لا يوجد رقم ثابت يمكن أن يقال إنه السعر الذي تساويه بيانات مستخدم واحد. فعملية البحث عن منتج، أو مشاهدة مقطع فيديو، أو استخدام تطبيق، أو مشاركة الموقع، قد تبدو أفعالًا يومية عابرة، لكنها تنتج في المقابل كميات ضخمة من البيانات التي أصبحت مدخلًا أساسيًا في الاقتصاد الرقمي.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذه البيانات في ما يمكن أن يحدث لها بعد جمعها؛ إذ يمكن تنظيمها وربطها وتحليلها لاستخلاص أنماط تساعد الشركات في اتخاذ قرارات استثمارية وتسويقية، وتطوير المنتجات والخدمات، وفهم سلوك العملاء والتنبؤ به، وتوجيه الإعلانات بصورة أكثر دقة.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن قيمة البيانات ترتبط بدرجة كبيرة بالطريقة التي تُنشأ بها وتُشارك وتُستخدم وتُدار من خلالها، مؤكدة أن البيانات أصبحت مدخلًا رئيسيًا في إنتاج العديد من السلع والخدمات.
ولهذا لا يمكن التعامل مع البيانات كما لو كانت سلعة تقليدية لها قائمة أسعار موحدة. فقد تكون معلومة واحدة محدودة القيمة، لكنها تكتسب أهمية أكبر عند جمعها مع بيانات أخرى أو إدخالها في نموذج تحليلي أو تجاري.
من الخدمة المجانية إلى أصل اقتصادي
عندما يستخدم شخص محرك بحث أو منصة اجتماعية أو تطبيقًا رقميًا، فإنه لا ينتج فقط المحتوى الذي يكتبه أو يشاركه بنفسه، بل يترك وراءه مجموعة واسعة من البيانات المرتبطة بسلوكه.
ومن بين هذه البيانات سجل التصفح، وعمليات البحث، والموقع الجغرافي، ونوع الجهاز، والمدة التي يقضيها في خدمة معينة، إضافة إلى المنتجات التي يبحث عنها أو يضيفها إلى سلة التسوق.
وقد تأتي بيانات أخرى من تقنيات التتبع التي تسمح بربط نشاط المستخدم عبر مواقع وخدمات متعددة.
غير أن مجرد جمع هذه المعلومات لا يحولها تلقائيًا إلى أموال. القيمة تظهر عندما تتمكن الشركة من تنظيمها وتحليلها وربط نتائجها بقرارات تجارية أو تشغيلية.
ويشرح الخبير في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هاني البطش، في حديث للجزيرة نت، أن البيانات الشخصية أصبحت أصلًا إستراتيجيًا لا يمكن قياسه برقم ثابت للفرد، موضحًا أن النشاط الرقمي لا ينتج مجرد سجل للمواقع التي زارها المستخدم، وإنما يشكل “بصمة رقمية” متكاملة.
ويضيف البطش أن الذكاء الاصطناعي “لم يعد يكتفي بالمعلومات التي نقدمها عن أنفسنا بل يستطيع تحليل سلوكنا واستخراج استنتاجات واحتمالات”.
ويضرب مثالًا على ذلك قائلًا: “قد لا أقول للشركة إنني أفكر بشراء سيارة، لكن إذا بحثت وشاهدت مراجعات وقارنت الأسعار، تستنتج الخوارزميات اهتمامي الشديد بالشراء”.
سوق الإعلانات تكشف جانبًا من قيمة البيانات
يمكن النظر إلى سوق الإعلان الرقمي باعتبارها واحدة من أوضح المساحات التي تظهر فيها القيمة الاقتصادية للبيانات، مع التأكيد على أن إيرادات الإعلانات لا تعادل قيمة بيانات المستخدمين نفسها.
فقد بلغت إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في الولايات المتحدة 294.6 مليار دولار خلال عام 2025، مسجلة نموًا بنسبة 13.9% على أساس سنوي، وفق تقرير رابطة الإعلان التفاعلي (IAB) الذي أعدته شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC).
ولا يعني ذلك أن بيانات المستخدمين تساوي 294.6 مليار دولار، فالسوق الإعلانية تضم الإنفاق الإعلاني والمنصات والمحتوى والتقنيات وغيرها. لكنها تكشف في المقابل حجم قطاع أصبحت البيانات والتحليلات جزءًا أساسيًا من بنيته.
ومع توسع الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية البيانات بوصفها مادة تستخدم في التدريب والتحليل وتطوير المنتجات، ما يجعل الوصول إلى مجموعات البيانات الكبيرة والقدرة على معالجتها عاملين مهمين في تحويلها إلى قيمة اقتصادية.
ماذا تعرف المنصات عن المستخدم؟
المعلومات التي تجمعها المنصات لا تقتصر على ما يكتبه الشخص أو يقدمه لها بشكل مباشر.
فطريقة التصفح نفسها يمكن أن تنتج بيانات: الصفحات التي يزورها المستخدم، وما يبحث عنه، ومدة بقائه في موقع أو خدمة، ونوع الجهاز الذي يستخدمه، وموقعه، والمنتجات التي يتفاعل معها أو يبحث عنها.
وتزداد قيمة هذه المعلومات عندما تستطيع الشركات جمعها من مصادر متعددة وتحليلها معًا، لتنشأ فجوة بين المعلومة التي ينتجها المستخدم وبين القيمة التي تستطيع الشركة استخراجها منها.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في اقتصاد البيانات: المستخدم قد ينتج المعلومة، لكن تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام التجاري يتطلب بنية تقنية وقدرات تحليلية وخوارزميات وموارد استثمارية.
هل تبيع الشركات بيانات المستخدمين؟
ليس بالضرورة أن تتحقق القيمة الاقتصادية للبيانات من خلال بيعها مباشرة إلى طرف آخر.
فالشركة يمكن أن تستخدم البيانات داخل منظومتها الخاصة لتحسين المنتجات، وفهم العملاء، والتنبؤ بالطلب، وتخصيص المحتوى والإعلانات، ورفع كفاءة عملياتها، وقد تشارك البيانات أو تتيحها لأطراف أخرى بحسب نموذج أعمالها والقوانين وشروط الخدمة.
وبالتالي فإن اقتصاد البيانات لا يبدأ وينتهي عند عملية بيع، وإنما يمر بسلسلة تبدأ بجمع البيانات وتخزينها، ثم تحليلها، وصولًا إلى تحويل نتائج التحليل إلى معرفة أو خدمة أو قرار تجاري.
ويقول البطش للجزيرة نت: “أهم تحول حدث مع الذكاء الاصطناعي هو الانتقال من اقتصاد جمع البيانات إلى اقتصاد فهم البيانات والتنبؤ من خلالها. نحن نرى نقرة واحدة، لكن الخوارزمية تراها ضمن آلاف الإشارات المرتبطة بسلوكنا”.
ويضيف: “لذلك أصبحت البيانات الشخصية جزءا من القيمة الاقتصادية للشركات، ليس بالضرورة لأنها تبيع بياناتنا مباشرة، وإنما لأنها تستطيع استخدامها لتحسين قراراتها وزيادة كفاءة عملياتها وتقديم خدمات أكثر دقة وتحقيق إيرادات أكبر”.
عندما تتحول البيانات إلى قضية خصوصية
تكشف قضايا تنظيمية في الولايات المتحدة جانبًا آخر من اقتصاد البيانات، يتعلق بما يمكن أن يحدث عندما تتحول معلومات المستخدمين إلى أصل تجاري.
وفي قضية شركة أفاست (Avast)، قالت لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية إن الشركة جمعت معلومات عن تصفح المستخدمين من خلال برامج مكافحة الفيروسات وإضافات المتصفح، ثم باعتها عبر شركتها التابعة جامب شوت (Jumpshot) لأكثر من 100 طرف آخر، من بينهم شركات تعمل في الإعلانات والتسويق والتحليلات ووسطاء بيانات.
