لم يعد الوجود المسيحي في اليمن يواجه تحديات البقاء بسبب الحرب والانهيار الاقتصادي فحسب، بل بات محاطًا بمخاوف متزايدة من الملاحقات الأمنية والقيود المفروضة على حرية الاعتقاد، في ظل سيطرة جماعة الحوثي على أجزاء واسعة من البلاد. ومع تداول تقارير حقوقية عن تشديد الضغوط على المسيحيين خلال أكتوبر 2026، تتجدد التحذيرات من أن يتحول الخوف إلى وسيلة لدفع ما تبقى من أبناء هذه الأقلية إلى مغادرة البلاد، في عملية يمكن وصفها بـ«التهجير القسري الصامت».
وتكمن خطورة هذه التطورات في أن المسيحيين اليمنيين يمثلون أقلية شديدة الصغر، يعيش كثير من أبنائها في ظروف من السرية والخوف، ولا تتوافر إحصاءات حديثة وموثوقة تحدد عددهم بدقة أو ترصد أماكن وجودهم. كما أن التمييز بين المسيحيين اليمنيين الأصليين والمقيمين الأجانب واللاجئين أمر ضروري عند الحديث عن حجم الجماعة المسيحية في البلاد.
اعتقالات واختفاء قسري.
تكتسب المخاوف الحالية أبعادًا أكثر خطورة في ضوء ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها، إذ قالت إن سلطات الحوثيين اعتقلت تعسفيًا أكثر من 20 مسيحيًا خلال الأشهر الثلاثة السابقة، في حملة بدأت أواخر نوفمبر ومطلع ديسمبر 2025، وشملت صنعاء ومحافظة إب ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة.
وبحسب شهادات جمعتها المنظمة من أفراد في المجتمع المسيحي، بدأت الاعتقالات باحتجاز عدد من المسيحيين مطلع ديسمبر، ثم اتسعت في 24 ديسمبر، عشية عيد الميلاد. وأشار الشهود إلى أن بعض الأشخاص اقتيدوا من منازلهم أو الشوارع، من دون إبراز أوامر قضائية، وأن مصير عدد من المحتجزين لم يكن معلومًا لأسرهم، بما أثار مخاوف من وقوع حالات اختفاء قسري.
ودعت المنظمة سلطات الحوثيين إلى الإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، مؤكدة أن استهداف أفراد بسبب معتقداتهم الدينية يمثل انتهاكًا لحقوقهم الأساسية.
ولا تقتصر المخاوف على الاعتقال وحده؛ إذ تشير تقارير دولية إلى أن المسيحيين في المناطق الخاضعة للحوثيين يواجهون بيئة من الترهيب والرقابة والضغوط الاجتماعية، تجعل ممارسة الشعائر الدينية أو الاجتماع للصلاة مخاطرة حقيقية. قد يعرض المسيحيين لتهديدات، وصولًا إلى الطرد أو العنف.
وفي ورقة بحثية عن حرية الدين في المناطق الخاضعة للحوثيين، حذّرت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية من الضغوط الشديدة التي تتعرض لها الأقليات الدينية، ومنها المسيحيون والبهائيون واليهود، مشيرة إلى أن بعض أفراد هذه الجماعات يضطرون إلى إخفاء هوياتهم الدينية خشية المضايقات والعنف.
كم يبلغ عدد المسيحيين في اليمن؟
يمثل تحديد عدد المسيحيين في اليمن تحديًا حقيقيًا، بسبب غياب الإحصاءات الدينية الحديثة الموثوقة، واضطرار كثير من المؤمنين إلى إخفاء معتقداتهم، فضلًا عن مغادرة أعداد كبيرة من الأجانب الذين كانوا يشكلون جزءًا مهمًا من المجتمع المسيحي قبل الحرب.
وتقدم منظمة «أبواب مفتوحة» الكاثوليكية في ملف اليمن ضمن قائمة مراقبة الاضطهاد العالمي لعام 2026 تقديرًا بوجود بضعة آلاف من المسيحيين في البلاد، مع التأكيد أن المخاوف الأمنية لا تسمح بنشر رقم دقيق لهم، إلى جانب مسيحيين من جنسيات أخرى، بينهم مهاجرون ولاجئون من إثيوبيا وإريتريا.
وكان عدد المسيحيين في اليمن قبل الحرب يُقدَّر بنحو 40 إلى 41 ألف شخص، وفق بيانات أوردتها اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية ومنظمة «أبواب مفتوحة». لكن هذا الرقم شمل أعدادًا كبيرة من الأجانب والمقيمين الذين غادر معظمهم البلاد مع تدهور الأوضاع الأمنية، ولذلك لا يجوز اعتباره تقديرًا لعدد المسيحيين اليمنيين الأصليين اليوم.
وفي المقابل، نشرت البعثة الأوروبية الدنماركية في 18 سبتمبر 2026 مقابلة مع مسؤول في مشروعها لدعم المسيحيين في اليمن، نقل فيها تقديرًا يصل إلى نحو 10 آلاف يمني، مع احتمال أن يكون العدد أكبر. ويختلف هذا التقدير عن الأرقام الأكثر تحفظًا التي تعتمدها بعض المنظمات الدولية، ما يؤكد صعوبة الوصول إلى إحصاء موحد في ظل السرية والمخاطر الأمنية.
