تشهد المجتمعات المعاصرة تحولات بنيوية عميقة تعيد إنتاج أشكال قديمة من الوصاية الفكرية والأخلاقية ولكن بأدوات مستحدثة أكثر شراسة وعدوانية، حيث تبرز ظاهرة الحسبة المجتمعية بوصفها واحدًا من أخطر الأمراض الاجتماعية والنفسية التي تهدد كيان الدولة الوطنية وتماسك النسيج المجتمعي من أساسه. لم يعد الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر أو سجال فكري بين مدارس فلسفية أو دينية متنوعة، بل تحول إلى هجوم ممنهج ومستمر تقوده جماعات الغوغاء ومنتفعو الهوس الأخلاقي الذين نصبوا أنفسهم، بلا توكيل ولا تفويض، وكلاء حصريين عن السماء ومفتشين في ضمائر الناس وأسرار حياتهم الخاصة. إن هذا الانفلات العشوائي يمثل انقلابًا كاملًا على مفهوم القانون ومؤسسات الدولة الحديثة التي وحدها تمتلك حق الاحتكار الشرعي لإنفاذ العدالة وصيانة النظام العام، ليحل محلها قانون الغاب الرقمي والواقعي الذي يقوده الدهماء تحت غطاء زائفة من الغيرة الدينية والأخلاقية، بينما الواقع يكشف عن دوافع عميقة تتأصل في الرغبة الجامحة في الهيمنة، والتعويض عن الشعور بالعجز الفردي والمجتمعي، وتفريغ طاقات الكبت والعنف المكبوت في قنوات مدمرة تهدد كل معاني الحرية الفردية والتنوع الخلاق.
تستند هذه الظاهرة المرضية إلى جذور فكرية عتيقة تغذت طويلًا على ثقافة الاستعلاء الإيديولوجي وإلغاء الآخر، حيث يُنظر إلى المجتمع لا باعتباره كيانًا متنوعًا ومتعايشًا يحكمه العقد الاجتماعي والقانون، بل كساحة معركة صفرية ينبغي فيها فرض نموذج أحادي صارم للفضيلة المزيفة التي تخلو من أي جوهر إنساني أو روحي حقيقي وتختزل في المظاهر السطحية والشكليات المتزمتة. تتغذى الآليات النفسية لهذه الجماعات على شعور زائف بالاستحقاق الأبوي، وكأن العقل المجتمعي قد أُصيب بانتكاسة تعيد إنتاج مرحلة الطفولة الحضارية التي تحتاج إلى أب أو وصي دائم يوجه السلوك ويراقب الخطوات ويصدر الأحكام القطعية بالخزي والإدانة. وفي بيئة تقنيات التواصل الحديثة، وجدت هذه النزعات الظلامية بيئة خصبة للتكاثر والتوسع، إذ وفرت المنصات الرقمية ما يشبه المحاكم الميدانية السريعة التي لا تلتزم بأي معايير للعدالة أو التحقيق أو حق الدفاع، بل تتحول المنشورات والتعليقات إلى منصات إعدام معنوي ممنهج تستهدف تشويه السمعة، والتحريض على الكراهية، والمساس بالحريات الشخصية المكفولة بكل المواثيق الإنسانية والدستورية. إن هؤلاء الحراس المزيفين لا يدافعون حقًا عن منظومة أخلاقية رفيعة، بل يمارسون شكلًا مفضوحًا من الإرهاب الفكري والنفسي ضد كل من يجرؤ على التفكير بشكل مختلف، أو التعبير عن ذاته خارج القوالب المعلبة التي تُفرض بالقوة والابتزاز المعنوي.
تتجاوز تداعيات هذه الحسبة المجتمعية حدود الأذى النفسي الموجه للأفراد لتضرب في عمق الدولة الوطنية وتماسكها المؤسسي، إذ إن ترسيخ منطق الوصاية الشعبية يعني بوضوح إلغاء سيادة القانون وإعلان انهيار هيبة المؤسسات الرسمية لصالح شريعة الغوغاء والقطيع. عندما يتولى الشارع أو المنصات الرقمية محاكمة البشر على أزيائهم، أو أفكارهم، أو خياراتهم الحياتية، فإن ذلك يعلن صراحةً تقويض مفهوم المواطنة المتساوية التي تضمن لكل فرد حماية حقوقه وحرياته الأساسية بغض النظر عن معتقداته أو قناعاته. إن المجتمعات التي تفرط في حماية الحريات الفردية وتستسلم لإرهاب الأغلبية المتزمتة أو الفئات الصوتية الصاخبة، تحكم على نفسها بالركود الحضاري والموت الإبداعي، لأن الإبداع والابتكار والتطور الفكري لا يمكن أن تزدهر في مناخ يخنقه الخوف من التكفير أو الوصم الأخلاقي أو التنمر الجماعي. وما يزيد المشهد قتامة هو صمت النخب الثقافية والسياسية أحيانًا، أو تواطؤها الخفي أحيانًا أخرى خوفًا من بطش الشارع أو طمعًا في مكاسب شعبوية رخيصة، مما يترك الأفراد العزل فريسة سهلة لماكينات التجهيل الممنهج التي تخلط المفاهيم وتستبدل القيم الإنسانية النبيلة بشعارات جوفاء تخدم فقط مصساح طغاة الفكر وأمراء الإيذاء المعنوي.
لا يمكن مواجهة هذا الخطر الوجودي المحدق بالمجتمع إلا من خلال ثورة ثقافية وفكرية جذرية تعيد الاعتبار لمفهوم العقلانية النقدية، وتؤكد على مركزية الفرد وحريته باعتبارهما الغاية القصوى لأي مشروع تنموي أو حضاري حقيقي. إن استعادة الدولة الوطنية لهيبتها الكاملة ومنع أي طرف من نصب نفسه قاضيًا أو محتسبًا على المواطنين هو شرط لا غنى عنه لاستتباب السلم الأهلي وصيانة الحقوق الدستورية. كما أن تفكيك الخطاب الأصولي المتخلف الذي ينتج هذه النماذج المشوهة يتطلب شجاعة فكرية في فضح آلياته وكشف زيف ادعاءاته الأخلاقية، وإبراز أن الفضيلة الحقيقية تنبع من الضمير الإنساني الحر والواعي وليست وليدة الإكراه والترهيب الاجتماعي. إن معركة الوعي اليوم هي معركة وجود لا تحتمل التردد، فإما أن ننتصر لدولة القانون والمواطنة والتعددية والتفكير العقلاني الحر، وإما أن نترك مقدراتنا ومستقبل أجيالنا رهينةً في أيدي غوغاء يجهلون معنى الحياة الإنسانية النبيلة ويسعون بلا توقف لجر الجميع إلى سراديب التعصب والظلام والوصاية البغيضة.
يحذر من الحسبة المجتمعية ومن تحوّل جماعات الغوغاء إلى حراس مزيفين للفضيلة يفتشون في ضمائر الناس وحياتهم الخاصة خارج إطار القانون
يصفها بأنها وفرت بيئة خصبة لتحول المنشورات والتعليقات إلى محاكم ميدانية سريعة تمارس التشهير والتحريض على الكراهية والمساس بالحريات الشخصية
يدعو إلى ثورة ثقافية وفكرية تعيد الاعتبار للعقلانية النقدية ومركزية الفرد وحريته، مع استعادة الدولة الوطنية لهيبتها ومنع أي طرف من نصب نفسه قاضيًا على المواطنين


