تُلقي الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بظلالها على البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وتعمل الصين، التي لها مصالح اقتصادية كبيرة في المنطقة، على تطوير قدراتها الأمنية، حيث تُجري بكين تحديثًا ملحوظًا لقاعدتها في جيبوتي، وتنظم مناورات عسكرية مشتركة مع دول المنطقة، ما يُمثل ساحة اختبار جديدة للقوة الصينية، وفق ما نشره الموقع الفرنسى “كوريير إنترناسونال”.
هل تُحوّل الصين البحر الأحمر إلى منطقة أمنية جديدة تمارس فيها دور الشرطي؟ وفقًا للصحافة الدولية، فالإجابة هي نعم. وبذلك، تأخذ بكين في الحسبان الاضطرابات في الشرق الأوسط التي تتجاوز حدودها الإقليمية لتشمل هذه المنطقة الجيوسياسية الممتدة بين القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية.
أبرزت التوترات العسكرية حول مضيق هرمز وباب المندب، وما نتج عنها من اضطراب في التجارة، وتصاعد القرصنة في خليج عدن، مدى ضعف الصين أمام الاضطرابات في المجال البحري. إلا أن هذه التطورات الجيوسياسية أتاحت لبكين فرصةً لتقديم نفسها كضامن للأمن البحري والاستقرار الإقليمي.
معدات صينية ضخمة على البحر الأحمر
أولى بوادر هذا الدور الصيني الجديد هي تحديث قاعدتها العسكرية في جيبوتي. فبحسب صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست”، قامت الصين بتطوير هذه القاعدة، ولا سيما بتزويدها بمعدات اتصالات متطورة. وكشفت صور الأقمار الصناعية التي نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) عن وجود مجمعين للاتصالات قيد الإنشاء منذ منتصف عام 2024، على أن يتم إنجاز معظم الأعمال بحلول ذلك التاريخ.
وبحسب التحليل الذي نشره المركز، فإن مجمعات الاتصالات الجديدة قد تمنح القوات الصينية قدرة أكبر على جمع المعلومات ومراقبة التحركات العسكرية والبحرية في محيط البحر الأحمر وخليج عدن، فضلًا عن تحسين الاتصالات بين القاعدة والقطع البحرية الصينية المنتشرة في المنطقة. ولا يعني وجود هذه المنشآت، في حد ذاته، أنها مخصصة حصريًا للتجسس؛ إذ يمكن أن تؤدي وظائف متعددة مرتبطة بالاتصالات العسكرية والتنسيق العملياتي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى موقع جيبوتي عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي، بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية. وتضم الدولة الصغيرة قواعد عسكرية أجنبية عدة، بينها قواعد للولايات المتحدة وفرنسا واليابان، ما يجعلها نقطة ارتكاز استراتيجية للقوى الدولية المتنافسة على النفوذ في المنطقة.
وتضم هذه المنشآت هوائيات عالية التردد، وأجهزة اتصالات عبر الأقمار الصناعية، ومعدات أخرى يُرجح أن تعزز قدرة الجيش الصيني على رصد الإشارات وتحليلها. ووفقًا للباحثين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن هذه التجهيزات قد تتيح لبكين مراقبة أنشطة القوات الأجنبية الموجودة في المنطقة، بما في ذلك التحركات العسكرية الأمريكية، وتحسين قدرتها على التواصل مع سفنها وقواتها المنتشرة بعيدًا عن الأراضي الصينية.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن القاعدة الصينية تقع على مسافة تقل عن 16 كيلومترًا من منشآت عسكرية أمريكية وفرنسية وإيطالية ويابانية. ويتيح هذا التقارب الجغرافي للصين فرصة جمع معلومات عن بيئة عسكرية شديدة النشاط، في منطقة تتزايد فيها التحركات البحرية والجوية المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط.
ولا تثبت صور الأقمار الصناعية أن الصين تستخدم هذه المنشآت بالفعل لاعتراض الاتصالات العسكرية الأجنبية، لكنها تشير إلى امتلاكها قدرات تقنية يمكن أن تساعدها في تحديد مصادر الإشارات وتوقيتها واتجاهاتها، حتى عندما تكون الاتصالات مشفرة.
من مكافحة القرصنة إلى حماية المصالح الاستراتيجية
لم يبدأ الحضور العسكري الصيني في البحر الأحمر مع الأزمات الراهنة. فمنذ عام 2008، تشارك البحرية الصينية في عمليات لمكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية وفي خليج عدن، لحماية السفن التجارية وتأمين حركة الملاحة. وفي عام 2017، افتتحت بكين قاعدتها العسكرية في جيبوتي، التي أصبحت مركزًا لوجستيًا لعملياتها البحرية في المنطقة.
وتقول الصين إن القاعدة مخصصة لدعم مهام المرافقة البحرية وحفظ السلام والعمليات الإنسانية، بما في ذلك تزويد السفن بالإمدادات وإجراء أعمال الصيانة. غير أن تطور منشآتها واتساع قدراتها الاتصالية يعكسان أيضًا سعي الجيش الصيني إلى تعزيز قدرته على العمل بعيدًا عن حدوده، ومتابعة التطورات العسكرية في مناطق ترتبط بمصالحه الاقتصادية والأمنية.
