أصبح مضيق باب المندب، الذي يفصل القرن الأفريقي عن شبه الجزيرة العربية، محورًا لجميع المخاوف.. نشرت مجلة لوبوان تقريرًا لموفدها إلى جيبوتى، يرصد أخر التطورات ومدى تأثر المنطقة بما فى ذلك دولة جيبوتى.
في مواجهة هجوم الحوثيين، الذين يسيطرون على الساحل اليمني ويهددون بإغلاق الملاحة البحرية، يخضع هذا الممر الاستراتيجي لمراقبة دقيقة من الدول الغربية، وفي مقدمتها فرنسا.
في الأفق، تعبر سفينة شحن ضخمة أمام جزيرة بريم التابعة لليمن، على مسافة لا تتجاوز عشرين كيلومترًا تقريبًا. لكن الهدوء الذي يخيّم على المكان خادع.
هنا يتقرر جانب من مصير الاقتصاد العالمي. فإذا أقدم المتمردون اليمنيون المتحالفون مع إيران على إغلاق المضيق، فإن نحو 12% من التجارة البحرية العالمية ستتعرض للشلل، ما سيضيف نقطة اختناق ثانية إلى مضيق هرمز، الذي تسيطر الجمهورية الإسلامية جزئيًا عليه، عند الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية. بعد أربع سنوات من الهدنة، اشتعلت الجبهة اليمنية مجددًا هذا الصيف، ليجد الممر الاستراتيجي الآخر في المنطقة نفسه تحت التهديد.
وقد تصاعدت حدة المواجهات بين السعوديين والجماعة المتمردة خلال الأيام الأخيرة. وفي 10 أكتوبر، قُتل ما لا يقل عن 13 شخصًا وأصيب 309 آخرون في ضربة صاروخية حوثية استهدفت مطار الرياض الدولي. ومنذ ذلك الحين، تتواصل الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة إيرانية الصنع بوتيرة متسارعة. ويحلل نواف عبيد، الباحث السعودي في قسم دراسات الحرب بكلية كينجز في لندن، هذه الاستراتيجية قائلًا: «نظرًا إلى عجز الحوثيين عن مجاراة القوة الجوية السعودية، فإنهم يسعون إلى نقل المواجهة نحو البنية التحتية المدنية والاقتصادية للمملكة، لتعويض صعوباتهم العسكرية ورفع الكلفة السياسية للصراع بالنسبة إلى الرياض».
المضيق ورقة ابتزاز
في هذه الحرب الأهلية التي تحولت إلى صراع إقليمي، يظل مضيق باب المندب ورقة استراتيجية رئيسية. ويؤكد مصدر دبلوماسي، طلب عدم الكشف عن هويته: «يشكل التهديد بإغلاق المضيق أداة ابتزاز مهمة بالنسبة إلى الحوثيين، للحصول على موقع متميز في المستقبل السياسي لليمن».
لكن السلطات الجيبوتية ترفض هذا السيناريو. ويحرص رئيس الوزراء الجيبوتي عبد القادر كامل محمد، الذي استقبل مجلة «لوبوان» في قصر الشعب، على التذكير قائلًا: مضيق باب المندب لا يطل عليه اليمن وحده، فهناك دولة أخرى على ضفته اسمها جيبوتي. ويضيف بحزم: «لن نقبل أبدًا بمصادرة هذا المضيق أو تحويله إلى ورقة مساومة، وسنستخدم جميع الوسائل اللازمة لضمان استمرار الملاحة البحرية الدولية بسلام. لدينا بالفعل خفر السواحل والقوات البحرية في المنطقة، وإذا اقتضى الأمر، يمكن للقوات الفرنسية الموجودة في جيبوتي التدخل بموجب اتفاقية الدفاع التي تربط بلدينا».
في مولحولي، آخر قرية شمال جيبوتي والمطلة على المضيق، تؤكد البحرية الجيبوتية أن حركة الملاحة مستمرة، وإن بصعوبة. يقول القائد كادين عثمان خاهية، المسؤول عن القاعدة البحرية في هذه القرية الجافة التي لا يتجاوز عدد سكانها مئة نسمة: لا نرصد أي إغلاق لمضيق باب المندب. ويشدد، مشيرًا إلى الرادار الذي يعلو المنشأة العسكرية: «لم تُفعّل أي سفينة أجنبية إشارة استغاثة قط».