وتوضح منظمة «أبواب مفتوحة» أن الجماعات المسيحية لا تستطيع التسجيل رسميًا لدى السلطات اليمنية، وأن السلطات لم تسمح منذ سنوات بإنشاء دور عبادة جديدة لهم
وتتضاعف هذه المخاطر في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع مؤسسات الدولة. فالمسيحيون، الذين لا يملكون مؤسسات دينية معلنة أو شبكات دعم واسعة داخل البلاد، يواجهون صعوبات إضافية في الحصول على المساعدات أو طلب الحماية، خاصة عندما يخشون أن يؤدي الكشف عن هويتهم الدينية إلى تعريضهم للملاحقة.
ولا تعني هذه الظروف أن جميع المسيحيين يواجهون المخاطر نفسها؛ إذ تتفاوت الأوضاع بحسب المنطقة والخلفية الاجتماعية ومدى انكشاف الهوية الدينية. لكن تقاطع الضغوط الأمنية مع التمييز الاجتماعي والحرمان الاقتصادي يجعل بقاء هذه الأقلية أكثر هشاشة.
هل يتكرر سيناريو اختفاء الأقليات الدينية؟
تثير التطورات المتعلقة بالمسيحيين مخاوف من تكرار مسار تراجع الأقليات الدينية في اليمن، بعدما تقلص الوجود اليهودي إلى حد بالغ، وتعرض البهائيون بدورهم للاعتقالات والقيود على ممارسة شعائرهم.
وتشير اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية إلى أن البهائيين تعرضوا لحملة اعتقالات في صنعاء عام 2023، عندما داهمت قوات مسلحة تجمعًا لهم واحتجزت 17 شخصًا، قبل الإفراج عن المحتجزين المتبقين بحلول أغسطس 2024، وسط تقارير عن استمرار القيود على تجمعاتهم الدينية.
ولا تتطابق أوضاع اليهود والبهائيين والمسيحيين من حيث التاريخ والحجم وطبيعة الاضطهاد، لكن القاسم المشترك بينها هو تراجع قدرة الأقليات على ممارسة شعائرها علنًا، وتزايد مخاطر الاعتقال أو التهديد أو الاضطرار إلى الرحيل.
وفي حالة المسيحيين، لا يقتصر خطر التهجير على صدور قرار رسمي بإبعادهم؛ فقد يحدث تدريجيًا عندما يضطر المؤمن إلى إخفاء معتقده، أو يقطع صلته بمجتمعه الديني، أو يغادر منطقته خوفًا من الاعتقال، أو يختار الهجرة لحماية أسرته وأطفاله. وهكذا يمكن أن يتراجع الوجود المسيحي من دون إعلان رسمي عن ترحيل جماعي، وهو ما يفسر استخدام تعبير «التهجير القسري الصامت» لوصف المخاوف المحيطة بمستقبل هذه الأقلية.
ومع ذلك، فإن وصف ما يجري بأنه خطة مؤكدة لتصفية الوجود المسيحي بالكامل يحتاج إلى أدلة مستقلة تثبت وجود سياسة ممنهجة بهذا الهدف؛ أما الاعتقالات والضغوط الموثقة، فهي كافية لإثارة القلق والمطالبة بتحقيقات شفافة وضمانات قانونية تحمي حرية الاعتقاد.
مستقبل أقلية مهددة بالاختفاء.
تكشف قضية المسيحيين في اليمن عن أزمة تتجاوز عدد أفراد هذه الأقلية؛ فهي تتعلق بحق المواطنين في اختيار معتقداتهم وممارسة شعائرهم من دون خوف أو إكراه. فحين يضطر الإنسان إلى إخفاء إيمانه حفاظًا على حياته، أو يخشى أن يؤدي الإفصاح عنه إلى اعتقاله أو حرمانه من أسرته، تصبح حرية الدين حقًا نظريًا لا يستطيع ممارسته في الواقع.
ويظل المطلوب هو الإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، والكشف عن مصير المختفين، وضمان عدم ملاحقة الأشخاص بسبب معتقداتهم، وإتاحة الوصول المستقل إلى المعلومات المتعلقة بأوضاع الأقليات الدينية. كما ينبغي للمنظمات الدولية والحقوقية متابعة أوضاع المسيحيين اليمنيين، وتوثيق الانتهاكات، وتوفير وسائل آمنة للإبلاغ عنها من دون تعريض الضحايا لمزيد من الخطر.
فاليمن الذي عرف تاريخيًا تنوعًا دينيًا وثقافيًا، يواجه اليوم خطر أن يصبح أكثر انغلاقًا وأقل قدرة على حماية ما تبقى من هذا التنوع. وإذا استمرت الاعتقالات والضغوط من دون محاسبة أو ضمانات، فقد لا يكون السؤال مستقبلًا عن عدد المسيحيين الذين يعيشون في البلاد فحسب، بل عما إذا كان سيبقى لهم مجال آمن للعيش والإيمان داخل وطنهم.
بسبب تقارير حقوقية تحدثت عن اعتقال أكثر من 20 مسيحيًا خلال الأشهر الثلاثة السابقة في مناطق خاضعة للحوثيين، مع قيود وضغوط على حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر
ذكرت المنظمة أن سلطات الحوثيين اعتقلت تعسفيًا أكثر من 20 مسيحيًا خلال الأشهر الثلاثة السابقة ضمن حملة بدأت أواخر نوفمبر ومطلع ديسمبر 2025
لا يوجد رقم دقيق وموثوق بسبب غياب الإحصاءات الحديثة وسرية كثير من المؤمنين واختلاط وضع المسيحيين اليمنيين الأصليين بالمقيمين الأجانب واللاجئين


