دفعتها آلامها البدنية والنفسية، وبحثها المُضني عن مخرج لما ظنته “سحرًا” عكّر صفو حياتها، إلى سلوك طريق مظلم لا تحمد عقباه؛ حيث توجهت “عزة” في شهر نوفمبر من العام الماضي، وهي في حالة من الشتات والانهيار النفسي، إلى منزل “أحمد.ر.ف” بإحدى قرى مركز ملوي جنوب محافظة المنيا، أملاً في طوق نجاة بعد أن أوهِمَت بقدرته الخارقة على علاج الحالات المستعصية.
فخ ومشروب منوم
لم يكن “أحمد” مجرد هاوِ في هذا المجال، بل كان إنسانًا متمرسًا في أعمال الدجل والشعوذة، اعتاد استغلال ضعف ضحاياه وثقتهم للفتك بهن والتكسب من ورائهن.
في منزل نائٍ غلب عليه الغموض وطقوس الترهيب، استقبل الدجال السيدة المكلومة بكل حيلة وتصنُّع، وتظاهر فى البداية بقراءة بعض التعاويذ والطلاسم لإيهامها بالسيطرة على الجان، ثم قدم لها مشروبًا وضع فيه مادة منومة حُضّرت بعناية.
وما إن جرى العقار في جسدها حتى فقدت “عزة” وعيها بالكامل، فقام “أحمد” بتجريدها من ملابسها وتصويرها في أوضاع خادشة للحياء، ليصنع لنفسه “سلاح ابتزاز” حادًا.
رحلة الابتزاز والانهيار النفسي
استيقظت “عزة” بعد انتهاء مفعول المنوم، وغادرت المكان دون أن تدرك حجم الكارثة التى وقعت فيها، فبعد أيام من جلسة طرد الجان المزعومة؛ فاجأها دجال المنيا بمقاطع الفيديو والصور، مهددًا بفضحها ونشرها إن لم تستجب لمطالبه.
دخلت الضحية في حالة من الرعب والانهيار العصبي خوفًا على سمعتها وأسرتها، وسارعت بدفع مبلغ 5 آلاف جنيه في محاولة يائسة لإسكاته، إلا أنه لم يتوقف؛ وتمادى في طمعه وطالبها بدفع أموال أخرى، وتصوير مقاطع جديدة، كما طلب منها إقامة علاقة غير شرعية.
وعندما أبدت السيدة رفضًا، نفذ دجال المنيا تهديده وأرسل المقاطع والصور إلى زوجها عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.
وأمام هذا الابتزاز، استجمعت السيدة وزوجها شتات أمرهما وقررا التخلي عن الخوف واللجوء للشرطة، التى ألقت القبض على المتهم وأُحيل إلى النيابة العامة.
محطة المحاكمة: من البراءة إلى حكم الاستئناف
خلال جلسات المحاكمة أمام محكمة أول درجة في مايو 2026، قضت المحكمة ببراءة المتهم لعدم اطمئنانها الكافي لأدلة الاتهام حينها، إلا أن النيابة العامة لم تتوانَ وطعنت على الحكم، لتعاد المحاكمة أمام محكمة جنايات مستأنف المنيا مع إعادة فحص التحريات والأدلة.
وفي جلسة أمس الثلاثاء، أسدلت محكمة جنايات مستأنف المنيا الستار على القضية، وقضت بإلغاء حكم البراءة ومعاقبة الدجال بالسجن المشدد 15 عامًا، وإلزامه بالمصاريف الجنائية عن درجتي التقاضي، رافضة كافة دفوع الدفاع.
ووجهت المحكمة في حيثيات حكمها رسالة حاسمة للمتهم جاء فيها: “لقد ظن المتهم أن وعيده سيكسر الإرادة، وأن تهديده سيُورث الخوف والرهبة، فخاب ظنه، وبطل كيده، وانكشف أمره.. فمن يرفع سلاح التهديد في وجه الناس، يواجه سيف القانون”.
كما بعثت برسالة دعم لكل امرأة مصرية: “لا تخافي من مهدد، ولا تخضعي لمبتز، ولا تدفعي ثمنًا للسكوت.. فالصمت يزيده طمعًا، والخضوع يزيده جرأة، أما البلاغ فيردعه، والقانون يحميها، والعدالة تنصفها.. وأن للكرامة حرمة، وللحرية حماية، وللعدوان نهاية، فلا عرض يُستباح، ولا كرامة تُبتز، ولا حرية تُرهب، ولا حق يضيع، فمن اعتدى عوقب، ومن هدّد حوسب، ومن ابتز رُدع، ومن أجرم لقي جزاءه، وأن العدالة قد تتأنى، لكنها لا تتوانى، وقد تمهل، لكنها لا تهمل”.


