تبدو إيران وأمريكا عالقتين في مسار تفاوضي “بالغ الصعوبة”، رغم تأكيد الطرفين “علنا” تفضيل الحل الدبلوماسي على استمرار الحرب، إذ أنه على مدى الأشهر والسنوات الأخيرة، انتهت جولات تفاوضية مُتكررة إلى “تصعيد عسكري”، فيما انهارت مذكرة التفاهم التي وُقعت في يونيو سريعا، لتعود الخلافات بشأن شروط التسوية وطبيعة الترتيبات المطلوبة إلى الواجهة.

وتزداد صعوبة الوصول إلى تفاهم بين واشنطن وطهران بسبب “اختلاف الطرفين ليس فقط حول مضمون أي اتفاق مُحتمل، وإنما أيضا حول الإطار الزمني للتفاوض وطريقة إدارته”، حيث مع تصاعد الشكوك والضغوط السياسية الداخلية لدى الجانبين، أصبحت فرص استئناف القتال مرتبطة بدرجة كبيرة بـ”مدى قدرة المساعي الدبلوماسية الحالية على تجاوز نقاط الخلاف”، وفق تحليل نشره موقع “أكسيوس” الأمريكي.

اختلاف في الحسابات والوقت

يقول باراك رافيد، في تقريره المنشور عبر “أكسيوس”، إن جذور المأزق الحالي تعود إلى “اختلافات جوهرية في النظرة إلى الزمن والتفاوض والحسابات السياسية”.

فبينما يُريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التوصل إلى “اتفاق سريع” يُمكن تقديمه باعتباره “إنجازا سياسيا”، تتعامل طهران مع المفاوضات باعتبارها “مسارا طويلا يسمح لها بالمماطلة وكسب الوقت”، وهو ما يجعل الطرفين يدخلان كل جولة تفاوضية بتوقعات مختلفة بشأن السرعة والنتائج.

ويستشهد رافيد بتحليل كريم سجادبور، الباحث في مؤسسة “كارنيغي للسلام الدولي”، الذي وصف الفارق بين الطرفين بقوله إن “ترامب يُعاني من تشتت الانتباه، وإيران تُعاني من الوسواس القهري”.

وكان ترامب قد منح المفاوضات، في أبريل 2025، مُهلة مُدتها 60 يوما، بينما جاءت محادثات فبراير 2026 “أقصر”، واستمرت نحو 3 أسابيع، الأمر الذي زاد صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل خلال فترة زمنية محدودة.

اتفاق كبير أم تسوية محدودة؟

بحسب “أكسيوس”، يسعى ترامب إلى “اتفاق واسع يُعيد رسم طبيعة العلاقة بين أمريكا وإيران ويترك بصمة سياسية واضحة”، في حين تميل طهران إلى “صيغة أكثر محدودية وعملية وأقل ظهورا على المستوى العلني، مع تفضيل الوصول إليها من خلال قنوات غير مباشرة”.

ويرى سجادبور، أن الثقافة السياسية الإيرانية تتعامل بصورة “سلبية” مع تقديم التنازلات، في الوقت الذي لم يُبدِ فيه القادة الإيرانيون استعدادا للقاء ترامب بصورة مباشرة.

ويعكس ذلك اختلافا “أعمق” في تعريف الهدف من المفاوضات؛ فواشنطن تسعى إلى “تسوية أوسع نطاقا”، بينما تنظر طهران إلى أي تفاهم مُحتمل باعتباره “أشبه بهدنة يُمكن إعادة التفاوض حولها”.

انعدام الثقة يُهدد أي تفاهم

يُحدد رافيد، انعدام الثقة باعتباره “أحد أبرز العوائق التي تقف أمام استئناف المفاوضات وإبرام اتفاق قابل للاستمرار”.

ففي طهران، يعتقد مسؤولون إيرانيون أن أمريكا استخدمت المسار التفاوضي “غطاء للتحضير لهجمات مُفاجئة”، فيما تقول إيران إن “ترامب خدعها مرتين بعدما شنت واشنطن هجمات خلال فترات كانت فيها الاتصالات والمفاوضات جارية”.

وفي المقابل، تتهم واشنطن نظيرتها طهران بـ”انتهاك مذكرة يونيو”، بعد مُهاجمة سفن في مضيق هرمز، كما يُشكك مسؤولون أمريكيون في قدرة المفاوضين الإيرانيين على ضمان التزام الحرس الثوري وأطراف أخرى داخل النظام بأي اتفاق يتم التوصل إليه مع الحكومة.

ضغوط داخلية على طرفي التفاوض

لا تقتصر العقبات على الخلافات بين واشنطن وطهران، إذ يواجه مُؤيدو الاتفاق داخل إيران ضغوطا وانتقادات تدفع بعضهم إلى “تبني مواقف أكثر تشددا”، في وقت تتعرّض فيه أي محاولة لتقديم تنازلات لـ”انتقادات سياسية داخلية”.

