أشعر وأنا أكتب هذا العنوان أنني أسأت فيه إلى الأستاذ، لكني منذ أمس أحاول إنتقاء ما بعد “في”، لأنني ما كنت أحب أبدا أن يكون “الأستاذ في ورطة”، ثم أي ورطة تلك التي يمكن أن يقع فيها الأستاذ!، ألم يعلمنا أنه ليس هناك مشكلة بدون حل، ألم يكن دائما معه مفتاح كل لغز؟ ألم يكن يمر على الصعب وكأنه عاديا ويحقق المستحيل الذي كنا نتخيله وكأنه ممكنا دون جهد!.
لم يحدثني الأستاذ عن شئ، فقط وجدت ابتسامته غائبة ونظراته خائرة.. فسألت حوله وعرفت أن الأستاذ، الذي كان دائما يربط مركبه على شط الحياة، أبحر بها مضطرا لمنطقة الخطر.
لم يسرف الأستاذ يوما في أي شئ.. لم يورط حتى ذهنه في أي مناقشة خارج أغلفة الكتب، لم يتجاوز حدوده الآمنة، لم يهدر سطرا ويترك خاتمة جملة دون وضع نقطة فاصلة.. لم يستخدم استعارات ولا كنايات في حديثه بل كان مباشرا.
ابنة الأستاذ ضجرت من أجهزتها القديمة فأرادت استبدالها.. أشارت عليها زميلتها أن تشتري من إحدى التطبيقات.. وشراء تلا آخر وتطبيق أظهر آخر وغاصت قدماها في دين بات كرمال الصحراء، طاف الأستاذ باللوم على نساء عدة أشبه بشبكة كن يأخذن عمولة على كل متورطة جديدة.. أوقف الأستاذ الغرق لكنه بات عليه أن يدفع ثمن الإنقاذ حتى لا يضيع بيت ابنته.
استغنى عن “عكازه” حصل على قرض بضمان المعاش ولم يكف.. ولأول مرة يكون أمامه سؤال لا يملك إجابته: من أين؟.
حينما علمت من دائرته المقربة، ظننت أن الأمر سهلا، أرسلت لعدد من تلاميذه، ممن فتح الله عليهم وبالقسمة عليهم سيكون الأمر بسيطا جدا، لكن الأمر لم يعد كما كان وكما تصورت.
لم يعد هناك حتى ولو ذكرى في الفصل إلا لدى القليل جدا، نزلت إلى حوش المدرسة وجدته فارغا وصدى صوت الجرس يرن ولا أحد يردد معي: قم للمعلم وفه التبجيلا.. جريت أنظر من على السور هنا وهناك وفي كل مكان.. لم يابه بي غير سيدة لا تعرفني ولا أعرفها، فقالت لي: هل عندك شئ؟ قلت لها الأستاذ في ورطة، فدخلت وجلست معي على “التختة”.
وإني لأدعو كل من كان طالبا يوما يعرف الأستاذ أو لا يعرفه.. فهو كلهم، وحشايا أن أذكر اسما فالمعرف لا يحتاج تعريفا.. وخاصة في هذا الظرف، هذه الحصة وإن جاءت بعد انتهاء اليوم الدراسي، لكنها حصة رد الجميل فلا يغيب أحد منكم عنها مهما كان حضوره قليلا.. فحبر القلم الذي علمنا النور لا ينبغي أن يجف غرقًا في ليل الهموم، والوفاء للأستاذ ليس منّة بل هو فرض عين.. فلتكن هذه الحصة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة، ولنرد بعض فضله ليبقى بيت الأستاذ كما كان دائمًا؛ قلعة للكرامة والأمان.
السبب أن ابنته دخلت في دين بعد شراء أجهزة من تطبيقات، فاضطر إلى تحمل ثمن الإنقاذ حتى لا يضيع بيتها
حصل على قرض بضمان المعاش لكنه لم يكف لتغطية ما ترتب عليه
حاول التواصل مع عدد من تلاميذه ممن تمكنوا ماديًا، لكنه وجد أن الأمر لم يعد كما كان وكما تصور


