أثار قرار منحف “كيلفينغروف” (Kelvingrove) في إسكتلندا بنقل المومياوات المصرية القديمة من العرض العام، ردود أفعال بين الأثريين فى العالم، حيث استشهد المتحف بمخاوف تتعلق بـ “غياب الموافقة المستنيرة” والتغير في النظرة الأخلاقية لعرض الأجساد البشرية، والحفاظ على الحقوق الإنسانية الأساسية وكرامة المتوفين.

وفي حين حظيت هذه الخطوة بإشادة المدافعين عن الأخلاقيات، فإنها أثارت أيضاً تساؤلات هامة حول كيفية استمرار المتاحف في تكريم التاريخ القديم دون تحويل الأجداد البشرية إلى مجرد معروضات لإثارة الفضول.

ومع قيام المؤسسات الكبرى حول العالم بمراجعة مجموعاتها، تحول التركيز نحو كيفية إيجاد توازن بين تثقيف الجمهورمن جهة ، وأعادة النظر في العرض العام للمخلفات البشرية من جهة أخرى.

الدكتورة سحر سليم

عرض المومياوات

الدكتورة سحر سليم أستاذة الأشعة بكلية طب قصر العيني جامعة القاهرة وخبير الأشعة الأثار والمومياوات والتي فحصت العديد من الهياكل القديمة والمحنطة وًمنها مومياوات 40 ملك وملكة وساهمت في سيناريو العرض للمتاحف المصرية مثل المتحف القومي للحضارة المصرية (NMEC) ومتحف مطار القاهرة الدولي، أكدت فى تصريحات لـ”بوابة الأهرام”،أنه يجب أن نتذكر دائماً أن المومياوات ليست مجرد قطعة أثرية، بل هي أجساد لبشر، ويجب علينا احترام حقوقهم وكرامتهم الإنسانية، فالمصريين القدماء ابتكروا عملية التحنيط المقدسة لغرض واحد محدد، وهو الحفاظ على الجسد المادي حتى يتمكن من عبور رحلته الأبدية إلى العالم الآخر بسلام.

وأضافت سليم أن المصريين القدماء لم ينووا قط أن تتحول رفاتهم إلى مادة لإثارة فضول أشخاص يأتون بعد آلاف السنين لرؤيتها، إن هؤلاء الأفراد الذين دُفنوا في مصر القديمة أصروا على دفنهم في أرض مصر المقدسة، واختاروا البقاع الأكثر قدسية لراحتهم الأبدية، ولم يعطوا موافقتهم قط على شحنهم عبر المحيطات لعرضهم في الخارج، عندما تُحفظ المومياوات خارج مصر، فإن ذلك يتعارض مع رغبة المتوفين وعقيدتهم ورحلتهم الروحية، ولذا فإن قرار متحف كلفينجروف برفع المومياوات من العرض هو قرار سليم، كما أن السعي لاستعادتها بشكل كريم إلى وطنها مصر هو الخيار الأخلاقي الصحيح.

الدكتورة سحر سليم

علاوة على ذلك، يتعين علينا الاستماع إلى الجمهور، حيث يشعر قطاع متزايد من زوار المتاحف اليوم بعدم الارتياح تجاه العرض الغير لائق لبقايا بشرية مكشوفة.

ويرى بعض النقاد أن هناك تناقضاً أو ازدواجية في المعايير عندما نطالب برفع المومياوات من المتاحف الأجنبية بينما نستمر في عرضها داخل مصر، هذا قياس خاطئ تماماً ومرفوض، ولفهم السبب، يجب أن ننظر إلى مفهوم السيادة الثقافية والتاريخية، فمن غير المقبول تماماً بالنسبة للشعب البريطاني أن يتم استخراج جثة ملك بريطاني تاريخي، وشحنها عبر العالم، ووضعها في صندوق عرض زجاجي في القاهرة!.

وأضافت خبيرة الأشعة الأثار والمومياوات إن حكام أي أمة ينتمون إلى وطنهم وأرضهم، مؤكدة أن عرض المومياوات الملكية في المتحف القومي للحضارة المصرية (NMEC) بالقاهرة يختلف جوهرياً لأن هؤلاء الملوك والملكات متواجدون في وطنهم الأم، وتحت رعاية أحفادهم المباشرين، ويستقرون في بيئة وقورة تُحاكي المقابر الملكية القديمة، وتعمل كأضرحة مقدسة وليس كمجرد عرض سياحي.

الدكتورة سحر سليم

علاوة على ذلك، فإن عملنا العلمي في مصر لا يهدف إلى مجرد عرض جثة، بل يتعلق باستعادة الهوية الإنسانية لهؤلاء المصريين عامة والملوك والقادة خاصة وإعادة كتابة التاريخ من خلال العلم بطريقة آمنة وخير.