لكن الهجوم الحوثي الأخير في اليمن بدأ بالفعل يترك تداعياته على السواحل الجيبوتية. فمنذ اليوم الأول للمعارك، فرّت مئات العائلات اليمنية من قراها على متن مراكب الداو الشراعية التقليدية، بحثًا عن ملجأ على الضفة المقابلة. ويوضح الملازم عبد القادر عمر بولح، نائب قائد القاعدة: «استقبلنا عدة موجات من النازحين، وقدمنا لهم الرعاية الطبية والطعام فور وصولهم، مستخدمين حصصنا الغذائية الخاصة». ويحصي وصول 614 شخصًا خلال أسبوعين فقط.
ساعة واحدة لعبور المضيق
أمام كوخ خشبي متواضع، تجثو أسوكا، مرتدية حجابًا أبيض طويلًا. لم تتردد هذه الأم لخمسة أطفال في استقبال عائلة يمنية كاملة داخل منزلها. تقول: «لا أعرف لماذا يتقاتل إخوتي، لكن سكان الضفتين اعتادوا دائمًا مساعدة بعضهم بعضًا». فمنذ أقدم العصور، لم تتوقف حركة الهجرة والتجارة بين ضفتي المضيق، الذي لا تستغرق رحلة عبوره في المتوسط أكثر من ساعة واحدة.
حتى حزم القات، النبات المنشط واسع الاستهلاك في المنطقة، التي تبيعها هذه السيدة البالغة 42 عامًا مقابل ألف فرنك جيبوتي للحزمة الواحدة، أي نحو خمسة يوروهات، تأتي مباشرة من اليمن. ورغم أزمة باب المندب، لا تزال الشحنات تصل عبر البحر، وتُدفع قيمتها بواسطة تطبيق رقمي.
لويز، صياد يبلغ من العمر 14 عامًا فقط وينحدر من الضفة اليمنية للمضيق، عاد هذا الصباح بقاربه محملًا بأسماك التونة والهامور التي اصطادها بالشباك في منطقة غابات المانغروف في غودوريا. لكن الفتى يعترف بأنه لم يعد يجرؤ على التوغل داخل المضيق. ويقول هذا الصبي الذي لوّحت الشمس بشرته بفعل رحلات العبور المتكررة: «عندما يحل الليل، يستهدف الحوثيون كل ما يتحرك، وأصبح العبور شديد الخطورة». وإلى الجنوب، في أوبوك، باتت السفن أكثر ندرة أمام شرفة المقر الأنيق للمحافظ، الذي كان في الماضي ملكًا لليونْس لاجارد، أول حاكم فرنسي للمدينة عام 1887.
يشرح المحافظ موسى عدن ميغاني أهمية المضيق بالنسبة إلى جيبوتي: «باب المندب هو، بطريقة ما، حبلنا السري. وبلادنا لا وجود لها اقتصاديًا إلا بفضل هذا المضيق وقناة السويس». فجيبوتي، آخر مستعمرة فرنسية في أفريقيا، التي نالت استقلالها عام 1977، ويبلغ عدد سكانها 1.2 مليون نسمة، بنت نموذجها الاقتصادي على النشاط المينائي، عند ملتقى أفريقيا والشرق الأوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي. ويحذر المسؤول: «إغلاق المضيق سيعزلنا عن الشرق الأوسط وأوروبا».
تراجع جديد في حركة الملاحة البحرية
منذ نوفمبر 2023، وردًا على الحرب التي شنتها إسرائيل في غزة، سبق للمتمردين اليمنيين أن عرقلوا الملاحة في البحر الأحمر عبر استهداف السفن المتجهة إلى إسرائيل، ما أدى إلى انخفاض حركة التجارة عبر المضيق بنسبة 60%. وبحسب المعلومات التي حصلت عليها «لوبوان»، تسبّب استئناف المعارك هذا الصيف في تراجع جديد لحركة الملاحة بنسبة 20%، حتى قبل سيطرة الحوثيين على الضفة اليمنية من باب المندب.
لكن المصدر الدبلوماسي يقلل من تأثير هذه الاضطرابات على جيبوتي، قائلًا: «لم تؤثر هذه الاضطرابات كثيرًا على ميناء جيبوتي، الذي لم يتوقف نشاطه عن النمو منذ عام 2024». ويوضح السبب: «فنصف عملياته يتعلق بالتجارة مع إثيوبيا الواقعة جنوب جيبوتي، بينما يرتبط النصف الآخر بعمليات إعادة الشحن من سفينة إلى أخرى خارج المضيق».
