رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الاثنين، إستقالة وزير الداخلية لوران نونيز، وأقرّ بوجود إخفاقات في التوقع والاستخبارات، وطلب منه وضع أساليب عملية جديدة لقوات الأمن وجاء القرار بعد عطلة أسبوع شهدت احتجاجات على غلاء المعيشة وأوضاع التعليم تحولت في عدد من المدن إلى أعمال حرق ونهب ومواجهات مع الشرطة. وكان الوزير قد أقرّ في اليوم نفسه بأن الشرطة فقدت السيطرة في بعض المدن، وأعلن توقيف 350 شخصًا في باريس مساء الأحد.
وبحسب بيان للإليزيه، كان نونيز قد قدّم استقالته إلى الرئيس يوم الأحد، لكن ماكرون رفضها نظرًا إلى الحاجة إلى استمرار القيادة في قوات إنفاذ القانون في هذه المرحلة. ويضع القرار الوزير أمام مهمة مزدوجة: محاسبة الأجهزة التي أخفقت في استباق العنف، وإصلاح طريقة عملها قبل موجة الاحتجاجات المقبلة، في وقت تقترب فيه البلاد من استحقاق رئاسي بعد نحو ستة أشهر.
قرار الإبقاء وشروطه
لم يكن رفض الاستقالة بلا شروط. فقد أوضح الإليزيه أن ماكرون طلب من وزيره اتخاذ كل الخطوات اللازمة لضمان الشفافية بشأن إخفاقات التخطيط والاستخبارات التي أدت إلى العنف، وكلّفه وضع أساليب عملياتية جديدة لقوات الأمن للتعامل مع الأزمة. وبهذا يحوّل الرئيس الاستقالة من نهاية سياسية إلى تكليف مشروط، فيبقى الوزير في منصبه لكنه يتحمل مسؤولية إثبات أن الإخفاق يمكن تداركه.
وجاء موقف الرئيس منسجمًا مع لهجته الحادة تجاه ما جرى. فقد قال في كلمة إلى الفرنسيين إن الجميع يشعر بالغضب والخجل، وإن المسؤولين عن التخريب سيدفعون الثمن. وكان قد أكد قبل ذلك أن من هاجموا المباني الحكومية والمحال التجارية ستجري ملاحقتهم ومعاقبتهم. وفي الوقت نفسه حرص على التمييز بين الفئتين، إذ شدد على أن المتظاهرين السلميين لا ينبغي أن يُخلط بينهم وبين المتورطين في العنف.
أما نونيز فلم يحاول التنصل من المسؤولية. فقد أقرّ في مقابلة مع إذاعة «فرانس إنتر» بنقص في التقدير المسبق للقوات المتاحة لإدارة التظاهرات، وقال إنه مسؤول عن كل ما يحدث. وهذا الاعتراف العلني، إلى جانب تقديمه الاستقالة، يمنح الرئاسة هامش دفاع سياسي، لكنه يفتح في المقابل باب الأسئلة عن أسباب غياب التقديرات الاستخباراتية الدقيقة قبل يوم كان معروفًا أنه سيشهد تعبئة واسعة.
حصيلة ثقيلة تفسّر الضغط السياسي
تفسر الأرقام حجم الضغط على الحكومة. فقد أعلنت وزارة الداخلية توقيف نحو 2400 شخص يوم السبت، وإصابة قرابة ألف من رجال الشرطة والدرك، مع اندلاع اشتباكات ونهب جماعي وحرائق في أنحاء البلاد. وأضافت تقارير أن سبعة من المصابين في صفوف الشرطة في حالة خطيرة، وأن مدنًا مثل ليموج ومرسيليا وبوردو تحولت إلى ساحات مواجهة. وأُضرمت النيران في بلديات، وتعرضت مئات المحال التجارية للنهب أو التخريب.
وتواصلت الاضطرابات في اليوم التالي. فقد عاد مثيرو الشغب إلى ساحة الجمهورية في باريس يوم الأحد، حيث اشتبكوا مع قوات مكافحة الشغب وسط مزيد من النهب، وهي الليلة التي سبقت إعلان توقيف 350 شخصًا في العاصمة. وكان الوزير قد استبعد قبل ذلك أن تعتزم الدولة إعلان حالة الطوارئ. وسُجلت في المقابل وفاة أحد المتظاهرين يوم السبت، وقالت الشرطة إن الوفاة إثر توقف القلب والتنفس لا علاقة لها بتصرفات عناصرها أو بالمواجهات.
وانعكست هذه الحصيلة على الساحة السياسية. فقد دعا زعيم حزب الخضر إلى استقالة وزير الداخلية منتقدًا إدارته للملف الأمني، ونقلت وكالات أن بعض سياسيي المعارضة طالبوا بإقالته. ويكشف ذلك أن الجدل لم يعد محصورًا في الأداء الشرطي، بل بات جزءًا من معركة سياسية أوسع حول قدرة السلطة التنفيذية على إدارة الشارع.
أزمة معيشية وراء العنف
يقرّ ماكرون بأن جذور الغضب اقتصادية قبل أن تكون أمنية. فقد قال إن المحتجين عبّروا عن قلقهم من غلاء المعيشة وأسعار الوقود الناجمة عن النزاع في الخليج العربي، الذي لم تشارك فيه فرنسا لكنها تتحمل تبعاته، وأضاف أنه يتفهم هذا القلق وأنه يُعبَّر عنه أيضًا في عدة عواصم أوروبية. وذكر أن الحكومة تعمل مع موزعي الوقود لضمان أن تتحول إجراءات تأمين الإمدادات إلى تخفيف ملموس على المستهلكين.
وتتداخل الدوافع الاقتصادية مع شكاوى اجتماعية أقدم. فقد بدأت الاحتجاجات في مدارس الأحياء الفقيرة شمال باريس احتجاجًا على غياب المعلمين وسوء المرافق، ثم اتسعت إلى حركة وطنية ضد عدم المساواة وضعف الإنفاق العام. ومثّل يوم السبت ذروة هذا المسار، إذ شارك مئات الآلاف في تظاهرات في باريس ومدن أخرى، وقدّرت الداخلية عددهم بـ550 ألفًا، بينهم 110 آلاف في باريس.
ويظل الاختبار الحقيقي أمام الحكومة هو قدرتها على الفصل بين مسارين: ضمان الأمن ومحاسبة المخربين، والاستجابة للمطالب المعيشية التي دفعت الحشود إلى الشارع. فإذا نجحت الأساليب الجديدة في تحسين الاستباق من دون تضييق على التظاهر السلمي، يمكن للرئاسة أن تعتبر قرار الإبقاء على الوزير رهانًا رابحًا. أما إذا تكررت المشاهد نفسها في تعبئة مقبلة، فسيصبح السؤال عن المسؤولية السياسية أصعب تجاهلًا.
رفضها لأن الإليزيه رأى الحاجة إلى استمرار القيادة في قوات إنفاذ القانون خلال هذه المرحلة، رغم اعترافه بوجود إخفاقات في التوقع والاستخبارات
طلب منه اتخاذ كل الخطوات اللازمة لضمان الشفافية بشأن إخفاقات التخطيط والاستخبارات التي أدت إلى العنف، ووضع أساليب عملياتية جديدة لقوات الأمن
أعلنت وزارة الداخلية توقيف نحو 2400 شخص يوم السبت ثم توقيف 350 شخصًا في باريس مساء الأحد، مع إصابة قرابة ألف من رجال الشرطة والدرك واندلاع حرائق ونهب واسع


