خرق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقليدًا دأب أسلافه على الالتزام به، بعدما خصّص جانبًا واسعًا من مؤتمره الصحافي في الدوحة للحديث عن الأوضاع الداخلية في فرنسا، عقب موجة من أعمال الشغب والنهب التي اجتاحت عددًا من المدن الكبرى، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة السلطات على احتواء الاضطرابات.

وجاءت تصريحات ماكرون في ختام زيارته الرسمية إلى قطر، في وقت سعى فيه إلى احتواء التداعيات السياسية والأمنية للأحداث، وتأكيد أن الحكومة لن تسمح بتكرار مشاهد الفوضى. وكشف أنه سلّم الحكومة، قبل مغادرته إلى منطقة الخليج، خطة عمل تتضمن خطوات للتعامل مع التطورات، مشيرًا إلى أن الجهات المعنية بدأت تنفيذها.

ولم يقتصر موقف الرئيس الفرنسي على الشأن الداخلي، بل امتد إلى انتقاد ردود الفعل الخارجية التي تناولت ما شهدته بلاده. ووجّه رسائل غير مباشرة إلى الرئيسين الأميركي والروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، منتقدًا ما وصفه بتعليقات غير مقبولة تستهدف فرنسا، فضلًا عن تداول معلومات مضللة ومقاطع مصطنعة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، محذرًا من استغلال الاضطرابات لتحقيق مكاسب سياسية.

هدوء حذر ومخاوف من تجدد الاحتجاجات

وعلى الرغم من تراجع الاضطرابات منذ يوم الاثنين، عقب فرض قيود على الحركة في عدد من الأحياء التي شهدت توترات، لا تزال السلطات الفرنسية تواجه تحديات متعددة، في ظل استمرار التوترات الاجتماعية واحتمالات عودة الاحتجاجات إلى الشوارع.

وتعمل الأجهزة القضائية على ملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وسط دعوات من وزير العدل جيرالد دارمانان إلى اتخاذ إجراءات صارمة بحق المسؤولين عن أعمال العنف.

لكن انحسار أعمال الشغب لم ينهِ حالة الاحتقان، إذ تستعد حركة «السترات الصفراء» لاستئناف تحركاتها الاحتجاجية من خلال دعوات إلى تنظيم مسيرات في باريس خلال عطلة نهاية الأسبوع، اعتراضًا على ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، خصوصًا لدى الفئات ذات الدخل المحدود.

كما أبدت مجموعات طلابية استعدادها للمشاركة في التحركات، مجددة مطالبها بزيادة الإنفاق على التعليم الثانوي، وتحسين أوضاع المدارس، وتوفير بدائل للمعلمين الغائبين، إلى جانب مراجعة آليات توجيه الطلاب إلى التخصصات الجامعية المتاحة.

النقابات تصعّد الضغط على الحكومة

وفي مسار موازٍ، لوّحت صوفي بينيه، الأمينة العامة للاتحاد العام للعمل، بالدخول في إضرابات مفتوحة اعتبارًا من الخامس من نوفمبر، بعد اجتماع جمع ممثلي النقابات برئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو.

واعتبرت بينيه أن الاجتماع لم يسفر عن مقترحات عملية تلبي مطالب العمال والطلاب، ما يستدعي، بحسب موقفها، الانتقال إلى مرحلة جديدة من الضغط النقابي عبر الإضرابات والتحركات الاحتجاجية.

وتضع هذه التطورات الحكومة أمام اختبار جديد، يتمثل في قدرتها على تأمين الشوارع ومنع تجدد أعمال العنف، بالتوازي مع احتواء الغضب الناجم عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

أزمة مالية تحدّ من هامش المناورة

وتتزايد الانتقادات الموجهة إلى ماكرون بسبب ما يراه معارضوه غيابًا للحلول الملموسة لمعالجة مطالب الطلاب والنقابات، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبات في تمرير موازنة تقشفية لعام 2027.

وتشكّل المديونية العامة، التي تبلغ نحو 3.6 تريليون يورو وفق الأرقام الواردة في التقرير، وارتفاع تكاليف الاقتراض، عقبتين أمام توسيع الإنفاق الحكومي أو الاستجابة للمطالب الاجتماعية التي تتطلب تمويلًا إضافيًا كبيرًا.

وفي ظل هذه الظروف، تبدو قدرة الحكومة على تحقيق توازن بين فرض الأمن وتقديم تنازلات اقتصادية محدودة، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد السياسي.

ومن المنتظر أن تمثل الاحتجاجات المرتقبة في باريس اختبارًا عمليًا لفاعلية الإجراءات الأمنية الجديدة، خصوصًا مع احتمال تنظيم مسيرات في مناطق مركزية من العاصمة. ولم يتضح بعد ما إذا كانت الشرطة ستسمح بالمسار الذي اقترحته حركة «السترات الصفراء»، بين ساحة الجمهورية وساحة الأوبرا، وهي منطقة تكتسب حساسية إضافية بعدما شهدت انطلاق جانب من الاضطرابات الأخيرة.

وبين تشدد الخطاب الرئاسي واستمرار المطالب الاجتماعية وضيق الموارد المالية، يواجه ماكرون تحديًا يتمثل في منع عودة الفوضى، من دون أن تتحول المعالجة الأمنية وحدها إلى عامل إضافي لتفاقم الاحتقان الداخلي.

الأسئلة الشائعة

قال إن الحكومة لن تسمح بتكرار مشاهد الفوضى بعد موجة أعمال الشغب والنهب التي اجتاحت عددًا من المدن الكبرى

لوّحت صوفي بينيه بالدخول في إضرابات مفتوحة اعتبارًا من الخامس من نوفمبر بعد اجتماع ممثلي النقابات برئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو

تستعد حركة السترات الصفراء لتنظيم مسيرات اعتراضًا على ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لدى الفئات ذات الدخل المحدود