مصر ليست مجرد دولة تقع على خارطة العالم، ولكن هي فكرة وفلسفة وتاريخ متجسد على الأرض، وحين كتب الجغرافي الراحل الدكتور جمال حمدان موسوعته الشهيرة “شخصية مصر” لم يكن يصف جبالاً وطبيعة وأنهارا، بل كان يفك شفرة صياغة إلهية فريدة، صاغت من الجغرافيا تاريخًا، ومن التاريخ هوية عصية على الانكسار، إن الحديث عن مصر هو حديث عن عبقرية المكان، وأصالة الهوية، وخلود التاريخ؛ ثلاثة أركان تُشكل معًا المثلث الحضاري الذي جعل من هذا الوطن حالة استثنائية في تاريخ البشرية.
إن الحديث عن مصر ليس حديثًا عن رقعة جغرافية تحدها خطوط الطول والعرض، ولا هو سرد لحقبات زمنية وُلدت ثم تلاشت في طيات النسيان، ولكن هو إبحار في كينونة استثنائية امتزج فيها التراب بالخلود، وتألقت فيها الجغرافيا لتصنع التاريخ، ونقدم قراءة توثيقية في أعماق الجذور المصرية، ولكن نسعى إلى تفكيك الشفرة الحضارية لأمة لم تكتفِ بأن تشهد التاريخ.
في البدء كان المكان، ولم يكن المكان في حالة مصر مجرد مساحة طينية عابرة، ولكن كان تصميمًا إلهيًا معجزًا صاغته يد الطبيعة ليكون قلب العالم النابض، لقد تنبه المفكر الجغرافي الفذ الدكتور جمال حمدان إلى هذه الحقيقة وسماها عبقرية المكان، حيث تلتقي قارات العالم القديم، وتتعانق البحار، وتنساب السهول.
تقف مصر عند ملتقى آسيا وإفريقيا، وتطل بعين على البحر الأبيض المتوسط حوض الحضارات، وبالعين الأخرى على البحر الأحمر شريان التجارة العالمي.
الهوية المصرية هي أعجوبة أنثروبولوجية وتاريخية؛ فهي هوية ممتدة الجذور،شديدة الحساسية والعمق،قادرة على استيعاب الروافد المتعددة دون أن تفقد أصالتها أو تذوب في غيرها،على مر العصور، وعبرت أرض مصر جيوش وثقافات وحضارات لم تتشتت الشخصية المصرية،ولكن قامت بتمصير كل وافد إليها.
قيل قديما ” تخشى البشرية الزمن،ولكن الزمن يخشى الأهرامات “،نحن لا نتحدث عن تاريخ ميت يُعرض في المتاحف، بل عن تاريخ حي يمشى في الطرقات، ويتنفس العصر.
أولا- عبقرية المكان:
ان مصر قلب العالم وملتقى القارات، وتتمثل عبقرية المكان في مصر في ذلك الموقع الجيوسياسي الفريد الذي لا تملكه أي دولة أخرى، مصر هي الوطن الذي يلتقي فيه البحران المتوسط والأحمر، وتتصل فيه قارتان آسيا وإفريقيا، وتطل برأسها وعمقها الثقافي على القارة الثالثة أوروبا، ومصر هي القفل والمفتاح في قلب العالم القديم والحديث، هذا الموقع جعلها جسراً طبيعياً لانتقال البشر، والأفكار، والتجارة، والحضارات بين الشرق والغرب،والشمال والجنوب.
لم يكن النيل مجرد نهر يمر بأرض قاحلة، بل كان المهندس الأول للحضارة المصرية، حوّل النيل الصحراء الممتدة إلى وادٍ خصيب، وفرض على المصريين القدماء الاستقرار؛ مما دفعهم لابتكار علوم الزراعة، والفلك، والهندسة، والإدارة لتنظيم هذا النهر.
وهب الله مصر حدوداً طبيعية آمنة صحاري من الشرق والغرب، وبحار من الشمال والشرق حمتها من الفناء، لكنها لم تعزلها.
ظلت مصر منفتحة على العالم، تستقبل الثقافات وتمصرها، وتعيد تصديرها للعالم بثوب جديد.
ثانيا – أصالة الهوية:
الهوية المصرية ليست أُحادية الجانب، بل هي هوية مركبة ومتعددة الأبعاد، تتسم بالأصالة والقدرة المذهلة على البقاء دون أن تفقد جوهرها، وعلى مر العصور، مرت بمصر شعوب وثقافات وغُزاة، فما الذي حدث؟ ….
