يشهد الشرق الأوسط مرحلة دقيقة تتسارع فيها التحولات الأمنية والعسكرية، وتتداخل خلالها حسابات الردع مع صراعات النفوذ، في ظل تصاعد التهديدات الممتدة من الخليج والبحر الأحمر إلى المشرق العربي. وفي قلب هذا المشهد، يبرز الحديث عن «حلف مكة» بوصفه محاولة لبناء إطار دفاعي عربي وإسلامي أكثر تنسيقًا، بالتزامن مع ما يُتداول بشأن عرض إسرائيلي للتعاون الأمني مع المملكة العربية السعودية.
ولا تنفصل هذه التطورات عن إعادة ترتيب الأدوار والتحالفات في المنطقة، أو عن مساعي القوى الإقليمية والدولية لتثبيت مواقعها داخل معادلات الأمن الجديدة. وبينما قد تتيح الشراكات الدفاعية فرصًا لتعزيز حماية الدول ومواجهة التهديدات المشتركة، فإنها قد تحمل أيضًا مخاطر التورط في صراعات ممتدة، أو تحويل الأمن العربي إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
ومن هنا، تطرح هذه التحولات أسئلة جوهرية حول طبيعة التحالفات المقبلة، وحدود استقلال القرار الوطني، وقدرة الدول العربية على بناء منظومة أمن جماعي تحمي مصالحها، دون أن تتحول إلى أدوات للاستنزاف أو إعادة توزيع النفوذ على حساب استقرارها وتنميتها.
قراءة التحولات الاستراتيجية المتسارعة

من جانبه قال خبير الشئون الاستراتيجية والعلوم السياسية اللواء دكتور محمد الدسوقي لـ”البوابة نيوز”:
يشهد الشرق الأوسط تحولات استراتيجية متسارعة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والدفاع مع حسابات النفوذ الإقليمي والدولي، في ظل تصاعد التوترات وتزايد التحديات المرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوى.
وتابع: وفي هذا السياق، يبرز تطوران يثيران تساؤلات مهمة بشأن مستقبل الأمن الإقليمي: أولهما “حلف مكة” الذي تقوده المملكة العربية السعودية باعتباره إطارًا للتعاون الدفاعي بين الدول العربية والإسلامية، وثانيهما ما يشير إليه من عرض إسرائيلي للتعاون الأمني مع السعودية، في إطار التحولات الإقليمية المتسارعة.
وأوضح : ورغم ما قد تحمله هذه التطورات من فرص لتعزيز الردع وحماية المصالح، فإنها تثير تساؤلات استراتيجية حول طبيعة التحالفات الجديدة، ومدى قدرتها على تحقيق الأمن والاستقرار، أم أنها قد تقود إلى مرحلة جديدة من تنافس التحالفات، قد تفضي إلى استنزاف القدرات العربية وإعادة توزيع النفوذ لصالح أطراف إقليمية ودولية؟
وتساءل: وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل تنجح الدول العربية في تحويل التحديات الراهنة إلى فرصة لبناء منظومة أمن جماعي تحمي مصالحها، أم تجد نفسها مجددًا منخرطة في صراعات تتجاوز أهدافها الوطنية وتخدم حسابات قوى أخرى؟
أولا: حلف مكة.. من التعاون الدفاعي إلى بناء منظومة ردع جديدة
وأردف: يمثل الحديث عن حلف مكة تطورًا مهمًا في مسار التعاون الدفاعي بين الدول العربية والإسلامية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتزايد الحاجة إلى بناء منظومة أمنية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة.
واضاف: ويأتي هذا التطور في سياق اجتماعات ومشاورات إقليمية تستهدف تعزيز التعاون العسكري والأمني، وتطوير آليات التنسيق بين الدول المشاركة، بما يسهم في تعزيز القدرة على مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة.
وأكد: ولا يقتصر مفهوم التحالفات الدفاعية الحديثة على الجوانب العسكرية التقليدية، وإنما يمتد ليشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، ومواجهة التهديدات السيبرانية، وتطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية، فضلًا عن تعزيز التعاون في حماية الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.
وشرح: غير أن نجاح أي منظومة دفاعية مشتركة يرتبط بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن الجماعي واحترام سيادة الدول المشاركة، مع مراعاة اختلاف أولوياتها ومصالحها الاستراتيجية.
وأكد: كما أن بناء منظومة ردع فعالة يتطلب تحديدا واضحا لطبيعة التهديدات التي تستهدفها، وآليات اتخاذ القرار داخلها، وحدود الالتزامات الدفاعية بين أطرافها.
