يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العودة إلى الحملة العسكرية ضد إيران عبر ضربات تمتد عدة أيام، في مقامرة تراهن على أن الحصار والعقوبات دفعا الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار، وأن جولة جديدة من الهجمات قد تكون كافية لإجبار طهران على الاستسلام أو إحداث تغيير في النظام، بحسب تقرير للصحفيين نانسي يوسف وجوناثان ليمير في مجلة “ذا أتلانتيك”.

لكن المقامرة تحمل احتمالًا آخر؛ إذ قد تفتح الضربات بابًا لتصعيد إقليمي لا تستطيع واشنطن التحكم في مدته أو نطاقه، خصوصًا مع تلويح إيران بتوسيع قائمة أهدافها واستخدام أسلحة جديدة في أي مواجهة مقبلة.

وبحسب الصحفيين، يستمع ترامب إلى مسارين مختلفين يقدمهما اثنان من المقربين إليه لإنهاء الحرب. المسار الأول يدفع به وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي يرى أن إيران تقترب من الانهيار الاقتصادي، وأن الجمع بين العقوبات والحصار البحري سيجبر طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات وقبول الشروط الأمريكية.

أما المسار الثاني، فيدفع به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي دعا ترامب، خلال سلسلة من الاتصالات، إلى تنفيذ جولة جديدة من الضربات الأمريكية والإسرائيلية المدمرة بهدف إسقاط النظام الإيراني، وفق التقرير.

وتبدو الإدارة الأمريكية بصدد دراسة دمج المسارين: استمرار الخنق الاقتصادي بالتوازي مع ضربات عسكرية كبرى يُفترض أن تمنح الدفعة الأخيرة اللازمة لإسقاط النظام أو إجباره على التراجع.

ضربات بعد الانتخابات

ونقلت “ذا أتلانتيك” عن مسؤولين أن ترامب يدرس استئناف حملته العسكرية ضد إيران لعدة أيام، على الأرجح عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

وتشمل قائمة الأهداف المحتملة ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية.

وقال مستشار من خارج الإدارة للمجلة إن الضغوط الاقتصادية تحقق نتائجها، وإن إيران تقترب من “الحافة”، معتبرًا أن الضربات الجديدة قد تدفعها إلى تجاوزها.

ولا يعني ذلك أن قرار استئناف الضربات اتُخذ بالفعل؛ إذ شدد مسؤولون أمريكيون على أن المناقشات لا تزال مستمرة، فيما يرى بعضهم أن إبقاء طبيعة التحرك وموعده غامضين قد يدفع طهران إلى البقاء في حالة تأهب دائم.

وقال ترامب، ردًا على سؤال أحد الصحفيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسية، إن “شيئًا ما سيحدث قريبًا إلى حد ما، بطريقة أو بأخرى”، من دون الكشف عن طبيعة الخطوة المنتظرة.

لماذا قد تفشل المقامرة؟

تكمن المشكلة الرئيسية في أن ترامب سبق أن اعتقد أن إيران اقتربت من الانهيار، قبل أن يكتشف أن حساباته لم تكن دقيقة، بحسب قراءة الصحفيين للمداولات الحالية وتجارب الإدارة السابقة.

ورغم الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الإيراني، لم تُظهر طهران حتى الآن تحولًا جوهريًا في موقفها التفاوضي. كما لا توجد أدلة كافية على أن الصعوبات الاقتصادية ستقود بالضرورة إلى استسلام النظام أو سقوطه.

وحذر داني سيترينوفيتش، الضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية والمتخصص في الشأن الإيراني، من الاعتقاد بإمكان حصر المواجهة الجديدة في عدة أيام.

وقال سيترينوفيتش للمجلة: “لا يمكنك التخطيط لحرب تستمر ثلاثة أيام، لأنها ليست قرارًا أحاديًا، ولا يمكنك التحكم في كيفية رد إيران”.

وقد تؤدي الضربات إلى نتيجة معاكسة لما تريده واشنطن؛ إذ يمكن لطهران أن توسع نطاق هجماتها في المنطقة وتصبح أقل استعدادًا لتقديم تنازلات إذا نجحت في امتصاص الهجوم. وهذا استنتاج تحليلي طرحه تقرير “ذا أتلانتيك”، وليس نتيجة محسومة.

وفي مؤشر على اتساع قائمة الأهداف المحتملة، سمى حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، خلال كلمة في متحف الدفاع المقدس بطهران، 7 كابلات رئيسية للألياف الضوئية تمر أسفل مضيق هرمز بوصفها “أهدافًا جديدة” محتملة، كما تحدث عن استخدام “أسلحة جديدة” في هجمات مستقبلية.