وذكرت اللجنة أن البيانات شملت عمليات البحث والمواقع التي زارها المستخدمون، وهي معلومات يمكن أن تكشف تفاصيل حساسة تتعلق بالصحة والمعتقدات الدينية والميول السياسية والوضع المالي والموقع.
وفي يونيو/حزيران 2024، أصدرت اللجنة أمرًا نهائيًا يحظر على أفاست بيع أو ترخيص بيانات تصفح الويب لأغراض إعلانية، وألزمتها بدفع 16.5 مليون دولار، إلى جانب حذف البيانات التي نقلت إلى جامب شوت وإبلاغ المستهلكين المتضررين.
ولم تتوقف القضايا عند بيانات التصفح، إذ أصبح الموقع الجغرافي أيضًا جزءًا من هذا النقاش.
ففي أمر نهائي ضد وسيط البيانات إكس-مود (X-Mode) وخلفه أوت لوجيك (Outlogic)، خلصت لجنة التجارة الفدرالية إلى حظر بيع أو مشاركة بيانات الموقع الحساسة، بعد اتهامات بأن الشركة باعت بيانات دقيقة يمكن أن تكشف زيارات أشخاص إلى مواقع حساسة، من بينها عيادات صحية وأماكن عبادة.
وفي قضية أخرى، اتهمت اللجنة شركة إن ماركت (InMarket) بجمع بيانات الموقع من تطبيقاتها ومن تطبيقات تستخدم أدواتها البرمجية، ثم دمجها مع بيانات أخرى لإنشاء شرائح للمستهلكين واستهدافهم إعلانيًا، وانتهت القضية بحظر بيع أو مشاركة بيانات الموقع الدقيقة.
وتوضح هذه القضايا أن القيمة الاقتصادية للبيانات لا ترتبط بالاسم أو الهوية المباشرة للمستخدم فقط، وإنما بما يمكن استخلاصه من أنماط الحركة والتصفح والسلوك.
حتى السعر قد يتأثر بالبيانات
يمكن أن تمتد الاستفادة التجارية من البيانات إلى قرار أكثر مباشرة بالنسبة للمستهلك: السعر الذي يعرض عليه.
ففي دراسة نشرتها لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2025، بحثت اللجنة ما وصفته بتقنيات “التسعير القائم على المراقبة”، وقالت إن بعض الشركات قد تستخدم معلومات مثل الموقع الدقيق وسجل تصفح الإنترنت، وحتى حركات مؤشر الفأرة والمنتجات التي أضيفت إلى سلة التسوق ولم يتم شراؤها، من أجل تحديد أسعار أو عروض مختلفة للمستهلكين.
ولا تعني الدراسة أن جميع المتاجر أو المنصات تستخدم هذه الأساليب، لكنها توضح كيف يمكن لمعلومات تبدو عادية حول سلوك المستخدم أن تدخل في قرار اقتصادي مباشر يتعلق بالسعر.
ولهذا يرى البطش أن السؤال الأهم في اقتصاد البيانات لم يعد فقط: “ماذا تعرف الشركة عني؟”، وإنما: “ماذا تستطيع الشركة أن تستنتج عني من أشياء لم أخبرها بها أصلا؟”.
من يملك القيمة التي تنتجها البيانات؟
المستخدم ينتج البيانات أثناء نشاطه الرقمي، بينما تتحمل الشركة تكاليف جمعها وتخزينها وتحليلها، ثم تستخدم النتائج لتطوير خدمة أو استهداف إعلان أو اتخاذ قرار تجاري.
وبين هذه المراحل تتكون قيمة اقتصادية يصعب فصل مساهمة كل طرف فيها.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن قيمة البيانات ترتبط أيضًا بإطار الحوكمة الذي ينظم طريقة إنشائها ومشاركتها واستخدامها.
وبذلك تصبح قواعد الوصول إلى البيانات ونقلها واستخدامها جزءًا من البنية الاقتصادية للسوق، إلى جانب كونها قضية تقنية وقانونية.
ومن هذا المنظور، فإن قوانين حماية البيانات لا تتعلق بالخصوصية فقط، وإنما تحدد أيضًا الظروف التي يمكن فيها تحويل البيانات إلى خدمات أو إيرادات أو أصول معرفية.