وعاد يوضح: ومن هنا، فإن حلف مكة، إذا ما تطور إلى إطار مؤسسي واضح، يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الأمن الإقليمي، شريطة ألا يتحول إلى أداة لتوسيع الصراعات أو فرض حسابات استراتيجية لا تتوافق مع المصالح العربية المشتركة.
وقال: لكن الإشكالية الأساسية تظل مرتبطة بمدى قدرة الدول المشاركة على تحقيق التوافق بين مصالحها الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي، خاصة في ظل التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في الشرق الأوسط.
ثانيًا: عرض نتنياهو للسعودية.. التعاون الأمني أم إعادة التموضع الإسرائيلي؟
يفند دكتور “الدسوقى” عرض نتنياهو للسعودية قائلا: في ظل هذه التحولات، يثير الحديث عن عرض إسرائيلي للتعاون الأمني مع السعودية تساؤلات بشأن أهدافه الحقيقية، وما إذا كان يعكس توجهًا نحو بناء ترتيبات أمنية جديدة، أم يمثل محاولة لإعادة التموضع الإسرائيلي داخل معادلات الأمن الإقليمي.
واستطرد: وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تغيرات متسارعة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية، مع استمرار الصراعات الإقليمية وتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهات.
وتابع: ومن منظور استراتيجي، فإن أي عرض للتعاون الأمني لا يمكن تقييمه بمعزل عن السياق السياسي الذي يحيط به، ولا عن طبيعة المصالح التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها.
وكشف مؤكدًا: فالتعاون الأمني قد يتخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من تبادل المعلومات والخبرات، وتمتد إلى التنسيق في مواجهة التهديدات المشتركة، لكنها تظل مرتبطة بمدى التوافق بين الأطراف بشأن طبيعة المخاطر والأهداف النهائية.
وأوضح: وفي الحالة السعودية، فإن أي ترتيبات أمنية جديدة ينبغي أن تُدرس في ضوء المصالح الوطنية السعودية، ومتطلبات أمن الخليج، والعلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، فضلًا عن تأثيرها على القضية الفلسطينية.
و زاد موضحًا: كما أن التعاون مع إسرائيل، إن طُرح في إطار ترتيبات إقليمية أوسع، يثير تساؤلات حول انعكاساته على التوازنات السياسية والاستراتيجية، ومدى قدرته على تحقيق الاستقرار دون الإضرار بالمصالح العربية.
وقال: ومن هنا، فإن تقييم أي مبادرة للتعاون الأمني يتطلب النظر إلى مضمونها العملي، والضمانات التي توفرها، ومدى ارتباطها بتسوية الصراعات القائمة، وليس الاكتفاء بالعناوين السياسية أو التصريحات الإعلامية.
واكد قائلا: لذلك أكد أن التعاون الأمني يؤدي إلى تعزيز الاستقرار إذا استند إلى مصالح متبادلة واضحة، لكنه قد يتحول إلى أداة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي إذا ارتبط بحسابات استراتيجية تتجاوز متطلبات الأمن المشترك.
ثالثًا: السعودية بين متطلبات الردع ومخاطر الاستنزاف الاستراتيجي
قال دكتور ” الدسوقى ” تواجه المملكة العربية السعودية مجموعة من التحديات الأمنية التي تفرض عليها تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز استعدادها لمواجهة المخاطر الإقليمية، خاصة في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، وتشمل هذه التحديات حماية المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات البحرية، والتعامل مع التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، إلى جانب مواجهة المخاطر المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية المحيطة بالخليج والبحر الأحمر.
وأشار: وفي هذا السياق، يصبح تعزيز القدرات الدفاعية ضرورة استراتيجية، لكنه لا ينبغي أن ينفصل عن حسابات التكلفة والعائد، أو عن الآثار المحتملة لأي انخراط طويل الأمد في صراعات إقليمية ممتدة.
وتابع: فبناء القدرات العسكرية وتطوير منظومات الدفاع يتطلبان استثمارات كبيرة، كما أن استمرار التوترات قد يفرض أعباء إضافية على الموارد الاقتصادية، ويؤثر في أولويات التنمية والمشروعات الوطنية.
