شهدت جامعة الدول العربية، انطلاق فعاليات الاحتفال الرسمي بـ “يوم الوثيقة العربية” لعام 2026، والذي نظمته الأمانة العامة بالتعاون مع الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف (عربيكا)، واستُهلت الفعاليات بافتتاح معرض وثائقي حمل عنوان “فلسطين في الوثائق العربية”، والذي شهد مشاركة واسعة وفاعلة من عدد من الدول الأعضاء بالفرع الإقليمي العربي، شملت جمهورية مصر العربية، ودولة ليبيا، والجمهورية التونسية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة الأردنية الهاشمية، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، ودولة فلسطين.
وبدأت أعمال الجلسة الافتتاحية بعرض فيلم تسجيلي استعرض القيمة التاريخية والثقافية لمدينة يافا، مسلطًا الضوء على مسرح الحمرا وملامح الحياة اليومية والمحاولات الممنهجة لطمس الهوية والتاريخ الفلسطيني، وعقب عرض الفيلم، أُلقيت الكلمات الرسمية للجلسة الافتتاحية.
أكد السفير الدكتور فائد مصطفى، الأمين العام المساعد ورئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، أن الوثيقة العربية تُمثل إحدى القواعد الأصيلة التي ترتكز عليها هوية الأمم والشعوب، وشاهدًا حيًا على التاريخ وذاكرة للأجيال القادمة، مشيدًا بدور الوثائقيين والموثقين ومؤسسات الأرشيف العربية بوصفهم “حراس الذاكرة الوطنية وأمناء وثائقنا وتاريخنا”.
جاء ذلك خلال الكلمة التي ألقاها نيابة عن معالي الدكتور نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في فعاليات احتفالية “يوم الوثيقة العربية” التي نظمها الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف (عربيكا) بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة.
وأشار السفير فائد مصطفى إلى أن إحياء يوم الوثيقة العربية هذا العام يأتي في ظل مرور ثلاثة أعوام كاملة على الحرب الدامية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة وسائر الأراضي الفلسطينية، وما يرافقها من مجازر واستهداف ممنهج للوجود الفلسطيني، وأكد أن هذه المناسبة تُمثل فرصة سانحة لتسليط الضوء على القضية المركزية للأمة العربية، في مواجهة ذاكرة كاملة للشعب الفلسطيني تتعرض للتدمير الممنهج، والسرقة، والتزوير.
وشدد على أن جامعة الدول العربية تؤكد مجددًا على ضرورة إيلاء أهمية قصوى لجمع التراث الوثائقي الفلسطيني، ورقمنته، ونشره، وحمايته من الطمس والسرقة، مبينًا أن هذا الأمر لا يتطلب فقط إثارة القضية إعلاميًا، بل يستوجب وقفة حاسمة من مجتمع الأرشيفيين والوثائقيين في شتى أنحاء العالم.
وأضاف السفير مصطفى أن الصراع الفلسطيني لا يقتصر على الأرض وحدها، بل يمتد ليشمل التاريخ، والذاكرة، والهوية، والرواية؛ ليصل إلى أسوار المدن، والقرى، وملكية الأراضي، وسجلات السكان، والخرائط، والمخطوطات، والصور، والمكتبات، والآثار التي تثبت ارتباط الشعب الفلسطيني بأرضه واستمراره عليها. ولذلك، فإن حماية الأرشيف الفلسطيني ليس شأنًا تقنيًا أو ثقافيًا فحسب، بل هي في جوهرها مسؤولية وطنية وقومية لحماية الحقيقة والحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني.
وفي سياق متصل، استعرض السفير جهود جامعة الدول العربية المستمرة لحماية الذاكرة الإنسانية والعربية المهددة، مذكرًا بأن مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري أقر في عام 2016 “الاستراتيجية العربية الموحدة لاستعادة الأرشيفات العربية المنهوبة والمسلوبة لدى الدول الأجنبية والاستعمارية”. وناشد الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف (عربيكا) والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) واللجنة المعنية، بذل المزيد من الجهود لاستعادة الأرشيفات المنهوبة والمرحّلة وتوفير الحماية اللازمة لها.
