قد يبدو إعلان وظيفة على منصة شهيرة مثل LinkedIn أو Indeed فرصة حقيقية للباحثين عن عمل، خصوصًا عندما ينشره حساب يقدم صاحبه نفسه باعتباره مسؤول توظيف أو موظفًا في إدارة الموارد البشرية بإحدى الشركات الكبرى. لكن وجود الإعلان على منصة معروفة لا يعني بالضرورة أن الوظيفة متاحة فعلًا أو أن صاحب الإعلان يبحث عن موظفين في الوقت الحالي.

وتنتشر على منصات التوظيف منشورات تحمل عناوين من نوع “وظائف عاجلة”، وتعرض رواتب مرتفعة وفرصًا للعمل في أوروبا ودول الخليج، ثم تطلب من المهتمين إرسال سيرهم الذاتية عبر التعليقات أو الرسائل الخاصة. وفي بعض الحالات، قد ينتظر المتقدم طويلًا دون أن يتلقى أي رد، فيما قد يكتشف آخرون سريعًا أن الإعلان لم يكن مرتبطًا بفرصة توظيف حقيقية.

ما هي الوظائف الشبحية؟

يطلق مصطلح “الوظائف الشبحية” على إعلانات تبدو حقيقية، لكن الجهة التي نشرتها لا تكون لديها نية فعلية لشغل الوظيفة في الوقت الراهن. وتظهر هذه الممارسة لدى بعض الشركات، خصوصًا المؤسسات الكبرى والقطاعات المتخصصة، لأسباب متعددة لا ترتبط بالضرورة بالاحتيال.

وقد تستخدم الشركات هذه الإعلانات لبناء قاعدة مستمرة من المرشحين والاحتفاظ بالسير الذاتية، بحيث يمكنها العودة إلى المتقدمين عند ظهور حاجة فعلية للتوظيف، بدلًا من إطلاق حملة جديدة في كل مرة.

وفي بحث أكاديمي حمل عنوان “لماذا أصبح العثور على وظيفة صعبًا إلى هذا الحد الآن؟”، خلص الباحث هانتر إن جي إلى أن ما يصل إلى 21% من إعلانات الوظائف التي شملتها البيانات التي حللها حملت مؤشرات مرتبطة بالوظائف الشبحية.

وفي الحالات التي تناولها البحث، كانت الشركات تنشر الوظائف وتتلقى طلبات المتقدمين، لكنها لا تتواصل مع أي منهم، وهو ما قال الباحث إنه يؤدي إلى “إرهاق كبير لدى الباحثين عن عمل وتشويه إشارات سوق العمل”.

لماذا تنشر الشركات وظائف لا تبحث عن شاغلين لها؟

توجد عدة أسباب محتملة وراء نشر شركات حقيقية لإعلانات وظائف لا تخطط لشغلها فورًا، من بينها جمع السير الذاتية وبناء قاعدة من المرشحين المحتملين للمستقبل، والتعرف على المهارات المتوافرة في سوق العمل.

وقد تستخدم الشركة الإعلان أيضًا لقياس حجم ونوعية المواهب المتاحة، وتحويل عملية التوظيف إلى وسيلة للحصول على صورة عن سوق العمالة والمهارات الموجودة فيه.

ومن بين الأسباب الأخرى:

  • جذب التفاعل إلى منشورات الشركة، إذ تحظى إعلانات الوظائف بتفاعل كبير ويمكن أن تمنح الشركة حضورًا وتسويقًا مجانيًا.
  • إنشاء قائمة من المرشحين يمكن الرجوع إليها مستقبلًا عند توفر وظائف فعلية.
  • إظهار أن الشركة في حالة نمو وتوسع، وهو ما قد يرسل أيضًا إشارات إلى الموظفين الحاليين بشأن التغييرات المحتملة في هيكل الفريق.
  • جمع عدد كبير من طلبات التوظيف لإظهار استقطاب مجموعة متنوعة من المرشحين، رغم وجود مرشح داخلي للوظيفة بالفعل.
  • البحث عن أصحاب المواهب الاستثنائية حتى في حال عدم وجود وظيفة فورية تناسبهم.
  • تغير ظروف الشركة أو تجميد الوظيفة بعد نشر الإعلان، مع بقاء الإعلان منشورًا.
  • إعادة نشر الإعلان تلقائيًا من منصة إلى أخرى دون أن تكون الشركة على علم باستمراره.

