لكن تورط في الدعوة للمؤتمر الوهمي والتراجع في البيئات الشرقية يخلق تساؤلات محرجة ولربما آثر المضي قدماً عبر بناء حبكة تخيلية تخدم الدعوة في قناعته….

وعلى كل حال وأيا كان الصواب في القضية فلقد امتعنا الشيخ برحلة طريفة محكمة وملهمة حتى ولو كانت من بنات أفكاره.

د.محمد فتحي عبد العال
كاتب وباحث وقصصي
من كتاب خريدة محمد أفندي وحفيده العصري (تحت الطبع)
.

الدكتور محمد فتحي عبد العال
كتاب صفحات من التاريخ الأخلاقي بمصر للدكتور محمد فتحي عبد العال

الأسئلة الشائعة

الشك جاء من صعوبة تصور أن شيخًا لا يجيد اليابانية أقنع اثني عشر ألف ياباني باعتناق الإسلام خلال مدة قصيرة، ثم من عدم وجود ما يؤكد أصل فكرة مؤتمر الأديان نفسها

بحسب ما ورد في المقال، بحث الكاتب في أرشيف الصحافة المصرية وخلص إلى أن ما سمي بمؤتمر الأديان كان سوء فهم أو أكذوبة ولم يكن هناك مؤتمر حقيقي

ذكر المقال احتمالين، إما أنه سافر بالفعل ثم اختلق تفاصيل المؤتمر بعدما وجد الأمر وهمًا، أو أنه لم يسافر أصلًا لكنه تورط في الدعوة للمؤتمر الوهمي ثم مضى في سرد الحكاية