وأوضح: وتكمن الإشكالية في أن التوسع في التحالفات العسكرية لا يضمن بالضرورة تحقيق الأمن، إذا لم يكن مصحوبًا بتوافق واضح بشأن الأهداف وحدود الالتزامات وآليات إدارة الأزمات، وقد تتحول التحالفات، في بعض الحالات، من وسيلة لتعزيز الردع إلى عامل يوسع نطاق المواجهة، خاصة إذا ارتبطت بتنافس إقليمي أو دولي على النفوذ، ومن ثم، فإن التحدي أمام السعودية لا يتمثل فقط في امتلاك القدرات الدفاعية، وإنما في توظيفها ضمن استراتيجية متكاملة تجمع بين الردع والحوار والدبلوماسية، وتحافظ على المصالح الوطنية وتمنع الانزلاق إلى صراعات طويلة الأمد.
ويكمل: كما أن تعزيز الأمن يتطلب تنسيقًا إقليميًا فعالًا، وتطوير آليات للإنذار المبكر وإدارة الأزمات، والعمل على معالجة جذور التوترات التي تهدد الاستقرار،إن بناء منظومة أمنية مستدامة يستلزم تحقيق التوازن بين القوة العسكرية والتنمية الاقتصادية، بما يضمن عدم تحول المتطلبات الدفاعية إلى مصدر لاستنزاف الموارد أو تعطيل المشروعات التنموية.
رابعًا: إسرائيل وإيران والحوثيون.. تشابك الصراعات وإعادة توزيع الأدوار
ويشرح المحلل الاستراتيجى الوضع قائلا: يمثل تشابك الصراعات بين إسرائيل وإيران والحوثيين أحد أبرز ملامح المشهد الأمني في الشرق الأوسط، حيث تتداخل المواجهات المباشرة وغير المباشرة مع حسابات النفوذ الإقليمي، وتنعكس آثارها على أمن الخليج والبحر الأحمر والمشرق العربي، وقد أظهرت التطورات الإقليمية أن الصراعات لم تعد محصورة في ساحات جغرافية محددة، بل أصبحت مترابطة بفعل العلاقات السياسية والعسكرية بين الأطراف المختلفة، وبفعل تأثير القوى الدولية في مساراتها، ويؤدي هذا التشابك إلى زيادة صعوبة احتواء الأزمات، إذ قد تنتقل تداعيات المواجهة من ساحة إلى أخرى، بما يرفع احتمالات التصعيد ويوسع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية.
واوضح: في هذا السياق، يمثل أمن البحر الأحمر أحد الملفات المهمة، نظرًا إلى دوره الحيوي في حركة التجارة العالمية، وارتباطه بالمصالح الاقتصادية والأمنية للدول العربية، كما أن التوترات في المنطقة قد تؤثر على الملاحة البحرية، وتزيد تكاليف النقل والتأمين، وتفرض تحديات إضافية على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وتتطلب مواجهة هذه المخاطر فهمًا متكاملًا لطبيعة الصراعات، وعدم التعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن بقية الملفات الإقليمية.
واضاف: التطورات في غزة، والتوترات المرتبطة بإيران، والتحركات الحوثية في البحر الأحمر، جميعها عناصر تؤثر في حسابات الأمن الإقليمي، وتتطلب تنسيقا سياسيًا وأمنيا لتقليل احتمالات التصعيد.
وشرح قائلا: ومن هنا، فإن بناء ترتيبات أمنية مستقرة يستلزم معالجة الأسباب السياسية للصراعات، إلى جانب تطوير القدرات الدفاعية وآليات التنسيق الإقليمي، كما يتطلب منع استغلال الأزمات في توسيع النفوذ أو فرض ترتيبات جديدة على حساب مصالح الدول العربية.
خامسا: الولايات المتحدة وإعادة هندسة الأمن الإقليمي
ويحلل دكتور “الدسوقى ” قائلا تظل الولايات المتحدة أحد الأطراف الدولية الأكثر تأثيرًا في معادلات الأمن بالشرق الأوسط، سواء من خلال حضورها العسكري، أو علاقاتها الاستراتيجية مع دول المنطقة، أو دورها في تشكيل ترتيبات التعاون الدفاعي، وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، تبرز تساؤلات بشأن طبيعة الدور الأمريكي في إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، ومدى توجه واشنطن نحو تعزيز الشراكات مع حلفائها، أو إعادة توزيع مسؤوليات الدفاع والأمن على القوى الإقليمية.
وقال: تشير التحولات في البيئة الاستراتيجية الدولية إلى أهمية بناء ترتيبات أمنية أكثر قدرة على التعامل مع التهديدات المتعددة، بما في ذلك المخاطر العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، وقد تدفع هذه التحولات بعض الدول إلى تعزيز التعاون الدفاعي فيما بينها، وتطوير قدراتها الذاتية، مع استمرار الاعتماد على الشراكات الدولية في مجالات التسليح والتكنولوجيا وتبادل المعلومات.