عندما يتحول الإعلان إلى احتيال.

لكن الوظيفة غير المتاحة ليست بالضرورة وظيفة شبحية؛ فبعض الإعلانات تكون جزءًا من عمليات احتيال تستهدف الباحثين عن عمل مباشرة.

ومن الأمثلة على ذلك شركة أسترالية صغيرة تحمل اسم “هوريزون”، بدأت في منتصف عام 2025 نشر إعلانات عن وظائف برواتب مجزية، واشترطت في المتقدمين خبرات سابقة في مجالات مثل الدفاع والتجارة والسياسة.

ولاحقًا، أعلنت وكالة الاستخبارات الأمريكية أن الموقع الإلكتروني المرتبط بتلك الإعلانات كان موقعًا مزيفًا ينتحل اسم الشركة الحقيقية، وتمت مصادرته، إلى جانب 12 شركة أخرى استخدمت أساليب مشابهة، تضمنت أسماء مستعارة وهويات مؤسسية مسروقة وصورًا مولدة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لجعل الإعلانات تبدو حقيقية وجذابة.

وتتضمن أبرز العلامات التي قد تكشف الوظائف الاحتيالية طلب إرسال السيرة الذاتية عبر التعليقات أو الرسائل الخاصة، أو التواصل من عناوين بريد إلكتروني شخصية بدلًا من حسابات الشركة الرسمية.

كما تشمل مؤشرات الخطر طلب بيانات شخصية وحساسة في وقت مبكر من عملية التوظيف، مثل رخصة القيادة أو رقم الضمان الاجتماعي أو بيانات الحساب المصرفي أو معلومات مرتبطة بالوظائف السابقة.

أشكال الاحتيال الوظيفي.

ووفق الموقع الرسمي للجنة التجارة الفدرالية الأمريكية، تتخذ عمليات الاحتيال التي تستهدف الباحثين عن عمل أشكالًا متعددة.

ومن بينها إعلانات لوظائف مرتبطة بشركات غير موجودة أصلًا، أو انتحال هوية أصحاب عمل حقيقيين لديهم مواقع رسمية والإعلان باسمهم عن وظائف غير موجودة.

كما تشمل عمليات الاحتيال عروض العمل من المنزل التي تستغل حاجة الباحثين عن عمل، من خلال إغرائهم برواتب مرتفعة ثم دفعهم إلى شراء دورات وهمية أو دفع رسوم لبدء العمل، وقد تصل بعض الحالات إلى محاولة سرقة بيانات بطاقات الائتمان.

وهناك أيضًا احتيال شركات التوظيف، حيث تتلقى جهات غير حقيقية أموالًا مقابل خدمات توظيف غير موجودة، إضافة إلى عمليات تستهدف استقطاب أشخاص بهدف الحصول على معلومات حساسة منهم مقابل أموال لصالح جهات خارجية.

كيف تحمي نفسك من الوظائف الوهمية؟

يمكن للباحث عن عمل اتخاذ عدد من الخطوات قبل التفاعل مع إعلان مشبوه أو إرسال بياناته الشخصية.

ومن أهم الإجراءات البحث عن اسم الشركة أو الشخص الذي يقدم نفسه باعتباره مسؤول التوظيف عبر الإنترنت، وإضافة كلمات مثل “احتيال” أو “نصب” أو “شكوى” أو “بلاغ” إلى عملية البحث، للتأكد من عدم وجود شكاوى أو تحذيرات مرتبطة به.

كما يمكن الاستعانة بشخص أكثر خبرة في المجال المهني الذي يرغب المتقدم في العمل فيه للحصول على رأي مستقل بشأن العرض أو الجهة المعلنة.

وفي جميع الحالات، ينبغي عدم دفع أي أموال مقابل وعد بالحصول على وظيفة، مع الإبلاغ عن الحسابات أو الملفات المزيفة والمخالفة فور التأكد من وجود مؤشرات على سلوك مخادع.

والقاعدة الأهم للباحثين عن عمل هي أن وجود الإعلان على منصة توظيف معروفة لا يكفي وحده لإثبات أن الوظيفة حقيقية أو أنها ما تزال متاحة؛ لذلك يبقى التحقق من هوية الشركة ومسؤول التوظيف وطبيعة العرض خطوة أساسية قبل مشاركة البيانات الشخصية أو المالية.