في زاوية «إضاءة» أجدني اليوم أمام تجربة سينمائية تستحق الإشادة والتوقف أمامها طويلًا، ليس فقط لأنها حصدت جائزة أفضل فيلم في مهرجان الجونة السينمائي، ولكن لأنها تعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل تجربة مستقلة تنجح في الوصول إلى الجمهور: متى يعترف الموزعون بأن السينما المستقلة ليست مجرد مغامرة محفوفة بالمخاطر، وإنما مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب وصناعة أفلام يمكن أن تعيش طويلًا في ذاكرة المشاهد؟

أتحدث عن فيلم «خروج آمن» للمخرج محمد حماد، الذي جاء فوزه ليمنح الأمل لكل من لا يزال يؤمن بأن السينما ليست مجرد حسابات تجارية وأرقام تتحقق في شباك التذاكر، وإنما فن قادر على ملامسة الإنسان، والغوص في مخاوفه وأسئلته، وترك أثر يتجاوز زمن العرض.

هذا فيلم صُنع بروح الهاند ميد، وبإمكانات ورؤية لا ترضخان بالضرورة لشروط ماكينة السينما التجارية، التي تنشغل في كثير من الأحيان بحساب الإيرادات وضمان استرداد الأموال، بينما يظل سؤال القيمة الفنية مؤجلًا: ماذا سيبقى من هذه الأفلام بعد سنوات؟ وأيها سيعود الجمهور إلى مشاهدته، وأيها سيجد مكانه في المكتبة السينمائية باعتباره عملًا يستحق الاكتشاف من جديد؟

ليس المقصود هنا التقليل من أهمية النجاح التجاري، فالصناعة تحتاج إلى جمهور وإيرادات تضمن استمرارها، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح شباك التذاكر المعيار الوحيد للحكم على الأفلام، وكأن العمل الذي لا يحقق أرقامًا ضخمة لا يستحق الحياة. فالتاريخ السينمائي مليء بأعمال صنعتها عناية أصحابها وإخلاصهم لفكرتها، ثم بقيت في وجدان الجمهور لأنها خاطبت مشاعر إنسانية صادقة، لا لأنها امتلكت حملات دعائية ضخمة أو نجومًا يضمنون لها صدارة الإيرادات.

في «خروج آمن» نلمس هذه الروح بوضوح؛ فالفيلم لا يتعامل مع الإنسان باعتباره وسيلة لتمرير رسالة مباشرة، بل يقترب منه بهدوء، ويترك للمشاهد فرصة اكتشاف ما وراء الخوف والصمت والتصرفات التي قد تبدو غامضة في البداية.

وتزداد أهمية التجربة حين نعرف أن نحو 90% من فريق التمثيل يخوضون تجربة الظهور السينمائي للمرة الأولى، وفق المعطيات المتاحة عن الفيلم. ورغم ذلك، جاءت تجسيداتهم للشخصيات لافتة ومقنعة، بما يجعلنا نعيد النظر في فكرة أن البطولة لا تصلح إلا للأسماء المعروفة، وأن الممثل الموهوب لا بد أن يكون قد استهلك سنوات طويلة أمام الكاميرا حتى يثبت قدرته.

لقد منحنا محمد حماد دليلًا جديدًا على أننا نمتلك ثروة بشرية من المواهب التي تحتاج إلى فرصة حقيقية، وإلى مخرج يعرف كيف يختارها ويوجهها، وإلى منتج وموزع يملكان الشجاعة لمنحها مساحة للظهور. وهذا وحده سبب كافٍ للتفاؤل، لأن استمرار السينما لا يتحقق بتدوير الأسماء نفسها إلى الأبد، وإنما باكتشاف وجوه جديدة تستطيع أن تحمل الحكايات إلى أجيال مقبلة.

ويأتي الفيلم بعد عشر سنوات من تجربة حماد الروائية الطويلة الأولى «أخضر يابس»، الذي شارك في مهرجان لوكارنو السينمائي عام 2016. وبين التجربتين، يظل مساره الإبداعي شاهدًا على اهتمامه بالسينما التي تبحث عن لغتها الخاصة، بعدما قدم منذ عام 2005 عددًا من الأفلام القصيرة، من بينها «الجنيه الخامس» و«سنترال» و«أحمر باهت» و«غطاس عبده فانوس». عشر سنوات تفصل بين الفيلمين الطويلين، لكنها لم تمنع المخرج من العودة بعمل يحمل رؤية واضحة وإصرارًا على تقديم سينما مختلفة.