وتساءل: لكن هذه الترتيبات تثير سؤالًا مهمًا بشأن مدى استقلال القرار الأمني للدول المشاركة، وحدود تأثير القوى الكبرى في تحديد أولويات المنطقة، فإذا ارتبطت منظومات الأمن الإقليمي بحسابات دولية تتجاوز مصالح الدول العربية، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب النفوذ بصورة لا تتوافق بالضرورة مع أولويات الاستقرار والتنمية، كما أن الاعتماد المفرط على الضمانات الخارجية قد يحد من قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقلة في أوقات الأزمات.
وعلل: ومن هنا، فإن التحدي الأساسي يتمثل في بناء شراكات دولية متوازنة، تستفيد من القدرات والخبرات المتاحة، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني، وتعزيز قدرة الدول العربية على تحديد أولويات أمنها وفقًا لمصالحها الاستراتيجية، ويظل السؤال المطروح: هل ستتجه المنطقة إلى دعم منظومات أمن إقليمية تقوم على التعاون بين الدول العربية والقوى الإسلامية الرئيسية، أم ستفرض ترتيبات تضمن لإسرائيل موقعًا مركزيًا في معادلات الأمن الإقليمي؟
وأردف: إن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بطبيعة التحالفات التي ستتشكل، ومدى قدرة الدول العربية على صياغة رؤية مشتركة للأمن والاستقرار.
سادسا: مصر ومعادلة الأمن الإقليمي.. بين دعم الاستقرار والحفاظ على التوازن الاستراتيجي
قال دكتور ” الدسوقى “: تحتل مصر موقعا مهما في معادلة الأمن الإقليمي، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها العربية والإفريقية والدولية، فضلا عن ارتباط أمنها القومي بالتطورات التي تشهدها المنطقة، تتأثر المصالح المصرية بالتطورات في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، إلى جانب الأوضاع في قطاع غزة والسودان وليبيا، بما يجعل الاستقرار الإقليمي عنصرا أساسيا في حماية الأمن القومي المصري.
وفي هذا السياق،قال: قال تبرز أهمية الدور المصري في دعم الحلول السياسية، وتعزيز التنسيق العربي، والعمل على احتواء الأزمات ومنع اتساع نطاق الصراعات، كما يمثل الحفاظ على أمن البحر الأحمر وقناة السويس أولوية استراتيجية، بالنظر إلى أهميتهما في حركة التجارة الدولية وتأثيرهما المباشر على الاقتصاد المصري، ويقتضي هذا الدور تحقيق التوازن بين دعم التعاون الدفاعي العربي، والحفاظ على استقلال القرار الوطني، وتجنب الانخراط في صراعات قد تستنزف الموارد أو تؤثر في الأولويات التنموية، ومن هنا، تبرز أهمية الدور المصري في ثلاثة اتجاهات متكاملة: دعم الأمن العربي المشترك، وتعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي، والمساهمة في صياغة ترتيبات أمنية إقليمية تحقق الاستقرار وتحمي المصالح الوطنية، كما أن الموقع المصري يمنح القاهرة فرصة للمساهمة في بناء تفاهمات إقليمية تساعد على احتواء الأزمات، وتحد من احتمالات التصعيد، وتدعم الحلول السياسية للصراعات القائمة.
وتابع: ولا يقتصر الدور المصري على التحركات الدبلوماسية، بل يمتد إلى دعم التعاون الاقتصادي والتنموي، باعتباره أحد العوامل الأساسية لتعزيز الاستقرار الإقليمي، فكلما تراجعت دوافع الصراع وتحسنت فرص التنمية، زادت إمكانية بناء منظومة أمنية أكثر استدامة، تقوم على التعاون واحترام السيادة الوطنية، وفي هذا الإطار، فإن الحفاظ على التوازن الاستراتيجي يتطلب رؤية شاملة تربط بين الأمن والسياسة والاقتصاد، وتضع المصالح الوطنية في مقدمة الاعتبارات.
سابعا: مستقبل الأمن الإقليمي
ويكمل دكتور ” الدسوقى “:
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لتطور منظومة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة في مسارات:
المسار الأول: بناء منظومة ردع إقليمية متوازنة
أوضح دكتور الدسوقى: قائلا يقوم هذا المسار على تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول العربية، وتطوير القدرات المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمل على إنشاء آليات فعالة لإدارة الأزمات، وقد يسهم هذا المسار في تقليل احتمالات التصعيد،.
وتعزيز الاستقرار، إذا ارتكز على التوافق السياسي واحترام.
