أكدت الدكتورة نهلة إمام خبيرة التراث الثقافي غير المادي والمنسق العام لمؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام: الفرص والتحديات» أن التراث الثقافي غير المادي يمثل ثروة حية تعكس هوية المجتمع المصري وتاريخه وخصوصيته الثقافية، مشددة على أهمية توثيقه والحفاظ عليه وإتاحته للأجيال الجديدة لضمان استمراره وتطوره.

وأوضحت نهلة إمام خلال لقائها ببرنامج «كلام في الكتب» على قناة النيل الثقافية أن التراث غير المادي يشمل الممارسات والعادات والفنون والحرف والمعارف الشعبية، إلى جانب ما يرتبط بها من أدوات وآلات، مشيرة إلى أن هذا التراث يستمد قيمته من ارتباطه بحياة الناس واعتراف المجتمع بأنه جزء من هويته.

وأضافت، أن التراث الحي لا يقتصر على الموروثات القديمة، بل يشمل الممارسات التي يتوارثها المجتمع ويواصل استخدامها وتطويرها، مؤكدة أن الحفاظ عليه لا يعني تجميده في صورته التاريخية، وإنما إتاحة الفرصة أمامه للتطور بما يتناسب مع متغيرات الحياة المعاصرة.

وأشارت إلى أن التوارث عبر الأجيال والانتشار داخل المجتمع والانتقال الشفاهي تعد من المعايير الأساسية للتعرف على عناصر التراث الثقافي غير المادي، لافتة إلى أن تداول الحكايات والأغاني والأكلات الشعبية من جيل إلى آخر يمنحها فرصة للاستمرار، ويحول دون اندثارها بمرور الوقت.

وأكدت نهلة إمام أن مصر تمتلك تنوعا تراثيا كبيرا يمتد من مدن القناة إلى الدلتا والصعيد وسيناء ومطروح وسيوة، موضحة أن لكل منطقة موروثها الخاص من الفنون والعادات والحرف والممارسات التي تعكس طبيعة بيئتها وتاريخها.

ولفتت إلى أن توثيق هذا التنوع يتطلب تعزيز التعاون بين المؤسسات الثقافية والباحثين والمجتمعات المحلية، مؤكدة أن حاملي التراث يمثلون عنصرا أساسيا في عملية التوثيق، لأنهم أصحاب المعرفة والخبرة المرتبطة بالممارسات التراثية، وهم القادرون على نقلها إلى الأجيال الجديدة.

وشددت على ضرورة توسيع نطاق الدراسات التراثية في المحافظات المختلفة، مشيرة إلى أن بعض المناطق لم تحظ بالقدر الكافي من البحث والتوثيق، رغم ما تمتلكه من ثراء ثقافي وفني، وأن الاهتمام المتزايد من المحافظين والمجتمعات المحلية بتوثيق تراث مناطقهم يمثل خطوة إيجابية نحو إعداد خريطة أكثر شمولا لتوزيع العناصر التراثية في مصر.

وأكدت نهلة إمام أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يتيحان فرصا مهمة لتوثيق التراث وحمايته، من خلال تسجيل تفاصيل الحرف التقليدية وحركات الحرفيين وأساليب تنفيذ المنتجات، بما يسمح للأجيال المقبلة بالاستفادة من هذه المعارف حتى في حال توقف ممارستها.

وأضافت، أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة للتوثيق والتسويق، لكنه يتطلب التعامل معه بوعي لمواجهة مخاطر التزييف، موضحة أن توظيف التكنولوجيا بصورة صحيحة يمكن أن يسهم في نشر التراث المصري عالميا وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات التقليدية.

وتطرقت إلى أهمية دعم الحرفيين وتوفير الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي لهم، مؤكدة أن الحفاظ على الحرف لا يتحقق بمجرد توثيق منتجاتها، بل يتطلب الاهتمام بأصحابها وضمان قدرتهم على الاستمرار في ممارستها ونقل مهاراتهم إلى الأجيال الجديدة.

وأشارت إلى أن الحرف التقليدية تمتلك فرصا اقتصادية واعدة، ويمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد القومي والاستدامة البيئية، خاصة أن كثيرا منها يعتمد على مواد طبيعية وأساليب إنتاج يمكن أن تكون صديقة للبيئة، لكنها تحتاج إلى تطوير آليات التسويق وتحسين المكانة الاجتماعية للحرفيين.

واستشهدت بفن الأراجوز والسمسمية باعتبارهما نموذجين لقدرة التراث المصري على الاستمرار والتجدد، موضحة أن تسجيل الأراجوز لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عام 2018 أسهم في زيادة الاهتمام به، إلى جانب جهود تدريب لاعبين جدد لضمان انتقال هذا الفن إلى الأجيال المقبلة.

وأشارت إلى تسجيل السمسمية لدى اليونسكو عام 2024، مؤكدة أن هذا الفن يعكس هوية مدن القناة ويحمل جوانب من ذاكرتها الشعبية وتاريخها، وأن إعادة تقديم الفنون التراثية بأساليب معاصرة يمكن أن تجذب الشباب وتزيد تفاعلهم معها.

وأكدت نهلة إمام أن مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام: الفرص والتحديات» ناقش سبل الحفاظ على التراث من خلال محاور شملت فنون الأداء والحرف التقليدية والمعارف الطبية العلاجية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وشهد مشاركة باحثين من تخصصات متنوعة، إلى جانب حضور لافت للشباب.

واختتمت بالتأكيد على أن التراث الثقافي غير المادي ليس مجرد سجل للماضي، بل ثروة حية قادرة على الإسهام في الإبداع والتنمية وتعزيز الهوية الوطنية، مشددة على أن استمراره يتطلب التوثيق الرقمي وإتاحة المعرفة التراثية ودعم حامليها وربطها بالتخصصات العلمية وريادة الأعمال، بما يضمن انتقالها إلى المستقبل دون فقدان خصوصيتها الثقافية.

الأسئلة الشائعة

أكدت أنه ثروة حية تعكس هوية المجتمع المصري وتاريخه وخصوصيته الثقافية، وأنه يحتاج إلى التوثيق والحفاظ والإتاحة للأجيال الجديدة لضمان استمراره وتطوره

ذكرت أنه يشمل الممارسات والعادات والفنون والحرف والمعارف الشعبية، إضافة إلى الأدوات والآلات المرتبطة بها

قالت إن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يتيحان تسجيل تفاصيل الحرف التقليدية وحركات الحرفيين وأساليب التنفيذ، مع ضرورة التعامل بوعي لمواجهة مخاطر التزييف