حماية الأرشيف الفلسطيني
الألكسو: “حماية الوثيقة الفلسطينية مسؤولية عربية مشتركة لصون ذاكرة الأمة والهوية”.
واختتم السفير كلمته بالترحيب بالحضور، معربًا عن سعادته بتشهد الاحتفالية تكريم المؤسسات والشخصيات العربية التي حققت إنجازات ملموسة في مجال الحفاظ على التراث الفلسطيني، كما وجه الشكر لمؤسسات الأرشيف العربية على تزويد المعرض الوثائقي بوثائق تبرز عمق العلاقات الفلسطينية بشقيقاتها العربية، وخصّ بالشكر دار الكتب والوثائق القومية بجمهورية مصر العربية على إعدادها نسخة مزيدة من الكتاب الوثائقي الصادر منذ اثني عشر عامًا، بالتزامن مع إعلان الأمم المتحدة عام 2014 عامًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
وأكد السفير فائد مصطفى في ختام كلمته: “فلنجعل من يوم الوثيقة العربية هذا العام رسالة واضحة بأن الذاكرة الفلسطينية ستظل محفوظة، وأن تاريخ فلسطين لن يُمحى، وأن الحقيقة مهما تعرضت للحذف أو التشويه ستظل تجد دائمًا وثيقة تشهد عليها وذاكرة تحملها وأجيالًا تصونها”.
ومن جانبها أكدت دكتورة چيلان شرف ممثلة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) أن الوثيقة العربية لا تقتصر على كونها مجرد سجل لأحداث الماضي، بل هي ذاكرة الأمة الحية والشاهد الحق على الأرض والإنسان، مشددة على أن الوثيقة الفلسطينية تواجه تحديات استثنائية في ظل الاحتلال ومحاولات طمس الهوية والتاريخ الفلسطيني.
جاء ذلك خلال الكلمة التي ألقتها نيابة عن معالي الدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام لمنظمة الألكسو، والتي تستحضر مسؤوليّاتنا العربية المشتركة تجاه حماية الذاكرة التاريخية للشعوب.
وأوضحت أن الأرشيف الفلسطيني يمثل ركيزة أساسية من منظومة حفظ الذاكرة الوطنية، مؤكدة أن الانتقال “من المحو إلى الحفظ” ليس مجرد نقل وثيقة ورقية إلى وثيقة رقمية، بل هو موقف حضاري وأخلاقي يؤكد حق الشعوب في تاريخها وذاكرتها وهويتها، كما أشارت إلى أن حماية الوثائق الفلسطينية، وسائر الوثائق العربية، تعد مسؤولية تتطلب تضافر الجهود المؤسسية والأكاديمية لتطوير برامج التعاون في مجالات الحفظ والترميم والرقمنة.
أول مكتبة وأرشيف وطني رقمي
وفي سياق متصل، استعرضت الكلمة جهود منظمة “ألكسو” وحرصها الدائم على مواصلة تفعيل مبادرة الاحتفال بـ “يوم الوثيقة العربية” التي أطلقتها في أوائل الفترات السابقة، إيمانًا بأن الوثيقة هي المرتكز الأساس لحفظ الذاكرة التاريخية والهوية القومية والثقافية. وأشادت بما استعرضه الدكتور مروان عورتاني حول تأسيس المكتبة الوطنية الفلسطينية لأول أرشيف وطني رقمي بمواصفات عالمية.
واختتمت چيلان الكلمة بالتأكيد على أن الذاكرة التي تُحفظ هي ذاكرة قادرة على الاستمرار، وأن الوثائق الصادقة ستبقى شاهدة أبدًا على الحق التاريخي، مهما تعددت محاولات الطمس والتشويه.
كما أكد الدكتور مروان عورتاني، رئيس المكتبة الوطنية الفلسطينية، أن حماية التراث والأرشيف الفلسطيني تُمثل مسؤولية وطنية كبرى تتجاوز الأطر التقليدية، مشددًا على أن العمل الأرشفي في فلسطين يواجه تحديات استثنائية وغير مسبوقة نظرًا لظروف الاحتلال ومحاولات طمس الهوية.
