تتصاعد التساؤلات بشأن اتجاه الدولار أمام الجنيه المصري خلال الفترة المقبلة، بعدما تجاوز حاجز 55 جنيهاً مسجلاً مستوى قياسياً، وسط ضغوط ناجمة عن زيادة الطلب على النقد الأجنبي وخروج استثمارات أجنبية، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن.
وفي هذا السياق، يحدد خبيران اقتصاديان لـ”مصراوي” العوامل المؤثرة في تحركات سعر الصرف، والسيناريوهات المحتملة للدولار بين مواصلة الصعود والتراجع حال تحسن الأوضاع وعودة التدفقات الاستثمارية.
قفز سعر الدولار إلى أعلى مستوى تاريخي له مقابل الجنيه المصري خلال تعاملات اليوم ليتخطى حاجز 55 جنيها لأول مرة بسبب خروج الأجانب من أذون الخزانة المحلية تحت مخاوف تضاعد التوترات الجيوساسية بالمنطقة واستمرار إغلاق مضيق هرمز.
مستويات الدولار المتوقعة خلال الفترة المقبلة
قال محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، إن المستويات المقبولة لتحركات سعر الدولار أمام الجنيه خلال الفترة المقبلة قد تتراوح بين 54 و56 جنيها.
وأضاف أنيس أن هذه التوقعات لم تتغير منذ بداية الحرب في 28 فبراير الماضي، مشيرا إلى أن استقرار الدولار عند مستويات تتراوح بين 54 و56 جنيها يعد مقبولا بالنسبة له في ظل الظروف الحالية.
أسباب تحركات الدولار
وأوضح أنيس أن التحركات الحالية لسعر الدولار ترجع إلى أسباب موسمية وأخرى مستجدة، مشيرا إلى أن السوق تدخل فترة يرتفع فيها الاستهلاك استعدادا لشهر رمضان، ما يدفع الشركات والمستوردين إلى الاستعداد لتلبية الطلب قبل الموسم بنحو ثلاثة أو أربعة أشهر.
وأضاف أن الفترة الحالية تشهد ذروة الطلب الموسمي، بالتزامن مع عوامل أخرى، من بينها تحركات الأموال الساخنة، التي ترتبط بعدة أسباب، أبرزها رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، ما يجذب السيولة إلى السوق الأمريكية.
وأشار أنيس إلى أن تجدد العمليات العسكرية ضد إيران قد يكون أحد العوامل المؤثرة في حركة الأموال، موضحا أن بعض المستثمرين قد يحركون أموالهم قبل العمليات العسكرية، في ظل قدرتهم على توقع التطورات أو الوصول إلى معلومات بشأنها.
وقال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن تحركات سعر الدولار مقابل الجنيه خلال الفترة المقبلة ستتوقف على عاملين رئيسيين، هما حجم الطلب على النقد الأجنبي لتلبية احتياجات القطاع الاستيرادي وسداد الالتزامات الخارجية، ومدى تطورات التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على حركة الاستثمارات الأجنبية.
وأوضح عبد العال أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، إلى جانب تراجع المخزونات السلعية وتوقعات ارتفاع الدولار، يدفع بعض التجار إلى تسريع عمليات الاستيراد لتوفير احتياجاتهم خلال الفترة المقبلة، وهو ما يزيد الطلب على العملة الأمريكية.
وأضاف أن قيمة الواردات المصرية تتراوح بين 70 و80 مليار دولار سنويا، مشيرا إلى أن هذه الواردات لا تقتصر على السلع الاستهلاكية، إذ تشمل أيضا الخامات ومستلزمات الإنتاج التي تستخدم في الصناعة وزيادة الصادرات وإنتاج بدائل للسلع المستوردة.