عامل الانتخابات

ولا تنفصل حسابات الحرب عن الضغوط السياسية التي يواجهها ترامب داخل الولايات المتحدة، ولا سيما مع ارتفاع أسعار الطاقة واقتراب انتخابات التجديد النصفي.

وكان الرئيس الأمريكي يأمل، بحسب مسؤول وشخص مطلع تحدثا إلى المجلة من دون كشف هويتيهما، أن تعود إيران إلى المفاوضات قبل الانتخابات. لكن ذلك لم يحدث، بينما ظلت أسعار الطاقة مرتفعة، بما يفرض ضغوطًا انتخابية على الجمهوريين.

وسبق أن بحث ترامب استئناف العمليات العسكرية قبل الانتخابات، وسط تشجيع من شخصيات في واشنطن ترى أن استعراض القوة قد يسمح له بإعلان انتصار سياسي مفاجئ في أكتوبر.

إلا أن ردود الفعل القوية من جمهوريين دفعت ترامب، وفق التقرير، إلى إعلان عبر منصته “تروث سوشيال” أنه لن يهاجم إيران مجددًا قبل الانتخابات.

وفي إسرائيل، ذكرت محطة تلفزيونية أن نتنياهو حث ترامب على تنفيذ ضربات قبل الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، فيما نُقل عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نفيه هذا الطرح.

ويرتبط مستقبل كل من ترامب ونتنياهو السياسي بنتيجة الحرب وطريقة انتهائها، لكن قرار إنهائها ليس في أيديهما وحدهما؛ إذ تملك إيران القدرة على الرد ورفع تكلفة الجولة الجديدة، وفق تحليل المجلة.

مؤشرات الاستعداد

ورغم عدم اتخاذ قرار معلن، ظهرت إشارات إلى استعداد واشنطن لاحتمالات التصعيد، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام التحرك بعد الانتخابات. وزار وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث إسرائيل، والتقى نتنياهو لإجراء مباحثات تناولت إيران، بحسب تقرير “ذا أتلانتيك”.

كما بدأت الولايات المتحدة سحب موظفين غير أساسيين وأفراد عائلاتهم من بعثاتها في السعودية، على خلفية تصاعد هجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران، بحسب ما نقلته رويترز عن مسؤولين أمريكيين.

لكن العودة إلى الحرب تثير تساؤلات بشأن مخزون الذخائر الأمريكية، الذي انخفض إلى مستويات وصفتها المجلة بأنها خطرة خلال ذروة القتال، ومدى قدرة وزارة الدفاع على حماية القوات والمصالح الأمريكية إذا جاء الرد الإيراني واسعًا.

ولم يرد البيت الأبيض فورًا على طلب المجلة للتعليق، بينما امتنعت القيادة المركزية الأمريكية عن التعقيب.

اقتصاد تحت الحصار

وتسببت العقوبات والأضرار الناجمة عن الضربات والحصار البحري الأمريكي في فرض ضغوط قاسية على الاقتصاد الإيراني، مع ارتفاع التضخم ونقص السلع وهبوط الريال إلى مستويات قياسية، ما زاد صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.

وقال قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، إن الحصار منع إيران من تصدير نفط خام بقيمة لا تقل عن 25 مليار دولار. ويظل رقم الـ25 مليار دولار تقديرًا أمريكيًا؛ إذ لم يعلن كوبر في التصريحات المنشورة منهجًا تفصيليًا لحسابه أو نقطة البداية المستخدمة في التقييم.

وبحسب صندوق النقد الدولي، يُتوقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإيران بنسبة 5.4% خلال 2026، مقارنة بانكماش قدره 0.8% خلال 2025، على أن يعود الاقتصاد إلى النمو بنسبة 2.9% في 2027.

وتُظهر صفحة إيران لدى صندوق النقد أن أسعار المستهلكين يُتوقع أن ترتفع بنسبة 68.9% خلال 2026، بينما يصل عدد السكان إلى نحو 87.9 مليون نسمة.

وأكد الصندوق أن توقعاته الخاصة بإيران محاطة بدرجة مرتفعة بصورة غير معتادة من عدم اليقين، بسبب تطورات الحرب والعقوبات.

وتوضح هذه المؤشرات عمق الأزمة الاقتصادية، لكنها لا تثبت أن الاقتصاد الإيراني يتجه إلى انهيار فوري أو أن الضغوط ستقود تلقائيًا إلى سقوط النظام، وهو التحفظ نفسه الذي أورده تقرير المجلة.