وتكتسب هذه القدرة أهمية إضافية مع تعرض الملاحة في البحر الأحمر لاضطرابات متكررة نتيجة هجمات الحوثيين على السفن، وما ترتب عليها من تحويل مسارات تجارية وزيادة تكاليف النقل والتأمين. فالصين، التي تعتمد على التجارة البحرية في نقل السلع والطاقة، لديها مصلحة مباشرة في الحفاظ على الممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.
لكن حماية الملاحة لا تعني بالضرورة أن بكين ستتولى دورًا قتاليًا مباشرًا في مواجهة الحوثيين أو غيرهم من الأطراف المسلحة. فهناك فارق بين تعزيز المراقبة وتبادل المعلومات وتأمين السفن، وبين الانخراط في عمليات عسكرية قد تعرض المصالح الصينية للخطر أو تضعها في مواجهة مباشرة مع أطراف إقليمية.
مناورات مشتركة لاختبار القدرات
إلى جانب تحديث القاعدة، تعمل الصين على تعزيز التعاون العسكري مع جيبوتي. ففي الفترة من 27 إلى 30 أبريل 2025، أجرت القوات الصينية والجيبوتية تدريبًا عسكريًا مشتركًا حمل اسم «التعاون 2025.04.FAD»، وتضمن تدريبات على مواجهة الجماعات المسلحة، واستخدام الطائرات المسيّرة في الاستطلاع وتوجيه الضربات، والتنسيق المدفعي، وإخلاء المصابين في ظروف ميدانية معقدة.
وتكشف هذه التدريبات عن اتساع نطاق التعاون، من الدعم اللوجستي وتأمين المنشآت إلى التدريب على مهام عسكرية متنوعة. كما تمنح القوات الصينية فرصة لاختبار إجراءات التنسيق والعمل المشترك في بيئة إقليمية تختلف عن مسارح العمليات القريبة من الصين.
ولا تنفصل هذه الخطوات عن مساعي بكين إلى توسيع علاقاتها الأمنية مع الدول الأفريقية، بالتوازي مع حضورها الاقتصادي الواسع في القارة. فالصين مستثمر رئيسي في جيبوتي، التي تمثل أيضًا منفذًا تجاريًا مهمًا لإثيوبيا ودول أخرى في شرق أفريقيا، ما يجعل استقرارها وموانئها جزءًا من شبكة المصالح الصينية في المنطقة.
البحر الأحمر ساحة تنافس دولي
تعمل الصين في بيئة تضم بالفعل قوى عسكرية دولية متعددة، أبرزها الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وإيطاليا، التي تحتفظ جميعها بمنشآت عسكرية في جيبوتي. ويعكس هذا التجمع أهمية المنطقة بوصفها نقطة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، فضلًا عن قربها من طرق التجارة المؤدية إلى قناة السويس.
وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية القاعدة الصينية على دعم السفن، بل تمتد إلى تعزيز قدرة بكين على متابعة التحركات العسكرية في منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى. فالمعلومات المتعلقة بنشاط القوات البحرية والجوية، وأنماط الاتصالات، والتحركات اللوجستية، يمكن أن تساعد القيادة الصينية في تقدير المخاطر التي قد تواجه سفنها ومصالحها التجارية.
ومع ذلك، فإن اتساع القدرات الصينية لا يعني أن بكين حسمت قرارها بالتحول إلى قوة تتولى إدارة الأمن في البحر الأحمر. فالتدخل العسكري المباشر ينطوي على تكاليف ومخاطر سياسية، وقد يفرض على الصين التزامات تتجاوز ما تحتاج إليه لحماية تجارتها ومواطنيها في الخارج.
بكين.. وحماية التجارة
تضع التطورات الأخيرة الصين أمام معادلة تجمع بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة. فمن جهة، تحتاج بكين إلى مراقبة المخاطر التي تهدد خطوط الملاحة وإلى امتلاك القدرة على التحرك عند الضرورة. ومن جهة أخرى، تحرص على تقديم نفسها بوصفها شريكًا يدعم الاستقرار والتعاون، لا قوة تسعى إلى فرض ترتيبات أمنية على دول المنطقة.
وتمنحها القاعدة المطورة في جيبوتي بنية تحتية أكثر تقدمًا لمتابعة الأحداث والاستجابة للتطورات، لكنها لا تعني بالضرورة أن الصين ستتولى مسؤولية حماية البحر الأحمر بمفردها. فالأمن البحري يظل مرتبطًا بتعاون الدول المطلة على البحر، وبقدرة القوى الدولية على تجنب التصعيد وضمان حرية الملاحة.
وهكذا، تبدو جيبوتي نقطة ارتكاز أساسية في تطور الدور الصيني، إذ تجمع بين الدعم اللوجستي والاتصالات العسكرية والتعاون مع القوات المحلية. ومع استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، قد تصبح هذه القدرات أداة أكثر أهمية في حسابات بكين، سواء لحماية سفنها ومصالحها التجارية أو لمتابعة تحركات القوى المنافسة.
والسؤال الذي يظل مفتوحًا هو ما إذا كانت الصين ستكتفي بتعزيز قدراتها على الرصد والردع وتأمين مصالحها، أم ستتجه تدريجيًا إلى دور عسكري أوسع في البحر الأحمر.

الأسئلة الشائعة

تعمل الصين على تحديث قاعدتها العسكرية في جيبوتي وتطوير قدراتها الأمنية هناك، إلى جانب تنظيم مناورات عسكرية مشتركة مع جيبوتي وتعزيز حضورها البحري في المنطقة

تقع القاعدة قرب مدخل البحر الأحمر الجنوبي وبالقرب من مضيق باب المندب، ما يمنح الصين موقعًا مهمًا لمتابعة التحركات العسكرية والبحرية وحماية مصالحها المرتبطة بالملاحة

لا، فالخبر يوضح أن تعزيز المراقبة وتأمين السفن شيء مختلف عن الانخراط في عمليات عسكرية مباشرة قد تعرض المصالح الصينية للخطر أو تضعها أمام التزامات أوسع