أوروبا تضع حدودًا لاستخدام البيانات
برز هذا الجدل بصورة واضحة في أوروبا.
ففي يوليو/تموز 2024، أعلنت المفوضية الأوروبية أن نتائجها الأولية في قضية نموذج “الدفع أو الموافقة” الذي تستخدمه شركة ميتا، الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام، أظهرت مخاوف من أن الطريقة المعروضة على المستخدمين قد تدفعهم إلى الموافقة على جمع بياناتهم ودمجها لأغراض الإعلانات المخصصة، من دون توفير خيار مكافئ يعتمد بدرجة أقل على البيانات.
وأكدت المفوضية في ذلك الوقت أن نتائجها كانت أولية ولم تكن قرارًا نهائيًا.
وتكشف القضية عن جانب اقتصادي في النقاش، يتعلق بحدود قدرة الشركات على الحصول على البيانات باعتبارها أحد مدخلات نموذج الأعمال الرقمي مقابل إتاحة خدمة للمستخدم.
أكثر من 8 مليارات دولار للإعلان الرقمي في المنطقة العربية
هذا الاقتصاد لا يقتصر على الولايات المتحدة وأوروبا، إذ شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا توسعًا واضحًا في سوق الإعلان الرقمي، بالتزامن مع تطور الأطر التنظيمية المتعلقة بالخصوصية وحوكمة البيانات.
ووفق أحدث التقارير الصادرة عن مكتب الإعلانات التفاعلي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (IAB MENA)، ارتفع الإنفاق على الإعلان الرقمي في المنطقة من 6.95 مليارات دولار عام 2024 إلى أكثر من 8.18 مليارات دولار عام 2025، بنمو سنوي بلغ نحو 17.8%.
ولا تعادل هذه الأرقام قيمة بيانات المستخدمين، لكنها تعكس حجم سوق يعتمد على البيانات والتحليلات في الوصول إلى الجمهور وقياس سلوكه واستهدافه.
قوانين تحاول ضبط قيمة البيانات
مع توسع استخدام البيانات، اتجهت دول مختلفة إلى سن أطر قانونية لتنظيم جمع المعلومات الشخصية ومعالجتها ونقلها واستخدامها.
وفي السعودية، يمنح نظام حماية البيانات الشخصية الأفراد حقوقًا تتعلق بمعرفة الأساس النظامي والغرض من جمع البيانات، والوصول إليها والحصول عليها وتصحيحها، وطلب إتلافها وسحب الموافقة في الحالات التي يسمح بها النظام، مع وجود استثناءات وضوابط قانونية.
أما في قطر، فينظم القانون رقم 13 لسنة 2016 بشأن حماية خصوصية البيانات الشخصية معالجة البيانات الشخصية، ويقرر حق الفرد في الخصوصية، ويشترط في الأصل موافقة الشخص على معالجة بياناته إلا في الحالات التي يسمح بها القانون.
كما تصنف البيانات المتعلقة بالصحة والحالة الجسدية والنفسية ضمن البيانات الشخصية ذات الطبيعة الخاصة، وتخضع لضوابط إضافية.
وتكتسب هذه القواعد أهمية اقتصادية إلى جانب أهميتها القانونية، لأن تحديد الجهات التي تستطيع جمع البيانات، والأغراض التي يمكن استخدامها من أجلها، وكيفية الاحتفاظ بها أو مشاركتها، يحدد أيضًا المجال المتاح أمام الشركات والمؤسسات لتحويل البيانات إلى خدمات أو إيرادات أو أصول معرفية.
البيانات الصحية.. عندما تصبح المعلومات أصلًا استراتيجيًا
تظهر قيمة البيانات بصورة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالقطاع الصحي، حيث يمكن أن تتراكم معلومات عن ملايين الأشخاص ضمن أنظمة السجلات الطبية والمختبرات وغيرها.
