كان محمود الريماوي في العشرين من عمره حين التقى غسان كنفاني في بيروت، وكان غسان في الثانية والثلاثين، قد قطع شوطًا مهمًا في الكتابة والصحافة، وأصبح اسمه معروفًا بين المثقفين الفلسطينيين والعرب. جاء الريماوي إلى المدينة وهو يحاول أن يجد مكانًا لنشر نصوصه. لم تكن بين الرجلين صداقة، ولم يكن الريماوي يحمل توصية من أحد تفرض على غسان أن يستقبله أو يهتم بأمره؛ كانت هناك الموهبة، التي قرر الكاتب والمناضل أن يمنحها فرصة.

يروي محمود الريماوي في حوار له أنه كان يرسل قصصه إلى غسان عبر بعض قيادات الجبهة الشعبية في شمال الأردن، على أمل نشرها في مجلة “الآداب”، قبل أن يلتقيه شخصيًا في بيروت عام 1971. ثم جمعهما العمل الثقافي والصحفي، وفتح كنفاني أمامه صفحات الملحق الثقافي لصحيفة “الأنوار”، قبل أن يصطحبه إلى مجلة “الهدف”، التي تولى إدارتها، ليعمل محررًا ثقافيًا فيها قرابة عامين.

في شهادة الريماوي عن تلك المرحلة، نلمح أثرًا يتجاوز نشر قصة أو إتاحة وظيفة. فقد تحدث عن الثقة التي منحه إياها كنفاني، وعن المودة التي بادر بها بدون معرفة سابقة، وعن المساحة التي تركها له كي يعمل ويجرب. وكان في ذلك ما يحتاج إليه شاب في أول الطريق؛ أن يجد من يعامله باعتباره كاتبًا قادرًا على تحمل المسؤولية، وأن يفتح أمامه بابًا مهنيًا يستطيع من خلاله أن يتعلم ويثبت حضوره.

تستوقفني هذه التفاصيل لأن غسان كنفاني نفسه عرف معنى البدايات الصعبة، وعرف الطريق الذي يسلكه الكاتب حين يحمل نصوصه إلى المجلات والصحف، منتظرًا أن يجد قارئًا يأخذها بجدية. وقد جمع في حياته القصيرة بين الكتابة والتحرير والعمل الثقافي، وكان قادرًا على أن يحول الصحيفة والمجلة إلى مساحة يتعرف فيها القراء إلى أسماء جديدة. وحين منح الريماوي فرصة للعمل، لم يكن يقدم له خدمة عابرة؛ كان يشركه في تجربة مهنية، ويمنحه مكانًا يختبر فيه قدراته ويصنع خبرته بنفسه.

أحب في هذه الحكاية أن غسان لم يكتفِ بأن يقول للشاب إن قصصه جيدة، ولم يتركه عند حدود التشجيع اللفظي. لقد أتاح له صفحات ينشر فيها، ثم اصطحبه إلى مجلة يعمل فيها معه، وترك له مساحة من الحرية في إدارة عمله الثقافي. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ فاللطافة التي تغير حياة إنسان تحتاج أحيانًا إلى قرار عملي.

لم يكن غسان مطالبًا بأن يصنع من كل شاب يلتقيه كاتبًا ناجحًا، ولم يكن يستطيع أن يضمن له مستقبلًا أدبيًا. كان يستطيع، مع ذلك، أن يخفف عنه قسوة البدايات، وأن يختصر بعض المسافة بين الموهبة والفرصة. أما الريماوي، فقد واصل طريقه في الصحافة والأدب، وأصبح كاتبًا وصحفيًا معروفًا، وظلت شهادته عن كنفاني تحمل امتنانًا واضحًا لذلك اللقاء الذي منحه الثقة والاعتراف في مرحلة مبكرة من حياته.

لا شك أن غسان كنفاني، ترك أثرًا عميقًا في الأدب الفلسطيني والعربي، لكنه ترك أثرًا من نوع آخر في حياة كاتب في بداية حياته؛ عندما منحه الثقة، وأتاح له مكانًا للعمل، وتعامل معه باعتباره صاحب موهبة تستحق الاهتمام. وبعد سنوات، حين يستعيد الريماوي تلك التجربة، يصبح بوسعنا أن نرى في شهادته صورة أخرى لغسان، صورة المحرر الذي يفتح الصفحات للآخرين، ويمنح الكاتب القادم من بعيد فرصة كي يجد مكانه بين الناس.

الأسئلة الشائعة

التقى به شخصيًا في بيروت عام 1971 بعد أن كان يرسل قصصه إليه عبر بعض قيادات الجبهة الشعبية في شمال الأردن على أمل نشرها في مجلة الآداب

فتح له صفحات الملحق الثقافي لصحيفة الأنوار ثم اصطحبه إلى مجلة الهدف التي تولى إدارتها ليعمل محررًا ثقافيًا فيها قرابة عامين

نال الثقة والمساحة العملية ليعمل ويجرب ويثبت حضوره المهني ثم واصل طريقه حتى أصبح كاتبًا وصحفيًا معروفًا