في اكتشاف يسلط الضوء على أحد الألغاز المرتبطة بتطور الدماغ، توصل باحثون ألمان إلى أن الفروق بين أدمغة الإنسان وقردة المارموست الصغيرة لا تتعلق بالحجم وحده، بل تبدأ من الطريقة التي تنمو بها الخلايا المسؤولة عن تكوين أنسجة الدماغ، ومعدل انقسامها، والمدة التي تظل خلالها نشطة في إنتاج الخلايا العصبية، وتقدم نتائج الدراسة تفسيرًا علميًا لكيفية تشكل التلافيف والشقوق التي تميز أدمغة البشر ومعظم الرئيسيات، في مقابل السطح شبه الأملس الذي يميز دماغ المارموست، وهو نوع صغير من القردة يختلف عن كثير من أقاربه في حجم الدماغ وتركيبه.

اختلافات دقيقة تصنع فارقًا كبيرًا
تتميز أدمغة معظم الرئيسيات بقشرة مخية تتخللها طيات وتلافيف متعددة، بينما يبدو دماغ المارموست أقل تعقيدًا من هذه الناحية، ويشير الباحثون إلى أن هذا الاختلاف قد يرتبط بتغيرات طرأت على آليات نمو الدماغ خلال التطور، بعدما كان السلف المشترك للرئيسيات الحديثة، وفقًا للتفسير الذي تتبناه الدراسة، يمتلك دماغًا متوسط الحجم تظهر عليه بعض التلافيف.
وبحسب باحثين في المركز الألماني للرئيسيات، المعروف باسم معهد لايبنتس لبحوث الرئيسيات بمدينة غوتينغن، فإن نمو دماغ المارموست يبدأ بمراحل تشبه إلى حد كبير ما يحدث لدى الرئيسيات ذات الأدمغة الأكبر والأكثر تلافيفًا، لكن المسار يتغير لاحقًا، عندما يتباطأ إنتاج الخلايا العصبية، ما يحد من نمو القشرة المخية ويقلل فرص تكوّن الطيات.
ووفقا بموقع «ساينس ديلي» عن بيان للمركز أن هذه النتائج تكشف أهمية التغيرات التي تحدث خلال مراحل النمو المبكرة، إذ يمكن لاختلافات تبدو محدودة على المستوى الخلوي أن تقود إلى فروق واضحة في الشكل النهائي للدماغ.
«أدمغة مصغرة» تكشف أسرار النمو
للوصول إلى هذه النتائج، استخدم الفريق العلمي ما يعرف بالعُضويات الدماغية، وهي تراكيب خلوية ثلاثية الأبعاد تُنمو في المختبر انطلاقًا من الخلايا، وتتيح محاكاة بعض مراحل التطور المبكر للدماغ وقارن الباحثون بين عُضويات مستنبتة من خلايا بشرية وأخرى مشتقة من خلايا المارموست، مع التركيز على الخلايا السليفة العصبية، وهي الخلايا التي تنتج الخلايا العصبية الجديدة وتؤدي دورًا أساسيًا في تحديد حجم الدماغ ونمو القشرة المخية.
وأظهرت المقارنة أن إنتاج الخلايا العصبية لدى المارموست يتأثر بمجموعة من الاختلافات المتداخلة، وليس بسبب عامل منفرد، فبعض الخلايا السليفة تنقسم بمعدل أبطأ من نظيراتها البشرية، في حين تتميز أنواع أخرى ببنية أبسط واستطالات خلوية أقل، وهو ما قد يحد من قدرتها على التكاثر، كما تبين أن فترة النمو السريع لهذه الخلايا أقصر لدى المارموست، ما يقلل الوقت المتاح لإنتاج أعداد كبيرة من الخلايا العصبية، وتساعد هذه العوامل مجتمعة في تفسير سبب امتلاك هذا الحيوان دماغًا أصغر وقشرة مخية أقل تلافيفًا.
تجارب إضافية لتعزيز موثوقية النتائج
وأوضح مايكل هايده، رئيس مجموعة أبحاث نمو الدماغ وتطوره في المركز الألماني للرئيسيات، أن الجمع بين النماذج المخبرية والدراسات الحيوية يوفر فرصة لفهم عمليات يصعب تتبعها بصورة شاملة داخل الرئيسيات الحية، وتسمح العُضويات الدماغية للباحثين بإجراء تجارب متكررة باستخدام عينات متعددة، وهو ما يدعم المقارنة بين الأنواع المختلفة.
وللتأكد من أن الملاحظات المستخلصة من النماذج المخبرية تعكس ما يحدث في الدماغ الطبيعي، أعاد الفريق اختبار نتائج أساسية باستخدام أنسجة دماغية جنينية، كما أخذ الباحثون في الاعتبار الاختلاف في سرعة التطور بين الإنسان والمارموست عند مقارنة مراحل النمو.
وأظهرت نتائجهم أن العُضوية الدماغية للمارموست في عمر 50 يومًا تقابل، من حيث المرحلة النمائية، مرحلة تقارب اليوم التسعين في النموذج البشري، ما أتاح إجراء مقارنات أكثر دقة بين الخلايا في مراحل متقاربة من التطور.
ماذا تعني هذه النتائج لفهم الدماغ البشري؟
تتجاوز أهمية الدراسة تفسير الاختلافات الشكلية بين أدمغة الرئيسيات، إذ تقدم مدخلًا لفهم كيفية تشكل القشرة المخية خلال النمو، والعوامل التي تحدد حجمها ودرجة تعقيد بنيتها، فمعرفة الطريقة التي تتكاثر بها الخلايا السليفة العصبية، والمدة التي تستمر خلالها في إنتاج الخلايا الجديدة، قد تساعد العلماء على فهم ما يحدث عندما تتعطل بعض مراحل نمو الدماغ أو تسير بصورة غير طبيعية.
ويرى الباحثون أن النتائج تفتح المجال أمام دراسات مستقبلية أكثر تفصيلًا حول آليات تطور الدماغ البشري، وقد تسهم في توضيح بعض العمليات البيولوجية المرتبطة باضطرابات النمو العصبي، دون أن تعني بالضرورة التوصل إلى علاجات مباشرة لهذه الاضطرابات في الوقت الحالي.
وتؤكد الدراسة، في مجملها، أن شكل الدماغ النهائي لا يتحدد بالحجم وحده، وإنما يتأثر أيضًا بالتوقيت الدقيق لانقسام الخلايا وقدرتها على التكاثر واستمرارها في العمل خلال مراحل النمو، وهي تفاصيل مجهرية قد تصنع، في نهاية المطاف، الفارق بين دماغ صغير شبه أملس ودماغ بشري تتشكل على سطحه شبكة معقدة من التلافيف والطيات.
الدراسة توضح أن تجاعيد الدماغ لا ترتبط بالحجم فقط، بل بطريقة نمو الخلايا المسؤولة عن تكوين أنسجة الدماغ ومعدل انقسامها ومدة بقائها نشطة في إنتاج الخلايا العصبية
لأن إنتاج الخلايا العصبية لديه يتباطأ لاحقًا أثناء النمو، كما أن بعض الخلايا السليفة تنقسم أبطأ ولديها بنية أبسط وفترة نمو سريع أقصر
استخدموا العُضويات الدماغية المستنبتة من خلايا بشرية وخلايا مارموست ثم أعادوا اختبار نتائج أساسية باستخدام أنسجة دماغية جنينية مع مراعاة اختلاف سرعة التطور بين النوعين


