إلى أي حد يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعرف شخصًا ما بحيث يتوقع قراراته وتصرفاته في مواقف لم يختبرها من قبل؟ هذا السؤال دفع باحثين من جامعة كولومبيا الأميركية إلى بناء “توائم رقمية” لأشخاص حقيقيين، في تجربة أظهرت أن جمع كميات ضخمة من المعلومات عن الإنسان لا يجعل النموذج قادرًا بالضرورة على محاكاة شخصيته وسلوكه بدقة.
وشملت الدراسة، المنشورة في دورية Science Advances، نحو 1800 مشارك، طُلب من كل منهم الإجابة عن أكثر من 500 سؤال تناولت جوانب متعددة من شخصياتهم، وقدراتهم المعرفية، وتفضيلاتهم الاقتصادية، وانحيازاتهم، إضافة إلى بيانات ديموغرافية واجتماعية.
حوّل الباحثون هذه البيانات إلى مدخلات لنموذج لغوي كبير، بهدف إنشاء نسخة رقمية تحاكي كل مشارك. وبعد بناء هذه النسخ، أخضعوا الأشخاص الحقيقيين و”توائمهم” لسلسلة جديدة من الاختبارات لم تكن ضمن الأسئلة الأصلية، وشملت 19 مجموعة من المهام تضمنت 164 إجابة وسلوكًا، لاختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على توقع ما قد يفعله الأشخاص في مواقف جديدة.
لكن كثافة المعلومات التي حصل عليها النموذج لم تحدث الفارق المتوقع.
فعندما زُوّد النموذج بكل البيانات التي جُمعت عن المشاركين، حصل على درجة 0.748 في مقياس مقارنة الإجابات البشرية بإجابات النسخ الرقمية. وفي تجربة أخرى، لم يحصل النموذج إلا على 14 معلومة ديموغرافية أساسية لكل شخص، ومع ذلك بلغ أداؤه 0.746، وهي نتيجة تكاد تقترب من النموذج الذي امتلك مئات المعلومات.
أما النموذج الذي لم يتلق أي معلومات شخصية عن المشاركين، فسجل بدوره 0.734.
وتشير هذه النتائج إلى أن الكم الهائل من البيانات الشخصية لم يمنح النموذج قدرة أكبر بصورة واضحة على إعادة إنتاج السلوك الفردي مقارنة بما حققه اعتماد معلومات أساسية فقط.
الذكاء الاصطناعي لا يرى الفروق كما يراها البشر.
ظهرت مشكلة أخرى أكثر وضوحًا عندما قارن الباحثون مدى تنوع إجابات البشر بتنوع إجابات نسخهم الرقمية.
فمن بين 164 مؤشرًا جرى اختبارها، كانت إجابات النماذج الرقمية أقل تنوعًا من إجابات البشر في 154 مؤشرًا. وبمعنى آخر، اتجه الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج نسخ أكثر تشابهًا وأقل اختلافًا من الأشخاص الذين يفترض أنه يحاكيهم.
وبدل التقاط الخصائص الدقيقة التي تجعل كل شخص مختلفًا عن الآخر، مال النموذج إلى الاعتماد على سمات عامة، مثل العمر والتعليم والدخل والآراء، ثم التعامل مع الشخص باعتباره جزءًا من مجموعة تحمل خصائص مشتركة.
وهذا يعني أن “التوأم الرقمي” قد يبدو في بعض الحالات شبيهًا بالنمط العام للشخص، لكنه لا يلتقط بالضرورة التفاصيل التي تصنع قراراته الفردية.
حتى أخطاء البشر كانت مشكلة للنموذج.
كشفت التجربة عن مفارقة أخرى: تفوق الذكاء الاصطناعي في بعض الاختبارات لم يكن دائمًا عاملًا مساعدًا في تقليد البشر.
فالإنسان قد يرتكب أخطاء، ويتأثر بانحيازاته، ويتخذ قرارات غير منطقية، بينما يميل النموذج في بعض الحالات إلى اختيار الإجابة الأكثر عقلانية أو صحة.
وبالتالي، فإن محاولة بناء نسخة رقمية دقيقة من شخص لا تتطلب فقط معرفة ما يعرفه ذلك الشخص، وإنما أيضًا معرفة ما يجهله، وكيف يخطئ، وما التحيزات التي تؤثر في قراراته، وحتى التناقضات التي قد تظهر في سلوكه.
وأظهرت المقارنة كذلك أن النسخ الرقمية كانت أكثر ثقة بالتكنولوجيا من المشاركين الحقيقيين، كما أبدت قبولًا أكبر لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم المتقدمين للوظائف، وكانت أقل حساسية تجاه المخاوف المتعلقة باستخدام بيانات الأشخاص على الإنترنت لإنشاء ملفات تعريفية عنهم.
“توأم رقمي” أم صورة عامة عن الإنسان؟
لا تعني نتائج الدراسة أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن التعرف إلى الأنماط السلوكية لدى البشر، لكنها تشير إلى وجود فجوة بين معرفة الخصائص العامة لشخص ما وبين القدرة على توقع سلوكه الفردي في موقف جديد.
وهذه الفجوة تصبح أكثر أهمية كلما كان الهدف هو محاكاة إنسان بعينه، لا مجرد توقع السلوك الأكثر شيوعًا لدى مجموعة ينتمي إليها.
ويرى الباحثون أن تطوير توائم رقمية أكثر دقة قد يفتح المجال أمام تطبيقات في الدراسات الاجتماعية والنفسية وأبحاث سلوك المستهلكين، لكن النتائج الحالية تضع حدودًا واضحة لهذه الفكرة.
فبدل أن يكون التوأم الرقمي نسخة مطابقة لصاحبه، تبدو النماذج الحالية أقرب إلى صورة تعكس بعض ملامح الإنسان، لكنها تسوي كثيرًا من الاختلافات الفردية وتعيد تشكيلها وفق الأنماط التي تعلمتها.
ولهذا خلصت الدراسة إلى أن “التوأم الرقمي” في صورته الحالية أقرب إلى “مرآة مشوهة” للإنسان منه إلى نسخة رقمية حقيقية عنه.