وفي تحقيق نشره موقع بروبابليكا (ProPublica) في 17 يونيو/حزيران 2026 بعنوان “الاستعمار الرقمي: مطالب أمريكية بالوصول إلى بيانات الأفارقة تثير مخاوف بشأن الخصوصية والسيادة”، تناول الموقع اتفاقات مساعدات صحية أمريكية جديدة مع دول أفريقية، وركز على الترتيبات الخاصة بالوصول إلى البيانات.
وبحسب التحقيق، ينص الاتفاق مع أوغندا على حصول الولايات المتحدة على وصول مباشر وفوري لمدة 7 سنوات إلى 9 أنظمة للبيانات الصحية، بينها مستودع البيانات المركزي، وبيانات المختبرات، والمعلومات التي يجمعها العاملون الصحيون في المجتمع، ونظام السجلات الطبية الإلكترونية للأفراد.
وفي المقابل، ستقدم الولايات المتحدة لأوغندا ما يصل إلى 1.7 مليار دولار على مدى 5 سنوات لتعزيز الأمن الصحي العالمي وعلاج أمراض والوقاية منها، بينها الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية وشلل الأطفال.
وتقول وزارة الخارجية الأمريكية إن البيانات التي ستتم مشاركتها ستكون مجمعة ومنزوعة المعلومات التي تحدد هوية الأشخاص، وإن مشاركة البيانات ستتوافق مع قوانين كل دولة وموافقاتها، وإن الحكومة الأمريكية لن تتلقى أو تشارك معلومات شخصية تحدد هوية أصحابها.
لكن التحقيق نقل عن خبراء في الخصوصية والصحة العالمية مخاوف بشأن اتساع بعض بنود الاتفاقات وإمكانية إعادة التعرف على الأشخاص من بيانات جرى إخفاء هوياتهم باستخدام تقنيات متقدمة.
المساعدات والبيانات.. أين تذهب القيمة؟
توضح الحالة الأوغندية كيف يمكن للبيانات أن تدخل في معادلة اقتصادية تتجاوز قيمتها المباشرة.
فمع توسع الذكاء الاصطناعي، أصبحت مجموعات البيانات الصحية الكبيرة ذات قيمة محتملة بالنسبة إلى الجهات التي تستخدمها في تدريب النماذج وتطوير التقنيات الصحية.
ويشير تحقيق بروبابليكا إلى أن صناعة شراء وبيع مجموعات المعلومات الصحية تقدر بمليارات الدولارات، فيما بدأت دول عدة تنظر إلى سجلات مواطنيها الصحية باعتبارها أصولًا وطنية يمكن أن تمنحها مزايا اقتصادية وإستراتيجية.
وهنا يظهر سؤال يتجاوز مجرد حق الوصول إلى البيانات: من يحصل على القيمة التي تنتج عنها لاحقًا؟ وهل تبقى هذه القيمة داخل الدولة التي أنتجت البيانات، أم تنتقل إلى شركات ومؤسسات تمتلك القدرة على تحويلها إلى منتجات وأدوية ونماذج للذكاء الاصطناعي؟
وتشير الأرقام الواردة في التحقيق إلى هذه المسألة؛ ففي كينيا، ارتبط الحصول على 1.6 مليار دولار من المساعدات بإتاحة الوصول إلى 7 سنوات من السجلات الصحية، وهي فترة تزيد عامين على مدة الدعم المالي الأمريكي.
كما وجد التحقيق أن 5 من أصل 6 اتفاقات راجعها بشأن مشاركة عينات مسببة للأوبئة تنص على أن الحكومة الأمريكية “تعطي الأولوية” لطلب الدولة صاحبة العينة بعد تلبية الاحتياجات الأمريكية، في حين تضمن الاتفاقية مع نيجيريا وصولًا ذا أولوية إلى المنتجات الطبية التي تطور باستخدام العينات، بل والتبرع بها.
لماذا يستحيل وضع سعر واحد للبيانات؟
كل هذه الأمثلة تفسر سبب صعوبة الإجابة عن سؤال: كم تساوي بيانات الفرد؟
فالبيانات قد تكون محدودة القيمة وهي في شكلها الخام، ثم تكتسب قيمة أكبر بكثير بعد تراكمها وربطها وتحليلها وإدخالها في نماذج تجارية أو تحليلية.
