تمر علينا اليوم، السبت الموافق 24 أكتوبر، الذكرى ال53 لمعركة السويس، والتي تعد واحدة من أهم المعارك التي جسدت تلاحم الجيش والشعب المصري في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر 1973، حين تحولت مدينة السويس إلى ساحة لمقاومة شرسة أحبطت محاولة إسرائيلية لتحقيق نصر ميداني أخير، قبل سريان وقف إطلاق النار.

ففي الوقت الذي راهنت فيه القوات الإسرائيلية على تفوقها العسكري وقدرة دباباتها ووحداتها الخاصة على السيطرة على المدينة، اصطدمت بمقاومة ضارية شارك فيها جنود مصريون وأفراد الشرطة وأبناء السويس، الذين واجهوا القوات المتقدمة في الشوارع والمباني، وحولوا مسار الهجوم إلى معركة استنزفت المهاجمين وأجبرتهم على الانسحاب.

ولم تكن معركة السويس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل أصبحت رمزًا للمقاومة الشعبية والإرادة الوطنية، وواحدة من أبرز معارك المدن في التاريخ المصري الحديث، وفقًا لما تناولته مؤلفات تاريخية وعسكرية، من بينها كتاب «عبور القناة» للفريق سعد الدين الشاذلي، و«المعارك الحربية على الجبهة المصرية» للمؤرخ جمال حماد، إلى جانب كتابات تناولت حرب أكتوبر من وجهات نظر مصرية وإسرائيلية.

السويس.. الهدف الأخير في حسابات إسرائيل

مع اقتراب موعد وقف إطلاق النار، سعت القيادة الإسرائيلية إلى تحقيق مكسب عسكري جديد يعوض إخفاقاتها في تحقيق أهداف أخرى على الجبهة المصرية، وبعد تعثر محاولات القوات الإسرائيلية المتوغلة في منطقة الثغرة للسيطرة على بورسعيد أو الإسماعيلية، برزت السويس هدفا لعملية عسكرية راهنت إسرائيل على إنجازها خلال الساعات الأخيرة من الحرب.

وفي ظل ضيق الوقت، صدرت أوامر إلى القوات الإسرائيلية بالتقدم نحو المدينة اوقتحامها، وسط تقديرات بأن التفوق في الدبابات والتسليح يمنحها القدرة على فرض السيطرة سريعًا. لكن تلك الحسابات لم تأخذ في الحسبان طبيعة القتال داخل المدن، ولا استعداد أبناء السويس للدفاع عن مدينتهم بالتعاون مع القوات المصرية.

وهكذا دخلت القوات الإسرائيلية المواجهة وهي تراهن على سرعة الحسم، لتجد نفسها أمام معركة مختلفة، لم تكن فيها كثافة النيران وحدها كافية لتأمين التقدم أو ضمان السيطرة على الشوارع والمواقع الحيوية.

قصف وحصار.. السويس في مواجهة الساعات العصيبة

شهدت السويس، يوم 23 أكتوبر 1973، تصعيدا عسكريا إسرائيليا استهدف عزل المدينة وإضعاف قدرتها على المقاومة، بالتزامن مع الاستعداد اقتحام البري.

وتعرضت منشآت حيوية للقصف، وتضررت شبكات الاتصالات والمياه والكهرباء، فيما تساقطت القذائف على مناطق مختلفة من المدينة، وسط حالة من التوتر والقلق بين السكان، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة هجوم عسكري واسع.

وفي المستشفيات، تزايدت أعداد المصابين والشهداء، بينما أصبحت الاتصالات مع العالم الخارجي أكثر صعوبة. ومع ذلك، استمرت متابعة تطورات الموقف عبر وسائل الاتصال المتاحة، في وقت كانت فيه المدينة تستعد لاختبار بالغ القسوة.

ورغم الحصار والقصف، لم تتوقف الاستعدادات للمواجهة، بل تهيأ المقاتلون والأهالي للدفاع عن المدينة، مستفيدين من معرفتهم بشوارعها ومداخلها، وهو ما لعب دورًا مهمًا في تطورات المعركة لاحقًا.

فجر 24 أكتوبر.. الاستعداد للمواجهة الحاسمة

ومع بداية فجر 24 أكتوبر، احتشد عدد من أهالي السويس في المسجد الجامع بالمدينة، حيث ألقى المحافظ بدوي الخولي كلمة تحدث فيها عن اقتراب القوات الإسرائيلية واستعدادها لاقتحام السويس، داعيًا المواطنين إلى التماسك وضبط النفس.

ومع تصاعد أصوات التكبير، كانت الطائرات الإسرائيلية تحلق فوق المدينة، وتنفذ ضربات تمهيدية بالتزامن مع تحرك القوات البرية.