أما الحكاية، فتأخذنا إلى أعماق سمعان، حارس الأمن الشاب القبطي الذي يعيش صدمة مقتل والده أمام عينيه على يد إرهابيين في ليبيا قبل عشر سنوات. يرث الابن من أبيه المهنة والأمانة وأضاف إليها الخوف، ويحاول أن يتعامل مع عالم يراه مهددًا، بينما يسعى في الوقت نفسه إلى الإجابة عن سؤال «من أنا؟»، وهو السؤال الذي اختاره عنوانًا لروايته الأولى التي يحاول نشرها.

وبين خوفه من شاب متطرف يقيم في البناية التي يحرسها، ومحاولاته المستمرة للتحرر من أسر التجربة التي عاشها، تتصاعد الأحداث في مسار إنساني لا يعتمد على الصخب بقدر اعتماده على التفاصيل والتوتر الداخلي.

ورغم أن الفيلم يقترب من قضايا شائكة وحساسة، فإنه ينجح في تناول جوانب منها بسلاسة ونعومة، بعيدًا عن التعقيد أو الاستعراض أو تحويل الشخصيات إلى مجرد شعارات. وهنا تكمن إحدى نقاط قوته، إذ يترك القضايا داخل نسيج الحكاية، فلا تبدو دخيلة عليها، بل جزءًا طبيعيًا من حياة أبطالها. هذا الاختيار يكشف عن ذكاء مخرجه، الذي يدرك أن الفن لا يحتاج دائمًا إلى رفع الصوت حتى يصل إلى المتلقي، وأن بعض الأفكار تصبح أكثر تأثيرًا حين تُقدم ببساطة وثقة.

وتأتي النهاية بمفاجأة تترك المشاهد أمام إحساس يصعب فصله عن رحلة سمعان نفسها. عند تلك اللحظة، لا يعود الأمر مجرد متابعة لشخصية على الشاشة، بل يصبح المشاهد شريكًا في خوفها وأسئلتها ومحاولتها العثور على مخرج.

وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأنا به: متى يمنح الموزعون السينما المستقلة فرصتها العادلة؟ فنجاح فيلم مثل «خروج آمن» لا ينبغي أن ينتهي عند منصة التتويج أو صورة الجائزة، بل يجب أن يمتد إلى دور العرض، وإلى جمهور أوسع يستحق أن يرى تجارب مختلفة، وإلى صناعة تدرك أن الاستثمار في المواهب والأفكار ليس ترفًا.

لقد فاز «خروج آمن» بجائزة أفضل فيلم في مهرجان الجونة، لكن جائزته الأهم أن يفتح الباب أمام نقاش جاد حول مستقبل السينما المصرية، ومعايير اختيار أفلامها، والفرص التي تُمنح لصناعها الجدد.

فالسينما التي تبقى ليست بالضرورة السينما الأعلى إيرادًا، وإنما تلك التي تمنحنا سببًا للعودة إليها، لأننا وجدنا فيها شيئًا من أنفسنا. وربما يكون هذا هو الخروج الآمن الحقيقي: أن نخرج من صالات العرض ونحن أكثر فهمًا للإنسان، وأكثر استعدادًا للاعتراف بأن الفن لا يُقاس دائمًا بما يجنيه في ليلة واحدة، بل بما يتركه في وجداننا لسنوات طويلة.

الأسئلة الشائعة

حصل فيلم «خروج آمن» للمخرج محمد حماد على جائزة أفضل فيلم في مهرجان الجونة السينمائي

المقال يركز على أن الفيلم مثال على السينما المستقلة التي تعتمد على الرؤية والإمكانات البسيطة وتستحق فرصة عادلة للوصول إلى الجمهور بدل الاكتفاء بالحكم عليها من خلال شباك التذاكر

تدور الحكاية حول سمعان حارس الأمن الشاب القبطي الذي يعيش صدمة مقتل والده في ليبيا قبل عشر سنوات ويحاول مواجهة الخوف وأسئلته الداخلية وسط توتر إنساني متصاعد