عقوبات جديدة

وقبل نشر تقرير “ذا أتلانتيك” بيوم واحد، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية حزمة جديدة من العقوبات ضمن عملية أطلقت عليها اسم “المنبوذ الاقتصادي”.

واستهدفت العقوبات شركة المحاماة “كارناكيس أند كارناكيس”، التي تعمل من بنما واليونان، ووكلاء شحن في سنغافورة والإمارات، إلى جانب مجموعة من سفن الشحن.

وقالت الوزارة إن الجهات المستهدفة ساعدت إيران في إخفاء عمليات الشحن ونقل النفط والبتروكيماويات والصلب، بما أتاح لطهران الحصول على إيرادات لتمويل برامجها العسكرية وبرامج الأسلحة والبرنامج النووي. وهذه اتهامات صادرة عن الحكومة الأمريكية.

وقال بيسنت: “سواء كنتم تنفذون عمليات نقل نفط غير قانونية في البحر، أو تجلسون في مكتب بإحدى شركات المحاماة، فإذا كنتم تدعمون النظام الإيراني، فسنعثر عليكم ونفرض عليكم العقوبات”.

وأوضحت الوزارة أن العقوبات فُرضت استنادًا إلى الأمر التنفيذي رقم 13902، الذي يستهدف قطاعي النفط والبتروكيماويات وقطاعات رئيسية أخرى في الاقتصاد الإيراني.

وتقدم هذه الخطوة دليلًا على استمرار استراتيجية الخنق الاقتصادي، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: متى تتحول الضغوط المالية إلى تنازل سياسي؟ ويشير تقرير “ذا أتلانتيك” إلى أن طهران لم تقدم حتى الآن التنازلات التي تراهن عليها إدارة ترامب.

كما يرى الصحفيان أن رهان الانهيار السريع يتجاهل أن المتشددين في طهران تحملوا، على مدار عقود، معاناة اقتصادية واسعة من دون الاستسلام للضغوط الخارجية.

النفط يدفع ثمن التهديد

ولم تنتظر أسواق الطاقة اتخاذ ترامب قراره النهائي؛ إذ تفاعلت مع أنباء العودة المحتملة إلى الحرب، بالتزامن مع تصاعد الهجمات على السفن والمنشآت في المنطقة.

وصعد خام برنت خلال تعاملات 22 أكتوبر بنسبة 3.2% إلى 112.27 دولار للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 2.8% إلى 99.80 دولار، بحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس.

وجاء الارتفاع بعد تقرير للتلفزيون الإيراني تحدث عن تضرر 7 ناقلات نفط واشتعال النيران فيها بمضيق هرمز. وأكدت أسوشيتد برس أن الرقم، إذا ثبت، سيكون أكبر عدد من السفن المتضررة في يوم واحد منذ بداية الحرب، ما يعني أنه لم يكن مؤكدًا بصورة مستقلة وقت النشر.

وقالت رويترز إن بيانات شركة “كبلر” أظهرت وقوع ما لا يقل عن 18 هجومًا على عمليات الشحن خلال الأسبوعين السابقين، فيما حذر محللون لدى “إل إس إي جي” من امتداد استهداف الناقلات إلى خليج عُمان وتهديد عمليات تحميل النفط الخليجية.

وأظهر تفاعل السوق جانبًا من تكلفة المقامرة قبل تنفيذها؛ إذ رفع مجرد احتمال التصعيد أسعار النفط، بما يفاقم مشكلة الطاقة التي تضغط سياسيًا على ترامب والجمهوريين قبل الانتخابات.

وقد تبدو أمام الرئيس الأمريكي فرصة للجمع بين حصار اقتصادي شديد وضربات مركزة لإنهاء الحرب سريعًا، لكن الخطة تعتمد على افتراضين غير مضمونين: أن إيران تقف بالفعل على حافة الانهيار، وأن ردها على الهجوم سيظل محدودًا.

وبينما يستطيع ترامب ونتنياهو الدفع نحو بدء جولة عسكرية جديدة، فإنهما لا يملكان وحدهما تحديد موعد انتهائها أو شكل المنطقة بعدها.

الأسئلة الشائعة

يدرس ترامب العودة إلى الحملة العسكرية ضد إيران عبر ضربات تمتد عدة أيام بالتوازي مع استمرار العقوبات والحصار البحري

بحسب التقرير يدرس ترامب استئناف الحملة العسكرية لعدة أيام على الأرجح عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية

يحذر التقرير من أن الضربات قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي أوسع لا تستطيع واشنطن التحكم فيه وقد تدفع إيران لتوسيع أهدافها واستخدام أسلحة جديدة