كتب : محمد جعفر.
عمرو موسى، الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربي.
مع بلوغه عامه التسعين، يحتفل الدبلوماسي المصري عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، بعيد ميلاده اليوم، وسط استعادة لمسيرة امتدت لنحو 7 عقود، كان خلالها حاضرًا في محطات بارزة من تاريخ الدبلوماسية المصرية والعربية، وشاهدًا على تحولات سياسية كبرى شهدتها المنطقة والعالم.
ملامح صنعت حضورًا مختلفًا
لم يتوقف حضور عمرو موسى عند كونه دبلوماسيًا ينتقل بين العواصم أو يشارك في المؤتمرات الدولية، إذ ارتبط اسمه على مدى أكثر من أربعة عقود بمدرسة خاصة في الإدارة السياسية والخطاب العام، وساعدت ملامحه الصارمة ونظارته الشهيرة ونبرة صوته المميزة في ترسيخ صورته كأحد أبرز وجوه الدبلوماسية المصرية والعربية.
وُلد عمرو محمود موسى في 3 أكتوبر عام 1936 في القاهرة، أما جذور الأسرة فتعود إلى قرية بهادة بالقناطر الخيرية، مسقط رأس والده محمود موسى، الذي كان نائبًا في البرلمان عن حزب الوفد خلال أربعينيات القرن الماضي.
وفرت البيئة العائلية التي نشأ فيها موسى اتصالًا مبكرًا بعالم السياسة، فقد تربى داخل أسرة أرستقراطية صاحبة تاريخ سياسي، وهو ما أتاح له التعرف على لغة السياسة ومتابعة كواليس الحكم منذ الصغر، كما منحته نشأته في أوساط الطبقة الوسطى العليا والأرستقراطية الريفية ثقة ثابتة بالنفس وطابعًا حاسمًا.
من الحقوق إلى الخارجية
كانت جامعة القاهرة بوابة موسى الأكاديمية، بعدما التحق بكلية الحقوق وتخرج فيها عام 1957، في مرحلة كانت مصر تعيد خلالها تشكيل هوية مؤسساتها بعد ثورة 1952، وبمجرد اجتياز اختبارات وزارة الخارجية، وبدأ مسيرته الدبلوماسية بالوزارة عام 1958.
بين جنيف والفليبين والهند، تنقل عمرو موسى خلال سنوات عمله الأولى في عدد من المواقع الدبلوماسية، فعمل بالبعثة المصرية لدى الأمم المتحدة في جنيف، ثم مستشارًا في الفليبين، قبل أن يصبح سفيرًا لمصر لدى الهند خلال الفترة من 1983 إلى 1986، حيث صقل خبرته في ملفات دول عدم الانحياز وإشكاليات العالم النامي.
محطة الأمم المتحدة
ومع حلول عام 1990، انتقل موسى إلى واحدة من أبرز محطات مسيرته الدبلوماسية، بعدما أصبح مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وهناك اكتسب شهرة دولية واسعة، خاصة خلال أزمة الخليج الثانية وحرب تحرير الكويت، وبرز كمحاور صلب يجيد التعامل مع وسائل الإعلام والتوازنات الدولية في مرحلة اتسمت بأحادية القطبية.
عقد كامل على رأس الخارجية
وعقب هذه المرحلة، اختار الرئيس الأسبق حسني مبارك عمرو موسى في عام 1991 لتولي منصب وزير الخارجية، خلفًا للدكتور عصمت عبد المجيد، ليستمر في موقعه حتى عام 2001، وجاءت سنواته العشر في الوزارة بالتزامن مع تحولات سياسية متسارعة، شملت تداعيات حرب الخليج وتطورات القضية الفلسطينية ومفاوضات السلام في الشرق الأوسط، إلى جانب العلاقات المصرية العربية والدولية.
برزت مواقف موسى بصورة خاصة عند تناوله السياسات الإسرائيلية في المنطقة، إذ اتسم أداؤه خلال وزارة الخارجية بالوضوح والندية، وكان من بين مواقفه رفض التوقيع على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي دون انضمام تل أبيب إليها، إلى جانب سجالاته العلنية مع مسؤولين إسرائيليين حول عملية السلام وبناء المستوطنات.
شعبية لافتة في الشارع
لم تبقَ مواقف وزير الخارجية آنذاك داخل دوائر السياسة والدبلوماسية، بل أكسبته شعبية واسعة في الشارع المصري والعربي، حتى أصبحت شعبيته ظاهرة لافتة بالنسبة لوزير خارجية، وقورنت بشعبية نجوم الفن والرياضة، وتجسد ذلك في الأغنية الشعبية الشهيرة آنذاك “بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل”.
الانتقال إلى الجامعة العربية
وبعد عقد في وزارة الخارجية، انتقل موسى عام 2001 إلى جامعة الدول العربية، بعدما اختير أمينًا عامًا لها، ليقضي في المنصب 10 سنوات، وشكلت هذه المرحلة امتدادًا لحضوره الدبلوماسي، وأصبح خلالها أحد أبرز الأصوات الدبلوماسية العربية في المحافل الإقليمية والدولية.
اتسمت سنوات موسى في الأمانة العامة للجامعة العربية بكثافة الأحداث التي شهدتها المنطقة والعالم، بدءًا من هجمات 11 سبتمبر، مرورًا بالحرب على العراق عام 2003 وحرب لبنان عام 2006، وصولًا إلى تطورات القضية الفلسطينية والنزاعات العربية الداخلية، بالتوازي مع جهود تعزيز العمل العربي المشترك ومبادرات الإصلاح والتكامل الاقتصادي العربي.
العودة إلى السياسة المصرية ولجنة الخمسين
لم تكن نهاية مهمته في جامعة الدول العربية عام 2011 نهاية حضوره في الحياة العامة، إذ عاد موسى إلى المشهد السياسي المصري، وشارك في التطورات التي شهدتها البلاد عقب أحداث يناير 2011، وفي العام التالي، خاض الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2012، مواصلًا حضوره السياسي بعد سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي.
أما عام 2013، فشهد تولي عمرو موسى رئاسة لجنة الخمسين لتعديل الدستور المصري، في واحدة من أبرز محطات مسيرته بعد مغادرة جامعة الدول العربية، وتولت اللجنة إعداد تعديلات دستورية خلال مرحلة سياسية دقيقة من تاريخ البلاد، بينما قاد موسى أعمالها وأدار النقاشات بين التيارات المختلفة.
بعيدًا عن المناصب الرسمية، اتجه موسى إلى الكتابة والتوثيق وإبداء الرأي في القضايا السياسية والعربية والدولية، محافظًا على حضوره في المجال العام، وسجل جانبًا كبيرًا من تجربته الدبلوماسية والسياسية في مؤلفاته وكتاباته، التي تناول فيها شهادته على أحداث وقرارات مهمة عاصرها خلال سنوات عمله.
وجاءت مذكراته الشهيرة “كتابيه” ضمن هذا المسار التوثيقي، بعدما تفرغ للكتابة وتسجيل جانب من تجربته الطويلة، وهكذا امتدت رحلة عمرو موسى لنحو 7 عقود، تنقل خلالها بين وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية، ومندوبية مصر لدى الأمم المتحدة، والأمانة العامة لجامعة الدول العربية، ثم العمل السياسي ورئاسة لجنة الخمسين.