وأوضح د. عورتاني أن التحدي الأكبر الذي واجه المؤسسات الفلسطينية تمثل في غياب البنية التحتية المادية الكافية للأرشيف، مما دفع المكتبة الوطنية الفلسطينية إلى اتخاذ خطوات جذرية لإنشاء أول مكتبة رقمية وأرشيف وطني رقمي بأعلى المواصفات والتقنيات العالمية الموجودة في كبريات المؤسسات الدولية.
وأشار إلى أن العمل بدأ بوضع منظومة للإيداع القانوني والتنزيل لضمان توثيق وحفظ كافة الإنتاج الفكري والثقافي والأرشيفي الفلسطيني؛ حيث تستقبل المنظومة حاليًا آلاف ملفات الإيداع القانوني الرقمي سنويًا لتغطية الرواية والروايات الفلسطينية بكل تفاصيلها، كما تم إنشاء منصة متقدمة للأرشيف الوطني تعنى بجمع وحفظ كافة المصادر والوسائط التاريخية من أفلام، ووثائق، وخرائط، ومخطوطات، وصور، ومكتبات، لتكون جاهزة لإتاحتها للباحثين والمهتمين وفق أحدث المعايير الدولية.
وفي سياق متصل، استعرض رئيس المكتبة الوطنية الجهود المبذولة لتعزيز التعاون الأكاديمي والمؤسسي، مشيرًا إلى توقيع مذكرات تفاهم وشراكات وازنة مع الجامعات الفلسطينية في شمال وجنوب الوطن، والتي تضمنت أبعادًا بحثية وعلمية ماسّة بصون التراث الثقافي والإنساني والأثري.
وأضاف أن المكتبة نجحت في إدخال برامج التدريب والتعليم الخاصة بالأرشيف ورقمنته ضمن المناهج الأكاديمية والجامعية بعد أن كانت غائبة عنها، إضافة إلى إطلاق برامج العمل التطوعي الإلزامي لطلبة الجامعات في مشاريع حفظ الأرشيف وتوثيق الذاكرة الوطنية.
واختتم د. مروان عورتاني كلمته بالتأكيد على أن الذاكرة الفلسطينية ستظل حية ومحمية، وأن تاريخ فلسطين وحقيقتها العريقة ستظل تجد دائمًا الوثائق والأجيال التي تحملها وتصونها في وجه كافة محاولات التدمير والاندثار.
ذاكرة شعب
أكد الدكتور أسامة طلعت، الأمين العام للفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف (عربيكا) ورئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، أن الاحتفال بيوم الوثيقة العربية يتجاوز دلالاته الاحتفالية بالوثائق والسجلات، ليؤكد على ارتباط الذاكرة بالهوية، والتاريخ بالحق، والحفظ بمسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة.
وأوضح د. أسامة طلعت أن اختيار عنوان الاحتفالية هذا العام يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الأرشيف الفلسطيني، لا بوصفه مجموعة وثائق تاريخية فحسب، بل باعتباره ذاكرة شعب، وشاهدًا على مسيرته، ووعاءً لهويته الوطنية والثقافية، ومصدرًا أساسيًا لصون روايته وتوثيق تراثه وحقوقه.
وأشار إلى أن الأرشيف الوطني الفلسطيني يواجه تحديات استثنائية وظروفًا بالغة الصعوبة جراء الاحتلال وما يترتب عليها من تهديدات بالفقد والتلف والتشتت.
وشدد الأمين العام لـ “عربيكا” على أن الانتقال «من المحو إلى الحفظ» ليس مجرد تعبير بلاغي، بل هو دعوة لعمل مؤسسي متكامل يبدأ بحصر الأصول الوثائقية وتقييم المخاطر، ويمتد إلى الترميم والحفظ الوقائي والرقمنة وبناء قواعد البيانات. وأكد أن الرقمنة تتطلب سياسات واضحة لضمان أصالة الوثيقة الرقمية وسلامة بياناتها واستدامة أمنها وإتاحتها للبحث العلمي.