وفي الولايات المتحدة، يواجه ترامب وفريقه ضغوطا من “التيار اليميني” الذي يُعارض أي تسوية يعتبرها “تنازلا أمام إيران”، في حين يُمكن أن يتعرّض الرئيس الأمريكي لانتقادات من “اليسار” إذا جاءت الصفقة مُشابهة للاتفاق النووي المُبرم عام 2015، أو إذا أعادت العلاقات إلى الوضع الذي سبق اندلاع الحرب، وفق “أكسيوس”.

فريق ترامب يتمسك بالدبلوماسية

رغم هذه الضغوط، لا يزال المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ونائب الرئيس جيه دي فانس، “مِن بين أبرز المسؤولين الداعمين لاستمرار المسار الدبلوماسي”، بينما يبدو ترامب نفسه “أكثر تشككا” في إمكانية تحقيق نتيجة نهائية عبر التفاوض.

ونقل “أكسيوس”، عن ترامب قوله لمجلة “تايم”، إن ما تستعد إيران لتقديمه “غير كافٍ”، وإنه لا يعتقد بإمكانية تحقيق السلام مع طهران، في وقت جدد فيه التفكير في استئناف العمليات العسكرية بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

وتأتي هذه التصريحات بينما لا تزال “الوساطات الإقليمية” تُحاول إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الطرفين، رغم اتساع الفجوات بشأن الملفات الرئيسية محل التفاوض.

طهران تتمسك بالحوار

وفي المقابل، دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، عن “استمرار الحوار”، مؤكدا أن بلاده لم تهرب من التفاوض ولن تهرب منه.

لكن هذا الموقف لا يحظى، وفق “أكسيوس”، بإجماع داخل المؤسسات الإيرانية، إذ يرى مسؤولون آخرون، ولا سيما داخل الحرس الثوري، أن إنهاء الحرب يتطلب “رفع مستوى الكلفة التي تتحملها أمريكا وحلفاؤها في الميدان”، بما قد يدفع واشنطن إلى “تقديم تنازلات أكبر على طاولة التفاوض”.

شبح عودة الحرب

يُخلص رافيد، إلى أن استمرار التصعيد، إلى جانب استعداد إيران للبقاء في حالة حرب لفترة غير محددة، “يزيد المخاطر المُحيطة بفشل الجولة الحالية من المفاوضات، خصوصا إذا ظلت الخلافات المتعلقة بالمواعيد والضمانات وطبيعة الاتفاق من دون حل سياسي يُمكن تنفيذه فعليا”.

وبحسب هذا التقييم، فإن فشل الجهود الدبلوماسية الحالية لن يعني فقط توقف جولة جديدة من المفاوضات، وإنما “قد يُزيد احتمالات العودة إلى العمليات العسكرية”، في ظل استمرار انعدام الثقة واتساع الفجوة بين ما تُريده واشنطن وما تستعد طهران لقبوله.

استراتيجية إيرانية طويلة الأمد

وفي قراءة أوسع للموقف الإيراني، كتب محمد آية اللهي طبار، الأستاذ المُشارك في الشؤون الدولية بكلية بوش للحكومة والخدمة العامة في جامعة تكساس إيه آند إم، في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز”، أن إيران تتبنى استراتيجية تجاه أمريكا تقوم على “التصعيد والهجمات المستمرة”.

ويرى طبار، أن النظام الإيراني واضح بشأن “هدفه الأساسي”، والمُتمثل، بحسب تحليله، في “إخراج جميع القوات الأمريكية من المنطقة”، وأنه مُستعد للبقاء في حالة حرب إلى “أجل غير مُسمى” لتحقيق هذا الهدف.

ويُقدم هذا الطرح “تفسيرا” لسبب استمرار طهران في الجمع بين المشاركة في المفاوضات والاستعداد لمواصلة المواجهة العسكرية، بدلا من التعامل مع أي اتفاق باعتباره “تسوية نهائية للنزاع”.

نافذة الدبلوماسية تحت مظلة الحشد العسكري

تأتي التحركات السياسية الأخيرة بعد دخول المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران شهرها الثامن؛ إثر انهيار “مذكرة التفاهم” المُوقّعة في يونيو الماضي سريعا.

ويتزامن المسار التفاوضي الحالي مع حشد عسكري أمريكي “غير مسبوق” في الشرق الأوسط، حيث تستعد واشنطن لنشر مجموعتها البحرية الضاربة الثالثة (حاملة الطائرات المرافقة لـ “بوش” و”واشنطن”)، ورفع عديد قواتها في المنطقة بآلاف الجنود.

وفيما يلوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخيارات “الحسم العسكري”، مراهنا على تراجع القدرات الإيرانية بفعل الحصار البحري والعقوبات المُوسّعة، تتمسك طهران بمقترح “التسوية المشروط بإنهاء الحصار ورفع العقوبات”.

ويظل مضيق هرمز ساحة “الكباش الأبرز”، حيث تُواصل إيران التلويح بإغلاقه حتى تلبية شروطها السبعة، وسط ضغوط غربية وأوروبية مُتزايدة للحد من قفزات أسعار الطاقة العالمية الناتجة عن تعطل حركة الملاحة واستهداف السفن التجارية.