غير أن تحركات الطائرات، وفقًا للروايات الواردة عن المعركة، ساعدت المقاومة على استنتاج بعض مسارات التقدم المحتملة، بعدما لاحظ المدافعون تجنب قصف شوارع رئيسية يُعتقد أن القوات الإسرائيلية كانت تخطط لاستخدامها. وأتاح ذلك فرصة للاستعداد للكمائن، في مواجهة قوة مدرعة تتقدم داخل النطاق العمراني.

كمين الدبابات.. بداية تعثر الهجوم الإسرائيلي

تقدمت قوة إسرائيلية باتجاه منطقة الهويس شمالي المدينة، لكنها واجهت مقاومة من عناصر صائدي الدبابات التابعة للفرقة 19 بالجيش المصري، الذين تمكنوا من إصابة الدبابة المتقدمة وتعطيلها، ما أعاق حركة بقية القوة داخل الطريق الضيق.

وفي محور آخر، تقدمت قوة إسرائيلية من الجنوب ووصلت إلى منطقة المحافظة، بينما تحرك الرتل الرئيسي، الذي ضم دبابات مصفحات، من المدخل الغربي للمدينة.

وبحسب الروايات التاريخية للمعركة، لم تتوقع القوات الإسرائيلية حجم المقاومة التي ستواجها داخل السويس، وهو ما انعكس على طريقة تقدم بعض مركباتها، التي بدت أقل حذرا مما تقتضيه طبيعة القتال داخل مدينة مأهولة.

وفي هذه الأثناء، حاول المقاوم محمود عواد استهداف إحدى الدبابات باستخدام قذيفة من سلاح «آر بي جي»، لكنها لم تصب هدفها. ثم تصدى المقاوم إبراهيم سليمان، أحد عناصر منظمة سيناء العربية، للدبابة عند منطقة سينما رويال، وتمكن من إصابتها، قبل أن يستهدف مصفحة أخرى كانت ترافقها.

وأدى تعطيل المركبات المتقدمة إلى إرباك حركة الرتل الإسرائيلي، واندلاع اشتباكات مباشرة مع المدافعين، الذين استخدموا الأسلحة الفردية والقنابل اليدوية في مواجهة الجنود المتقدمين.

ومع تحول الشوارع إلى ساحات قتال، فقدت القوات الإسرائيلية ميزة الحركة السريعة التي كانت تعول عليها، وبدأت تواجه صعوبة في مواصلة التقدم وسط النيران القادمة من مواقع متعددة.

قسم الأربعين.. معركة داخل الشوارع والمباني

امتدت المواجهات إلى محيط قسم شرطة الأربعين، حيث واجهت القوات الإسرائيلية مقاومة من الأهالي وأفراد الشرطة، في واحدة من أكثر مراحل المعركة ضراوة.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن قوات إسرائيلية من المظليين رافقت الدبابات المصفحات، مستفيدة من مركبات مصرية استولى عليها الجيش الإسرائيلي خلال العمليات. لكن محاولات التقدم لم تمنع المدافعين من التعرف على القوات المهاجمة ومواجهتها بالنيران.

ومع اشتداد الاشتباكات، اضطر عدد من الجنود الإسرائيليين إلى مغادرة مركباتهم والاحتماء بالمباني المحيطة، بينما تواصلت المواجهات في الشوارع والمناطق القريبة من القسم.

وفي خضم القتال، تمكنت مجموعة من المظليين الإسرائيليين من الوصول إلى مبنى قسم الأربعين، حيث وقعت اشتباكات مع أفراد الشرطة المصرية. وأسفرت المواجهات عن سقوط ضحايا من الجانبين، فيما حاولت القوات المصرية استعادة السيطرة على المبنى عبر محاولات متكررة، دفعت خلالها الشرطة ثمنا باهظا.

وتذكر الروايات أن إبراهيم سليمان، الذي ارتبط اسمه باستهداف الدبابة الإسرائيلية في بداية الهجوم، شارك في محاولة اقتحام القسم، لكنه استشهد خلال المواجهات بعدما تعرض لإطلاق النار من قناصة إسرائيليين.

ولم تتوقف المقاومة عند ذلك، إذ واصل الأهالي استهداف القوات المتحصنة داخل المبنى، في حين واجهت محاولات الدبابات الإسرائيلية التقدم لمساندة المظليين نيران أعاقت حركتها.

وأظهرت هذه المواجهات أن السيطرة على مبنى أو شارع داخل المدينة لم تكن كافية لضمان السيطرة على السويس، في ظل استمرار المقاومة من مواقع متعددة، وتداخل أدوار الجيش والشرطة والسكان في التصدي للهجوم.

عندما تحولت المدينة إلى قوة مقاومة

كان أبرز ما ميز معركة السويس هو مشاركة المدنيين إلى جانب القوات النظامية، إذ لم يقتصر الدفاع عن المدينة على وحدات الجيش، بل امتد إلى أفراد الشرطة والمقاومين الشعبيين الذين استغلوا طبيعة الشوارع والمباني في مواجهة القوات المدرعة.