وأوضحت سليم، أنه مثال على ذلك هو أبحاثنا القائمة على الأشعة المقطعية لمومياء الملك “سقنن رع تاعا الثاني”، الذي حكم جنوب مصر (حوالي ١٥٥٨-١٥٥٣ قبل الميلاد) إبان فترة احتلال مصر من قِبل الأجانب (الهكسوس)، فالكشف عن مقتل الملك العنيف وإصاباته التي ترافقت مع أسلحة الهكسوس قد أعاد كتابة التاريخ بالكامل، فلقرون طويلة كانت تفاصيل مصيره غير مُحددة، ولكن فحوصاتنا الحديثة كشفت عن الطبيعة الدقيقة لإصابات رأسه البالغة، وثبت علمياً أنه قتل في ساحة المعركة أثناء كفاحه من أجل تحرير مصر، والذي أتمه من بعده ابنه الملك أحمس، ومن خلال هذا البحث، أعدنا صياغة تاريخه وحولناه من مجرد جسد ملفوف باللفائف إلى بطل قومي مهدت تضحيته الطريق لأبنائه لتأسيس عصر الدولة الحديثة المزدهر (حوالي ١٥٥٠-١٠٦٩ قبل الميلاد).

الدكتورة سحر سليم ودراسة المومياوات المصرية

وأضافت سليم أن رسالتنا العلمية لاستعادة الهوية الإنسانية لا تقتصر على داخل مصر فحسب، بل تمتد لتشمل تعاوننا مع المؤسسات الدولية، مثل تجربة العمل مع متحف ‘بارنوم’ (Barnum Museum) في ولاية كونيتيكت بالولايات المتحدة الأمريكية. لعدة عقود، كان يُعتقد خطأً أن الجثمان المحنط هناك يعود لرجل بناءً على الكتابات الموجودة على التابوت. ولكن من خلال أبحاثنا وفحوصاتنا بأشعة المقطعية، نجحنا في تصحيح هذا الخطأ التاريخي، وأثبتنا أن الجثمان يعود لامرأة، وقدمنا معلومات قيمة تعكس المكانة المحترمة والمرموقة التي حظيت بها المرأة في مصر القديمة. ولتغيير الصورة النمطية تماماً وتحويلها من مجرد معروضة تثير الفضول إلى إنسانة ذات هوية، اخترت لها اسم ‘إيبي’ (Ipy)، والذي يعني في اللغة المصرية القديمة “المفضلة”، وقد احتفى المتحف بهذا الاسم كثيراً، لتتحول من مجرد جثة مجهولة إلى الشخصية التاريخية الأكثر احتراماً وحظوة في المتحف.

وأوصحت خبيرة المومياوات، أن قناعتي الراسخة تظل هي أن العودة إلى الوطن والتراب المقدس هي الغاية الأخلاقية الأسمى والنهائية لجميع الرفات البشرية، فإن حالات مثل المومياء ‘إيبي’ تُظهر خطوة انتقالية بالغة الأهمية، وإلى أن تتحقق تلك العودة، يتيح لنا العلم والفحوصات الآمنة مثل الأشعة التدخل لإنقاذ هؤلاء الأفراد من قرون من التشويه والغموض في المتاحف العالمية و بدلا من ذلك التعامل معهم بوقار يستحقونه ورؤيتهم كبشر.

واختتمت سليم تصريحاتها لـ”بوابة الأهرام” إن استخدام العلم الحديث—مثل الأشعة المقطعية، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والطباعة الرقمية، وإعادة بناء الوجه والملامح التقريبية، تماماً كما فعلنا للملك رمسيس الثاني والملك توت عنخ آمون—يسمح لنا ببناء رابطة إنسانية وتعليمية عميقة بهذه الشخصيات التاريخية العظيمة في مصر، فنحن نعيد أجدادنا إلى الحياة لنكرم إرثهم في وطنهم، في حين أن استمرار عرضهم في الخارج كمعروضات غريبة ومثيرة للفضول لا يزال يمثل انتهاكاً صارخاً لكرامتهم، وفي ظل الاضطرابات وعدم تامين لكنوز حضارتنا المصرية في الخارج كما يحدث في متحف اللوفر حاليا بباريس ومع وجود متاحف مصرية على مستويات عالمية كالمتحف المصري الكبير فان المطالبة بعودة تراثنا الحضاري لأرض الوطن هو مطلب عادل.

الدكتورة سحر سليم ودراسة المومياوات المصرية
الدكتورة سحر سليم ودراسة المومياوات المصرية

الأسئلة الشائعة

المتحف برر قراره بمخاوف تتعلق بغياب الموافقة المستنيرة وتغير النظرة الأخلاقية لعرض الأجساد البشرية والحفاظ على الحقوق الإنسانية الأساسية وكرامة المتوفين

ترى أن رفع المومياوات من العرض قرار سليم، وأن استعادتها بشكل كريم إلى مصر هو الخيار الأخلاقي الصحيح لأن المصريين القدماء لم يقصدوا تحويل رفاتهم إلى مادة للفضول

بحسب سحر سليم فإن عرضها داخل مصر يختلف لأنها موجودة في وطنها الأم وتحت رعاية أحفادهم المباشرين وفي بيئة وقورة تحاكي المقابر الملكية القديمة وتعمل كأضرحة مقدسة