لم تعد مخاطر السمنة مقتصرة على أمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان، إذ كشفت دراسة علمية حديثة عن ارتباط بين السمنة السريرية وزيادة حجم الآفات التي تصيب المادة البيضاء في الدماغ، ما يفتح الباب أمام فهم أعمق لتأثير اضطرابات التمثيل الغذائي في صحة الجهاز العصبي مع التقدم في العمر.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية Neurology، أن الأشخاص الذين أمضوا فترات أطول من حياتهم وهم يعانون من السمنة السريرية سجلوا أحجامًا أكبر من التشوهات المعروفة باسم «فرط كثافة المادة البيضاء»، وفقًا لما أورده موقع «ساينس أليرت» العلمي.
وتكتسب هذه النتائج أهميتها من اعتماد الباحثين على معايير حديثة لتصنيف السمنة، بدلًا من الاكتفاء بمؤشر كتلة الجسم، الذي لا يقدم بمفرده صورة متكاملة عن توزيع الدهون أو الحالة الأيضية للفرد.
ما علاقة السمنة بتلف المادة البيضاء؟
تؤدي المادة البيضاء دورًا أساسيًا في نقل الإشارات العصبية بين مناطق الدماغ المختلفة، بما يساعد على تنسيق الوظائف المعرفية والحركية. وعند ظهور آفات فيها، يمكن أن يشير ذلك إلى تغيرات مرضية، من بينها الأضرار المرتبطة بالأوعية الدموية الدقيقة.
وتظهر هذه الآفات في فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي على هيئة مناطق أكثر سطوعًا، وقد ارتبطت في أبحاث سابقة بتراجع بعض القدرات الإدراكية، خاصة مع التقدم في العمر.
واعتمدت الدراسة الجديدة على بيانات 190 مشاركًا ضمن «دراسة بوغالوسا للقلب»، وهي دراسة مجتمعية طويلة الأمد انطلقت عام 1972 في ولاية لويزيانا الأمريكية لمتابعة المؤشرات الصحية للمشاركين منذ مراحل مبكرة من حياتهم.
وحلل الباحثون نتائج الفحوصات الصحية المتكررة التي جُمعت منذ عام 1985، إلى جانب صور الرنين المغناطيسي التي أُجريت بين عامي 2017 و2025، وكان متوسط أعمار المشاركين وقت التصوير 56.5 عامًا.
معايير جديدة تكشف الفروق بين حالات السمنة
لم يعتمد فريق البحث على مؤشر كتلة الجسم وحده، بل استخدم إطارًا تصنيفيًا حديثًا وضعته لجنة دولية مرتبطة بمجلة «لانسيت»، يميز بين غياب السمنة، والسمنة ما قبل السريرية، والسمنة السريرية.
ويأخذ هذا التصنيف في الاعتبار التأثيرات الصحية للسمنة، ومدى ارتباط تراكم الدهون باضطرابات وظيفية أو أمراض مصاحبة، بدلًا من الاعتماد على الوزن والطول فقط.
وتشير السمنة ما قبل السريرية إلى وجود دهون زائدة دون أدلة واضحة على اختلال وظائف الأعضاء بسببها، بينما ترتبط السمنة السريرية بتأثيرات مرضية فعلية أو اضطرابات تؤثر في صحة الجسم ووظائفه.
وأوضح الباحثون أن هذا التمييز قد يساعد في تفسير التناقضات التي ظهرت في دراسات سابقة بشأن العلاقة بين السمنة وصحة الدماغ، وهي الظاهرة المعروفة باسم «مفارقة السمنة»، إذ توصلت بعض الأبحاث إلى نتائج بدت وكأنها تشير إلى انخفاض مخاطر الخرف أو الوفاة لدى بعض الأشخاص المصابين بالسمنة.
آفات دماغية أكبر لدى المصابين بالسمنة السريرية
أظهرت النتائج أن المشاركين الذين عانوا من السمنة السريرية لفترات أطول سجلوا أحجامًا أكبر من آفات المادة البيضاء. كما أشارت المقارنة بين المشاركين في الخمسينيات من العمر إلى أن حجم هذه الآفات لدى من عانوا من السمنة السريرية تجاوز ضعفي المتوسط المسجل لدى الذين لم يمروا بهذه الحالة.