وأضاف د. طلعت أن مسؤولية حماية الأرشيف الفلسطيني هي مسؤولية عربية ومهنية وإنسانية مشتركة، تقتضي الانتقال من التعبير عن أهمية الذاكرة إلى بناء برامج عملية لحمايتها وتوفير الإمكانات اللازمة لذلك. ودعا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الأرشيفية العربية، وتبادل الخبرات الفنية، وتطوير برامج التدريب، فضلًا عن إيلاء أهمية كبرى لدعم العاملين في المؤسسات الأرشيفية الفلسطينية الذين يضطلعون بمسؤولية جسيمة في ظروف بالغة القسوة.
وفي ختام كلمته، توجّه د. أسامة طلعت بالشكر لجامعة الدول العربية على استضافة الفعالية ودعمها للتراث الوثائقي العربي، مؤكدًا أن كل وثيقة تُنقذ وكل سجل يُصان يمثل إسهامًا حقيقيًا في حماية الذاكرة من الفقد والاندثار وضمانًا لحق الأجيال القادمة في المعرفة والتاريخ.
جرت في ختام الجلسة الافتتاحية مراسم تكريم المؤسسات والشخصيات الفاعلة في مجال الحفاظ على التراث الوثائقي الفلسطيني، حيث شمل التكريم تقديم دروع الإهداء إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تقديرًا لدورها المركزي والسياسي والتاريخي في دعم القضية الفلسطينية ودعم حقوق الشعب الفلسطيني. كما تم تكريم الدكتور عبد اللطيف زكي أبو هاشم، المدير العام لمؤسسة عيون على التراث، تقديرًا لجهوده البارزة في حفظ وتوثيق التراث الثقافي والوثائقي الفلسطيني، والدكتورة فيحاء عبد الهادي، المدير العام لمركز الرواة للدراسات والأبحاث، تقديرًا لجهودها البارزة في توثيق التاريخ الاجتماعي الفلسطيني.
وامتد التكريم ليشمل روح الفنان التشكيلي سليمان منصور تقديرًا لجهوده البارزة في بناء الحركة الفنية الفلسطينية وتطوير حضورها عربيًا ودوليًا، وروح السفير دياب اللوح، سفير دولة فلسطين لدى جمهورية مصر العربية، تقديرًا لمسيرته الحافلة في العمل الوطني والدبلوماسي لخدمة القضية الفلسطينية، إضافة إلى تكريم مؤسسة خزائن تقديرًا لجهودها البارزة في حفظ وتوثيق التراث الوثائقي الفلسطيني.
وعقب ختام مراسم التكريم والتقاط الصورة التذكارية الجماعية للمشاركين، نُظّمت جولة تفقدية بمتحف جامعة الدول العربية. أُعقبت الفعاليات بعقد ندوة نقاشية متخصصة تحت عنوان “فلسطين في الذاكرة الوثائقية العربية”، أدارها الوزير المفوض الدكتور محمد الشافعي، مدير إدارة شؤون فلسطين بقطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية. وشهدت الندوة مداخلة علمية للدكتورة إقبال سامي، مدير العلاقات الخارجية والإعلام بمعهد المخطوطات العربية، وعرض كلمة مسجلة للأستاذة حنين العمصي ممثلةً عن المكتبة الوطنية الفلسطينية لتعذر حضورها الشخصي، بالإضافة إلى مداخلات بحثية لكل من الأستاذ الدكتور الرويعي قناوي والأستاذ علي عمر الهازل باسم المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية.





















شهدت الفعالية انطلاق الاحتفال الرسمي في جامعة الدول العربية وافتتاح معرض فلسطين في الوثائق العربية بمشاركة عدد من الدول الأعضاء بالفرع الإقليمي العربي
ركز المتحدثون على ضرورة جمع التراث الوثائقي الفلسطيني ورقمنته وحمايته من الطمس والسرقة والتزوير باعتباره جزءًا من الهوية والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني
استعرضت المكتبة إنشاء أول مكتبة رقمية وأرشيف وطني رقمي ووضع منظومة للإيداع القانوني وتنزيل الملفات الرقمية وإنشاء منصة لجمع وحفظ المصادر التاريخية وإتاحتها للباحثين