ظ السيادة الوطنية، وتحديد الأهداف المشتركة بصورة واضحة.
المسار الثاني: تصاعد تنافس التحالفات والمحاور
ويؤكد: يتمثل هذا المسار في زيادة التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، وتشكيل تحالفات متعارضة، بما قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات وتوسيع نطاق الصراعات، وقد يترتب على ذلك ارتفاع تكاليف الأمن والدفاع، وتزايد الضغوط الاقتصادية، وتراجع فرص التعاون الإقليمي في الملفات المشتركة.
المسار الثالث: الاستنزاف الإقليمي الممتد
وتابع: يمثل هذا المسار أحد السيناريوهات الأكثر خطورة، إذ يستمر التوتر في ساحات متعددة، وتتواصل المواجهات بصورة متقطعة أو ممتدة، بما يفرض أعباء متزايدة على الدول العربية، وقد يؤدي هذا الوضع إلى استنزاف الموارد المالية والعسكرية، وتعطيل بعض المشروعات التنموية، وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن تراجع فرص الاستقرار طويل الأمدويتوقف ترجيح أي من هذه المسارات على طبيعة التطورات السياسية والأمنية، ومدى قدرة الدول العربية على تنسيق مواقفها، وتجنب الانخراط في صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية، كما يتطلب بناء منظومة أمنية مستقرة تطوير آليات للتعاون الإقليمي، وتعزيز الحوار السياسي، والعمل على معالجة الأسباب التي تؤدي إلى استمرار النزاعات.
التحولات التي تشهدها خريطة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط
اختتم دكتور محمد الدسوقى المحلل الاستراتيجى كلامه بتحليل مبسط لرؤيته قائلا: إن تفعيل “حلف مكة ” بالتزامن مع المساعي الإسرائيلية لفتح قنوات تعاون أمني مع السعودية، يعكس مرحلة جديدة من التحولات التي تشهدها خريطة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تتداخل ضرورات الردع والدفاع عن السيادة الوطنية مع حسابات النفوذ والتحالفات والمصالح الدولية.
وأضاف: غير أن القضية الجوهرية لا تتعلق بمجرد ظهور تحالف دفاعي جديد أو عرض تعاون أمني من طرف إقليمي، وإنما بالسؤال الأكبر: من يمتلك حق تحديد أولويات الأمن الإقليمي؟ ومن يتحمل تكلفة الصراعات التي تنشأ نتيجة هذه الأولويات؟
ثم قال: فالدول العربية تواجه تحديات أمنية حقيقية تستوجب امتلاك قدرات دفاعية فعالة، لكنها تواجه في الوقت نفسه خطر الانخراط في مواجهات ممتدة قد تستنزف مواردها وتؤثر في استقرارها الداخلي ومشروعاتها التنموية.
واضاف أيضا: ومن هنا، فإن بناء منظومة أمن إقليمي مستقرة يتطلب الجمع بين قوة الردع والحكمة السياسية، وبين تطوير التحالفات الدفاعية والحفاظ على استقلال القرار الوطني، وبين مواجهة التهديدات المباشرة وعدم السماح بتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات قوى إقليمية ودوليةكما يتطلب إدراك أن أمن الخليج والبحر الأحمر والمشرق العربي والقضية الفلسطينية ليست ملفات منفصلة، وإنما مكونات مترابطة في معادلة الأمن القومي العربي، وفي تقديري، فإن الاختبار الحقيقي للقوى العربية خلال المرحلة المقبلة لن يكون في قدرتها على تشكيل التحالفات وحدها، وإنما في قدرتها على توظيف هذه التحالفات لحماية مصالحها، ومنع استنزاف مقدراتها، والحفاظ على تماسك دولها واستقلال قراراتها الاستراتيجية.
فليس كل تحالف عسكري ضمانة للاستقرار، كما أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة استخدامها، بل قد تكون أعظم نتائج القوة هي القدرة على منع الحرب قبل اندلاعها.
هو إطار للتعاون الدفاعي بين الدول العربية والإسلامية تقوده المملكة العربية السعودية بهدف بناء منظومة أمنية أكثر تنسيقًا لمواجهة التحديات المشتركة
اعتبره طرحًا يحتاج إلى تقييم سياسي واستراتيجي لأنه يرتبط بطبيعة المصالح والأهداف النهائية لكل طرف وليس بمجرد العنوان الإعلامي
حذر من أن تتحول التحالفات إلى أداة لتوسيع الصراعات أو استنزاف القدرات العربية إذا لم تُبنَ على توافق واضح وحدود محددة للالتزامات والأهداف