ومن بين أفراد العينة البالغ عددهم 190 مشاركًا، تعرض 133 شخصًا، أي نحو 70%، للسمنة السريرية في مرحلة ما من حياتهم.
ورصد الباحثون كذلك ارتفاع انتشار الحالة مع التقدم في العمر؛ إذ كانت نسبتها أقل من الثلث خلال العشرينيات، ثم تجاوزت النصف بحلول منتصف الثلاثينيات، لتصل إلى أكثر من ثلثي المشاركين بحلول منتصف الأربعينيات.
وتشير هذه النتائج إلى وجود ارتباط بين طول فترة التعرض للسمنة السريرية وزيادة التغيرات التي تصيب المادة البيضاء، لكنها لا تثبت بمفردها أن السمنة هي السبب المباشر لهذه الآفات، كما أن حجم العينة المحدود يستدعي الحذر عند تعميم النتائج.
ضغط الدم والسكري.. عوامل تزيد المخاطر
يرجح الباحثون أن العلاقة بين السمنة السريرية وتغيرات الدماغ قد تمر عبر مجموعة من المسارات الأيضية والوعائية، خاصة ارتفاع ضغط الدم والسكري واضطراب مستويات الدهون في الدم.
وتُعد هذه الحالات من عوامل الخطر المعروفة التي قد تؤثر في الأوعية الدموية الدقيقة، بما فيها الأوعية المغذية للدماغ، وتزيد احتمالات حدوث تغيرات في أنسجته بمرور الوقت.
كذلك قد يرتبط تراكم الدهون بحالة من الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، واضطراب إفراز الأديبوكينات، وهي مواد تفرزها الأنسجة الدهنية وتشارك في تنظيم عمليات التمثيل الغذائي.
وقد تسهم هذه التغيرات في إضعاف وظيفة بطانة الأوعية الدموية والتأثير في الحاجز الدموي الدماغي، الذي يؤدي دورًا مهمًا في حماية أنسجة الدماغ وتنظيم انتقال المواد من الدم إليها.
كما يمكن أن ترتبط مقاومة الأنسولين واضطرابات التمثيل الغذائي ومرض الكبد الدهني بزيادة المخاطر الوعائية، بما قد ينعكس على سلامة المادة البيضاء.
هل تمهد النتائج لفهم أفضل لشيخوخة الدماغ؟
تسلط الدراسة الضوء على أهمية النظر إلى السمنة باعتبارها حالة صحية متعددة الأبعاد، لا مجرد زيادة في الوزن، مع ضرورة الانتباه إلى توقيت ظهورها ومدتها والاضطرابات المصاحبة لها.
وتشير النتائج إلى أن التغيرات الأيضية والوعائية المرتبطة بالسمنة السريرية في مراحل البلوغ قد تتراكم آثارها على مدى سنوات، قبل أن تظهر بوضوح في فحوصات الدماغ خلال منتصف العمر.
ومع ذلك، لا تعني زيادة آفات المادة البيضاء بالضرورة إصابة الشخص بالخرف، ولا تثبت الدراسة أن جميع المصابين بالسمنة سيعانون من تدهور معرفي. كما أن تأكيد طبيعة العلاقة يتطلب دراسات أوسع تتابع المشاركين لفترات أطول، وتفحص العوامل الصحية والسلوكية الأخرى التي قد تؤثر في النتائج.
وتعزز هذه المعطيات أهمية الوقاية من اضطرابات التمثيل الغذائي، ومتابعة ضغط الدم ومستويات السكر والدهون، إلى جانب تبني نمط حياة صحي، باعتبارها خطوات مهمة للحفاظ على صحة الأوعية الدموية والدماغ مع التقدم في العمر.

الأسئلة الشائعة

وجدت الدراسة ارتباطًا بين طول فترة الإصابة بالسمنة السريرية وزيادة حجم آفات المادة البيضاء في الدماغ

يرجح الباحثون أن العلاقة قد تمر عبر ارتفاع ضغط الدم والسكري واضطراب الدهون في الدم والالتهاب المزمن ومقاومة الأنسولين

لا، الدراسة لا تثبت أن زيادة آفات المادة البيضاء تعني الإصابة بالخرف أو أن جميع المصابين بالسمنة سيعانون من تدهور معرفي