وأشار إلى أن نحو 52% من الزيادة في الواردات غير البترولية ترتبط بالسلع الوسيطة ومستلزمات الإنتاج، ما يعني أن جزءا من الطلب الحالي على الدولار يستخدم في تمويل أنشطة إنتاجية ينتظر أن تسهم لاحقا في زيادة الصادرات أو تقليل الاعتماد على الاستيراد.
ولفت عبد العال إلى أن ارتفاع أسعار النفط يزيد الضغوط على سوق الصرف، موضحا أن واردات مصر البترولية بلغت نحو 24 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، وفقا لأرقام البنك المركزي، وكانت التقديرات مبنية على أسعار للبرميل تتراوح بين 70 و75 دولارا، بينما ارتفعت الأسعار حاليا إلى نحو 106 و107 دولارات.
وأوضح أن الضغوط لا ترتبط فقط بحجم الواردات، بل أيضا بالفجوة الزمنية بين تدفقات النقد الأجنبي من المصادر المختلفة، مثل تحويلات المصريين بالخارج والسياحة والصادرات وإيرادات قناة السويس، وبين مواعيد سداد الاعتمادات المستندية والالتزامات الخارجية.
وأضاف أن العجز في الميزان التجاري ارتفع، رغم تعدد مصادر النقد الأجنبي، وهو ما يعكس حجم الضغوط الناتجة عن زيادة الاحتياجات الاستيرادية مقارنة بالتدفقات المتاحة، مشيرا إلى أن زيادة الطلب على الدولار وسداد أقساط المديونيات قد ينعكسان على تحركاته في سوق الإنتربنك.
خروج الاستثمارات الأجنبية يضغط على الجنيه
وأشار الخبير المصرفي إلى أن العامل الثاني يتمثل في التوترات الجيوسياسية، التي تؤثر على قرارات المستثمرين الأجانب وحركة الأموال الساخنة، موضحا أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية وغيرها من التطورات الدولية دفع بعض الاستثمارات الأجنبية إلى الخروج من السوق المصرية خلال الأيام الماضية.
وأضاف أن السوق شهدت خلال الفترة الأخيرة تخارجا صافيا من الاستثمارات الأجنبية، بعدما كانت تسجل متوسط صافي دخول يقدر بنحو 300 مليون دولار، وفقا للأرقام التي أشار إليها.
وأوضح عبد العال أن تحركات الدولار في نطاق يتراوح بين 50 و55 جنيها لا تعكس في تقديره، اضطرابا يستدعي القلق، معتبرا أنها ترتبط بتغيرات الطلب على النقد الأجنبي وتوقيتات المدفوعات الخارجية، إلى جانب تطورات حركة الاستثمارات الأجنبية.
وأوضح عبد العال أن استمرار الضغوط الناتجة عن زيادة الطلب على العملة الأجنبية أو تصاعد التوترات الجيوسياسية قد يبقي السعر عند مستويات مرتفعة.
وأضاف أن السيناريو الأكثر إيجابية، في حال تراجع التوترات الجيوسياسية وتحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي، قد يدفع الدولار إلى التراجع نحو مستويات تتراوح بين 51 و52.2 جنيه.
وأكد أن تحديد المسار المقبل لسعر الدولار يرتبط أساسا بتطورات العاملين السابقين، وهما احتياجات السوق من النقد الأجنبي وحركة الاستثمارات المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، مشيرا إلى أن تحسن الأوضاع قد يخفف الضغوط على سعر الصرف خلال الفترة المقبلة.
تجاوز الدولار حاجز 55 جنيهاً بسبب زيادة الطلب على النقد الأجنبي وخروج استثمارات أجنبية، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن
قال محمد أنيس إن المستويات المقبولة لتحركات الدولار أمام الجنيه قد تتراوح بين 54 و56 جنيهاً خلال الفترة المقبلة
إذا تراجعت التوترات الجيوسياسية وتحسنت تدفقات الاستثمار الأجنبي فقد ينخفض الدولار إلى مستويات تتراوح بين 51 و52.2 جنيه