لكن البيانات وحدها لا تصنع القيمة. فهناك حاجة إلى بنية تكنولوجية وخبرات وقدرات تحليلية تمكن من تحويل المعلومات إلى منتج أو خدمة أو قرار.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تعدد المناهج المستخدمة في تقييم البيانات، وإلى صعوبة قياس قيمتها الاقتصادية، خصوصًا أن معظم البيانات لا يجري تداولها مباشرة في الأسواق.
ما الذي يدفعه المستخدم مقابل الخدمات المجانية؟
قد لا يدفع المستخدم مالًا عندما يفتح محرك بحث أو منصة اجتماعية أو تطبيقًا، لكن غياب الفاتورة لا يعني غياب القيمة الاقتصادية.
فالبيانات التي ينتجها استخدام الخدمة تدخل في منظومة أوسع تضم الإعلان الرقمي وتحليل العملاء وتطوير المنتجات والتسعير والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
ويشير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن البيانات يمكن أن تكون مصدرًا للقيمة الاقتصادية والاجتماعية، لكن تحويلها إلى قيمة لا يعني بالضرورة أن المنافع الناتجة عنها موزعة بالتساوي بين الأطراف المختلفة.
ومن هنا يصبح اقتصاد البيانات أكبر بكثير من سؤال: كم تساوي بياناتي؟
السؤال يمتد إلى معرفة من ينتج البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يمتلك القدرة على تحليلها، ومن يحول نتائجها إلى منتج أو خدمة، ومن يحصل في النهاية على العائد الاقتصادي.
ومع توسع الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية هذه الأسئلة، بعدما أصبحت البيانات أحد المدخلات الأساسية للاقتصاد الرقمي، بدل أن تكون مجرد أثر جانبي لاستخدام الخدمات الرقمية.
ويقول هاني البطش، في ختام حديثه للجزيرة نت، حول الموازنة بين حماية المستخدم والقيمة الاستثمارية للبيانات: “يجب ألا ننظر إلى الموضوع دائما من زاوية سلبية، فهناك استخدامات مشروعة للبيانات لتحسين الخدمات والأمن وتجربة المستخدم”.
ويضيف: “لكن التحدي الحقيقي هو الشفافية وضمان معرفة المستخدم لما يُجمع عنه وكيف يُستخدم. باختصار: البيانات هي المادة الخام، والذكاء الاصطناعي هو المصنع الذي يحولها إلى معرفة وتوقعات وقيمة اقتصادية”.
اقتصاد البيانات في أرقام
294.6 مليار دولار: إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في الولايات المتحدة عام 2025.
13.9%: نمو إيرادات الإعلان الرقمي الأمريكي خلال 2025.
8.19 مليارات دولار: حجم سوق الإعلان الرقمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2025.
17.8%: نمو سوق الإعلان الرقمي في المنطقة خلال 2025.
1.7 مليار دولار: مساعدات أمريكية مقررة لأوغندا على مدى 5 سنوات مقابل بيانات صحية، وفق تحقيق بروبابليكا.
7 سنوات: مدة الوصول الأمريكي إلى 9 أنظمة بيانات صحية أوغندية، وكذلك مدة الوصول إلى السجلات الصحية التي وافقت كينيا على إتاحتها.
1.6 مليار دولار: قيمة المساعدات المرتبطة باتفاق البيانات الصحية مع كينيا.
الخلاصة.
لا توجد بورصة عالمية تضع سعرًا موحدًا لبيانات الفرد، لأن قيمتها لا تتحدد بالمعلومة منفردة، وإنما بما يمكن أن ينتج عنها عند جمعها وربطها وتحليلها واستخدامها.
ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم هو كم تساوي بيانات الفرد، بل كيف تتحول هذه البيانات إلى قيمة اقتصادية، ومن يمتلك القدرة على استخراج تلك القيمة، ومن يحصل على العائد الناتج عنها.
ومع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، تصبح قواعد الوصول إلى البيانات واستخدامها وتقاسم المنافع الناتجة عنها جزءًا من قواعد الاقتصاد الرقمي نفسه.