لم تتغير مصر لتصبح مثلهم، ولكن انصهر الجميع في بوتقتها وأصبحوا مصريين، تمتزج في الهوية المصرية أبعاد سبعة كما وصفها الدكتور ميلاد حنا في كتابه “الأعمدة السبعة”، فقال:«فرعونية، وعربية، وإسلامية، وقبطية، ومتوسطية، وإفريقية، وآسيوية»، وهذا المزيج لم يخلق صراعًا، ولكن صنع نسيجًا مُتناغمًا يظهر في العادات والتقاليد، والأمثال الشعبية، والعمارة، وحتى في اللهجة اليومية.
مصر أرض مُتدينة بفطرتها، احتضنت الأنبياء فمر بها أبو الأنبياء إبراهيم، وعاش فيها يوسف، ووُلد وتربى فيها موسى ـ عليهم السلام ـ ، واحتمت بربوعها العائلة المقدسة عيسى وأمه مريم ـ عليهما السلام ـ، ودخلها الإسلام فغدت منارته بفضل الجامع الأزهر الشريف، وهذا البُعد الروحي جعل التسامح والتعايش جزءًا أصيلاً من جينات المواطن المصري، ويحتفظ المصري بصفات ميزته عبر آلاف السنين الصبر المرتبط بالزراعة، خفة الظل والبهجة لمواجهة الصعاب، والارتباط الشديد بالأرض والوطن فكرة الانتماء للأرض والتراب.
ثالثا- خلود التاريخ من فجر الضمير إلى العصر الحديث:
إذا كان العالم يملك تاريخَا، فإن مصر تملك التاريخ كله، في مصر بدأ فجر الضمير الإنساني، حيث وجدت أول دولة مركزية منظمة في التاريخ، وأول قانون أخلاقي عدالة ماعت، وأول محاولة للتوحيد.
ـ الحضارة الفرعونية: تركت هذه الحقبة آثاراً تتحدى الزمن؛ فالأهرامات، والمعابد في الأقصر وأسوان، والتحنيط، والعلوم الطبية والفلكية، وليست مجرد حجارة، ولكن شهادة حية على عقل بشرى تفوق على عصره،وما زال يدهش العالم حتى اليوم.
ـ الحقبة القبطية والإسلامية وامتداد العطاء: وواصلت مصر دورها الحضاري، فكانت المدرسة اللاهوتية في الإسكندرية مركزًا فكريًّا للعالم المسيحي، ثم أصبحت القاهرة في العصر الإسلامي عاصمة العلوم، والفنون، والعمارة الإسلامية مدينة الألف مئذنة، وحمت العالم من التتار والصليبيين في لحظات تاريخية فارقة.
ـ التاريخ الحديث والمعاصر: لم يتوقف الخلود عند الماضي؛ ولكن تجسد في بناء مصر الحديثة مع محمد علي، وحفر قناة السويس شريان التجارة العالمي، وثورات الشعب المصري المتتالية من أجل الحرية والكرامة 1919، 1952م وحتى العصر الحديث، مؤكدة أن هذا الشعب حي لا يموت.
إن مصر ليست مجرد جغرافيا، ولكن هي التاريخ وقد تحول إلى جغرافيا، والجغرافيا وقد تحولت إلى بشر،عبقرية مكانها جعلتها مطمعاً للجميع، لكن أصالة هويتها جعلتها مقبرة للغزاة وبوتقة للصهر، وخلود تاريخها يضمن لها دائماً المقدرة على النهوض من تحت الرماد كطائر الفينيق كلما ظن البعض أنها ضعفت.
ستبقى مصر دائماً، كما قال المؤرخ الإغريقي هيرودوت “مصر هبة النيل”، وكما أضاف عليها المصريون بحقهم في صياغة وجودهم: “مصر هبة المصريين” الذين صنعوا من عبقرية المكان وخلود التاريخ وطنًا لا يشيخ.
د. سليمان عباس البياضي
عضو اتحاد المؤرخين العرب.
الدكتور سليمان عباس البياضي
يقصد بها الموقع الجيوسياسي الفريد لمصر عند ملتقى آسيا وإفريقيا وإطلالتها على البحرين المتوسط والأحمر بما جعلها جسراً طبيعياً لانتقال البشر والأفكار والتجارة والحضارات
يصفها بأنها هوية مركبة ومتعددة الأبعاد قادرة على استيعاب الروافد المختلفة دون أن تفقد أصالتها أو تذوب فيها وقد قامت بتمصير كل وافد إليها عبر العصور
ذكر المقال فجر الضمير الإنساني وأول دولة مركزية منظمة وأول قانون أخلاقي عدالة ماعت ثم الحضارة الفرعونية والحقبتين القبطية والإسلامية وبناء مصر الحديثة مع محمد علي وثورات 1919 و1952