واستخدم المدافعون أسلحة مضادة للدبابات، إلى جانب البنادق والقنابل اليدوية ووسائل بدائية أخرى، في محاولة لتعطيل تقدم القوات الإسرائيلية ومنعها من تثبيت مواقعها داخل المدينة.

كما أسهمت معرفة الأهالي بتفاصيل الشوارع والمداخل في تسهيل الحركة بين مواقع المقاومة، وتحديد أماكن تجمع القوات المهاجمة، وهو ما زاد من صعوبة تحرك الدبابات والمصفحات داخل النطاق العمراني.

وبينما كانت القوات الإسرائيلية تعتمد على التفوق في التسليح والقدرة على المناورة، فرضت طبيعة القتال داخل السويس معادلة مختلفة، أصبح فيها التقدم مكلفا، وباتت كل محاولة للسيطرة على موقع جديد محفوفة بالمخاطر.

الانسحاب تحت جنح الظلام

مع حلول الليل، تراجعت قدرة القوات الإسرائيلية على مواصلة التحرك بأمان داخل المدينة، في ظل استمرار المقاومة وتزايد صعوبة تأمين المواقع التي وصلت إليها.

وبدأت بعض القوات التي احتلت مباني ومواقع داخل السويس في الانسحاب، فيما واجه الجيش الإسرائيلي صعوبات في سحب المركبات التي تعطلت خلال الاشتباكات. واستغل المقاوم محمود عواد الموقف، وفقًا للروايات المتداولة عن المعركة، وأضرم النيران في عدد من الدبابات المعطلة لمنع القوات الإسرائيلية من استعادتها.

ومع استمرار الضغط، تواصل خروج القوات الإسرائيلية من مواقعها، بينما امتدت عمليات الانسحاب إلى الساعات الأولى من اليوم التالي، في مشهد عكس تعثر محاولة اقتحام المدينة وتحقيق الهدف الذي سعت إليه القيادة الإسرائيلية.

ولم يكن الانسحاب مجرد نهاية لتحرك عسكري، بل مثّل إخفاقًا في فرض السيطرة على مدينة واجهت الهجوم بتكاتف قواتها وأبنائها، رغم الحصار والقصف والتفاوت في الإمكانات العسكرية.

خسائر إسرائيلية ونهاية محاولة اقتحام السويس

تورد بعض الروايات التاريخية تقديرات تشير إلى سقوط نحو 80 قتيلًا و150 جريحًا في صفوف القوات الإسرائيلية خلال المواجهات، إلى جانب خسائر في الدبابات والمصفحات.

غير أن هذه الأرقام تحتاج إلى مقارنتها بالمصادر العسكرية المصرية والإسرائيلية الأصلية، نظرًا لاختلاف التقديرات بشأن خسائر المعركة وتفاصيلها.

وفي المقابل، تكبدت السويس خسائر بشرية مؤلمة، إذ سقط شهداء من أفراد الشرطة والمقاومة والأهالي خلال الاشتباكات، بينما تعرضت المدينة لأضرار واسعة جراء القصف والقتال.

ومع ذلك، بقيت معركة 24 أكتوبر علامة بارزة في سجل حرب أكتوبر 1973، بعدما فشلت القوات الإسرائيلية في إخضاع السويس، وبرز دور المقاومة الشعبية في إفشال الهجوم داخل المدينة.

24 أكتوبر.. ذكرى صمود لا تغيب

تظل ذكرى معركة السويس شاهدً على أن حروب المدن لا تُحسم دائمًا بالتفوق في السلاح أو كثافة القوات، بل قد تغيرها إرادة المدافعين، ومعرفتهم بأرضهم، وقدرتهم على تحويل الشوارع والمباني إلى خطوط مواجهة.

ففي 24 أكتوبر 1973، تلاقت جهود الجيش المصري والشرطة والمقاومة الشعبية في معركة تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الوطنية، وأكدت أن الدفاع عن المدن لا ينفصل عن تماسك المجتمع واستعداده لتحمل كلفة المواجهة.

ومن هنا، لم تعد السويس في تلك الذكرى مجرد مدينة تعرضت لهجوم عسكري، بل أصبحت رمزًا للصمود والتضحية، وواحدة من الصفحات التي ارتبطت بانتصارات حرب أكتوبر، وظلت حاضرة في الوجدان المصري بوصفها ملحمة جسدت تلاحم الشعب والجيش في مواجهة الاحتلال.

الأسئلة الشائعة

وقعت المعركة يوم 24 أكتوبر 1973، وتعد واحدة من أبرز معارك حرب أكتوبر التي شهدت مقاومة شعبية وعسكرية داخل مدينة السويس

شارك في الدفاع عن المدينة جنود مصريون وأفراد الشرطة وأبناء السويس، وتداخل دور الجيش والشرطة والمقاومة الشعبية في صد الهجوم

فشلت القوات الإسرائيلية في إخضاع السويس واضطرت بعض قواتها إلى الانسحاب بعد مقاومة ضارية وخسائر في الدبابات والمصفحات