تحول حفل زفاف أقيم في صحراء مدينة النجيلة بمحافظة مطروح إلى مادة خصبة للجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما اشتعلت المنصات بتداول مقاطع مصورة وأرقام غير دقيقة تناولت تكلفة الاحتفال ومساحة السرادقات ونوعية الهدايا المقدمة، ليُطلق عليه وصف “أغلى فرح في مصر”، وسط سيل من المبالغات التي طغت على المشهد الحقيقي وأعرافه القبلية المتوارثة.

بداية القصة

بدأت القصة مع تداول مقاطع فيديو لحفل زفاف الشاب عمر العميري، الشهير بـ«السلطان»، حيث وثقت المشاهد أعدادًا ضخمة من السيارات الحديثة تصطف في خطوط طويلة، وسرادقات عملاقة تكسو مساحات شاسعة من الصحراء، فضلًا عن ولائم وموائد ممتدة ومسابقات لسباقات الخيول العربية الأصيلة.

وسرعان ما راجت منشورات وتدوينات متسارعة نسجت روايات فلكية حول المناسبة؛ إذ زعمت أن تكلفة الفرح تجاوزت 500 مليون جنيه، وأن التجهيزات أقيمت على مساحة تجاوزت 55 فدانًا، إلى جانب ادعاءات بتوزيع سيارات فارهة ورحلات عمرة لآلاف الحضور، مع تقدير أعداد المعازيم بأكثر من 70 ألف شخص، ليتحول حفل الزفاف إلى ظاهرة رقمية تبارت الصفحات في نقل تفاصيلها المزعومة دون تدقيق.

خال العريس يفند مبالغات الأرقام

في مواجهة هذه الروايات المتداولة، خرج حافظ بوعميرة، أحد أخوال العريس والمقربين منه، واضعًا التفاصيل والوقائع المجردة في نصابها الصحيح بحكم معايشته المباشرة لكافة مراحل التجهيز والاحتفال، مؤكدًا أنه ينقل ما رآه بنفسه دون تهويل أو تقليل لتبديد اللغط الدائر.

ونفى “بوعميرة” ما تردد حول بلوغ التكلفة حاجز الـ500 مليون جنيه، موضحًا أن إجمالي ما تم إنفاقه – بحسب اطلاعه المباشر – لم يتجاوز نحو 6 أو 7 ملايين جنيه، وهو رقم بعيد تمامًا عن التقديرات الجزافية التي روجتها صفحات التواصل.

وحول طوابير السيارات الحديثة التي تقدمت موكب “الزفة” ولفتت الأنظار، شدد على أنها لم تكن هدايا مقدمة للعريس أو للمعازيم، بل كانت مركبات خاصة تخص أصدقاء ومعارف العريس وأبناء عمومته الذين حرصوا على القدوم بسياراتهم للمشاركة والاحتفاء به، وعادت إلى أصحابها فور انتهاء مراسم الحفل.

وفيما يتعلق بمساحة الـ55 فدانًا التي أثارت دهشة المتابعين، أوضح خال العريس أن هذا الرقم الإجمالي يشمل مساحات انتظار السيارات الممتدة، والطريق المؤدي إلى موقع الحفل، ومضمار سباق الخيول المفتوح، بينما المساحة الفعلية للسرادقات وأماكن جلوس المعازيم وتناول الطعام لم تتعدَ نحو 7 أفدنة فقط.

ولفت “بوعميرة” إلى أن عدد الحضور الفعلي بلغ نحو 10 آلاف شخص في اليوم الأول ومثلهم في اليوم الثاني، وليس 70 ألفًا كما أشيع، موضحًا أن ولائم الضيافة شملت ذبح نحو 15 عجلًا في اليوم الأول و16 عجلًا في اليوم الثاني، مؤكدًا أن نفقات العريس الشخصية انحصرت في تقديم نحو خمس رحلات عمرة، وجوائز رمزية لمسابقات دينية، فضلًا عن توفير المياه والمشروبات وإيجار الشوادر ومستلزمات الحفل البسيطة.

عم العريس: تكافل قبلي وواجب متوارث لملايين الأبناء

من جانبه، وضع العمدة سليمان العميري، عم العريس، المشهد في سياقه الثقافي والاجتماعي، مؤكدًا أن ما تداولته السوشيال ميديا بغرابة يعبر في الأساس عن عادات وتقاليد قديمة وراسخة لدى أبناء القبائل العربية، تقوم على التكافل والمجاملة والمساندة المتبادلة في كافة المناسبات.

وفسر “العميري” طبيعة الولائم الضخمة؛ مبينًا أن المدعوين والقبائل يشاركون بدافع الواجب والمجاملة المتعارف عليها بتقديم الذبائح من كباش أو عجول أو “قعود” لمساندة صاحب الفرح، وهي مساهمات مجتمعية وأعراف عريقة تخفف الأعباء ولا يتحمل تكلفتها شخص بمفرده.

وأوضح أن العريس ينتمي إلى قبيلة «العميرات» العريقة ذات الامتداد التاريخي والجغرافي الكبير من محافظات صعيد مصر وصولًا إلى مدينة السلوم الحدودية، والتي يربو تعداد أفرادها على أكثر من 5 ملايين نسمة داخل مصر، فضلًا عن امتدادها في عدة دول عربية، وهو ما يفسر التدفق الهائل للمهنئين الوافدين من مختلف المحافظات تلبيةً للروابط القبلية وعلاقات العائلة المتشعبة.

وأكد أن رقم الـ500 مليون جنيه المتداول لا يعدو كونه كلامًا مرسلًا يفتقر إلى الحسابات الواقعية، مشيرًا إلى أن تقدير الـ55 فدانًا خرج من القائمين على نصب الخيام لحساب المساحة الممتدة من طريق “مطروح – السلوم” الدولي وحتى خيام الحفل بمواقفها ومضاميرها، وأن استمرار الاحتفال على مدار ثلاثة أيام جاء تماشيًا مع التقاليد البدوية التي تخصص أوقاتًا متتابعة لاستيعاب مراحل التجهيز وحسن استقبال الوفود القادمة من المسافات البعيدة.