في ميناء دوراليه، على الأطراف الغربية للعاصمة، ترتفع جبال من الحاويات داخل محطة حديثة شيدتها الإمارات العربية المتحدة عام 2009. وتوضح شركة الشحن الدنماركية ميرسك:«أعدنا تشغيل المسار المار عبر قناة السويس لثمانية من خطوطنا الثلاثة عشر التي تربط آسيا وشبه القارة الهندية بأوروبا». وتضيف: «وبالتالي، لا تزال خمسة خطوط تستخدم الطريق الملتف حول رأس الرجاء الصالح. وتبقى سلامة أطقم السفن والسفن نفسها وبضائع عملائنا أولويتنا المطلقة عند اتخاذ أي قرار بالعودة إلى مسار البحر الأحمر وقناة السويس».
جيبوتي.. أرض القواعد العسكرية الأجنبية
لتأمين حمايتها، تستطيع السفن التجارية الاستفادة من مرافقة عسكرية في إطار عمليتي «أسبيدس» الأوروبية و«حارس الازدهار» الأمريكية، اللتين أُطلقتا اعتبارًا من ديسمبر 2023. وتوضح هيئة الأركان الفرنسية: «تشارك فرقاطة فرنسية بانتظام في عملية أسبيدس، وهي قادرة على مرافقة السفن المدنية التي تطلب ذلك. ويمكن دعم هذه الوسائل بطائرات دورية بحرية تُنشر بصورة مؤقتة». وفي هذه البيئة العدائية، تكمن أهم ضمانات أمن جيبوتي في وجود قواعد عسكرية أجنبية عديدة على أراضيها: فرنسية وأمريكية وصينية ويابانية وإيطالية وغيرها.
ويتقاسم مطار أمبولي الدولي القاعدة الجوية الفرنسية رقم 188 وقاعدة «كامب ليمونييه» الأمريكية، التي تُعد أكبر منشأة عسكرية أمريكية في أفريقيا، وتُستخدم خصوصًا في العمليات ضد حركة الشباب في الصومال. أما الصين، فتملك في دوراليه منشأتها العسكرية الوحيدة خارج أراضيها، بهدف حماية طرقها البحرية.
وقد جُدد اتفاق الدفاع الذي يربط فرنسا بجيبوتي في يوليو 2024 لمدة عشرين عامًا. وينص الاتفاق على أن البلدين «يتشاوران فورًا» من أجل تحديد الوسائل الواجب تنفيذها «بصورة مشتركة» في حال تعرض جيبوتي لهجوم. ويضيف المصدر الدبلوماسي: «إذا كان تعرض جيبوتي لضربات حوثية سيضعها في موقف بالغ الحرج، فإن استهداف الحوثيين لجارتهم سيكون أيضًا خطوة تضر بمصالحهم، لأنها واحدة من الدول القليلة التي تتبنى موقفًا متسامحًا نسبيًا تجاههم».
لكن الموقف العسكري الفرنسي في جيبوتي بات يثير تساؤلات جديدة، منذ إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون إرسال وسائل عسكرية لحماية السعودية.
غير أن مصدرًا عسكريًا، طلب عدم الكشف عن هويته، يؤكد: «في الوقت الراهن، لم يتغير شيء في الوضع العسكري الفرنسي في جيبوتي، ولا توجد على جدول الأعمال أي خطة لضرب الحوثيين». ومع ذلك، لا تخفي باريس إدراكها لحجم المخاطرة. ويؤكد مسؤولون فرنسيون: «علينا تحمل مسؤولياتنا تجاه حلفائنا». وتأتي جولة إيمانويل ماكرون في الخليج أيضًا استجابة لهذا الالتزام.

الأسئلة الشائعة

الخبر يذكر أن إغلاق المضيق قد يشل نحو 12% من التجارة البحرية العالمية ويزيد الضغط على الملاحة بين البحر الأحمر وبحر العرب

بحسب الخبر تراجعت حركة التجارة عبر المضيق بنسبة 60% منذ نوفمبر 2023 ثم سجلت انخفاضًا جديدًا بنسبة 20% مع استئناف المعارك هذا الصيف

جيبوتي ترفض هذا السيناريو وتؤكد أنها لن تسمح بمصادرة المضيق أو تحويله إلى ورقة مساومة مع الاعتماد على خفر السواحل والقوات البحرية والدعم الفرنسي عند الحاجة