تعاني أوروبا من أزمة طاقة متزايدة مع اقتراب فصل الشتاء، حيث تراجعت مخزونات الغاز الطبيعي إلى أدنى مستوياتها منذ 17 عامًا، مما يضع الحكومات أمام خيار صعب: شراء الغاز بأسعار مرتفعة الآن أو مواجهة نقص حاد في الإمدادات مع زيادة الطلب على التدفئة

تتزامن هذه الضغوط مع استمرار تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية على إمدادات الطاقة، حيث أدت العقوبات المفروضة على موسكو إلى قيود صارمة، مما دفع دولًا مثل ألمانيا للبحث عن بدائل مثل الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. ومع ذلك، لم تحل هذه الاستراتيجية الأزمة، بل زادت من المنافسة مع الأسواق الآسيوية، خاصة مع تعطل إمدادات الغاز من قطر.

تفاقمت الأوضاع بسبب موجات الحر التي اجتاحت غرب أوروبا خلال الصيف، مما زاد من الطلب على الكهرباء لتشغيل أجهزة التبريد، وقلل من الوقت المخصص لتخزين الغاز استعدادًا لفصل الشتاء. كما أن التوترات في الشرق الأوسط، خصوصًا في مضيق هرمز، زادت من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات، مع توقعات بارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية.

تشير التقديرات إلى أن أسعار الغاز قد تتجاوز 60 يورو لكل ميجاواط/ساعة خلال الخريف، مما سيساهم في زيادة معدلات التضخم التي قد تصل إلى أكثر من 4% في 2026، مع تسجيل زيادات سنوية في المكونات الطاقوية تتراوح بين 9 و10%. يعترف المسؤولون الأوروبيون بأن تداعيات أزمة هرمز تجاوزت التوقعات، وأن البدائل المتاحة لا تكفي لتلبية الفجوة بين العرض والطلب.

يعتبر المحللون أن الحل الأمثل هو تعزيز التخزين الاستراتيجي قبل نوفمبر، إما من خلال تدخل حكومي يلزم الشركات بتسريع عمليات الشراء، أو من خلال ترك السوق تعمل بحرية، مع العلم أن كلا الخيارين يحمل مخاطر كبيرة. يخشى الخبراء من تكرار سيناريو 2022، عندما أدى نقص الغاز إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو الاقتصادي، خاصة مع عدم توفر إمدادات إضافية من المشاريع الأمريكية الجديدة قبل عام أو عامين على الأقل.

في ظل هذا المشهد المعقد، تدرك أوروبا أن أمنها الطاقوي مرتبط بعوامل جيوسياسية ومناخية خارجة عن السيطرة، وأن الأسعار المرتفعة للغاز ستظل تشكل عبئًا على الأسر والصناعات، ما لم تظهر حلول سريعة وجذرية لتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية.