ليس كل فيلم عن الظلم يحتاج إلى صراخ، ولا كل حكاية عن القهر تحتاج إلى خطبة طويلة تشرح للجمهور أين يقف الحق وأين يبدأ الباطل. أحيانًا تكفي نظرة قلقة خلف ستارة، أو صمت يسبق قرارًا مصيريًا، لكي تنكشف قسوة عالم كامل. هذه هي المساحة التي يختارها المخرج الفلسطيني راكان مياسي في فيلمه الروائي الطويل الأول «البارح العين ما نامت»، الذي حصد جائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم عربي طويل، بقيمة 20 ألف دولار، في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي.

الفيلم، الذي شارك في إنتاجه كل من جينيفر ريتر وراكان مياسي، في إنتاج مشترك بين بلجيكا ولبنان وفلسطين وقطر والسعودية، لا يكتفي بسرد حكاية نزاع بين عائلتين، بل ينفذ إلى ما وراء تفاصيله الظاهرة، ليطرح سؤالًا أكثر إيلامًا: لماذا تتحول المرأة في بعض المجتمعات إلى ثمن جاهز يدفعه الآخرون كلما أخطأ رجل أو اشتعل خلاف؟

تدور الأحداث في مجتمع بدوي بسهل البقاع اللبناني، بالقرب من الحدود السورية، حيث يبدأ كل شيء باختفاء فتاة تُدعى «قمرة»، أو «جمرة» كما ينطق أهل المنطقة اسمها. ومنذ البداية، يبدو الاسم محملًا بدلالة تتجاوز مجرد التعريف بالشخصية؛ فثمة نار خفية ستنتقل من حكاية فتاة تحاول الإفلات من القيود إلى حياة عائلة كاملة، قبل أن تتسع دائرة الخطر مع حادث يتسبب فيه ياسر، قريب الفتاة، ويؤدي إلى مقتل شاب من قبيلة أخرى.

ما يبدو في البداية حادثًا غير متعمد سرعان ما يتحول إلى أزمة تحكمها أعراف الثأر والتسويات العائلية. وهنا يضع مياسي شخصياته أمام منظومة لا تمنح الأفراد حرية حقيقية في الاختيار، بل تفرض عليهم أدوارًا مرسومة سلفًا، وكأن الإنسان لا يملك حياته، وإنما يرث معها ديونًا قديمة لم يرتكبها بنفسه.

في قلب هذه الدائرة تقف ريم وجواهر، شقيقتا ياسر، اللتان تصبحان جزءًا من تسوية النزاع، من دون أن يكون لرأيهما وزن حقيقي في تحديد مصيرهما. هكذا تتحول أجساد النساء ومستقبلهن إلى أوراق تفاوض، ويصبح السلام الذي تتفاخر به العائلات سلامًا ناقصًا، لأنه لا يتحقق بالضرورة عبر العدالة، وإنما قد يُبنى على ظلم جديد يقع على أشخاص لم يرتكبوا الجريمة الأصلية.

قوة الفيلم تكمن في أنه لا يكتفي بإدانة التقاليد، بل يكشف آلية عملها. فالقهر هنا ليس قرارًا فرديًا يصدر عن رجل شرير، بل منظومة تتوارثها الأجيال، وتمنح أصحابها شعورًا بأنهم يدافعون عن الشرف ويحافظون على تماسك الجماعة، حتى عندما تكون النتيجة تحطيم حياة أبنائها وبناتها.

ويحسب لمياسي أنه لا يرسم رجال القبيلة في صورة وحوش استثنائية يسهل على المشاهد كراهيتها والابتعاد عنها. إنهم أشخاص يعيشون داخل قواعد يعتبرونها طبيعية، ويمارسون سلطتهم من دون أن يتوقفوا طويلًا أمام التناقض بين ما يعلنونه من قيم وما يفرضونه من أذى. وهذه المقاربة أكثر إزعاجًا من الإدانة المباشرة؛ لأنها تجعلنا أمام سؤال صعب: كيف يصبح الظلم مقبولًا حين يرتدي ثياب العادة، وتتحول القسوة إلى واجب اجتماعي؟

في المقابل، لا تقدم الشخصيتان النسائيتان نموذجًا واحدًا للمقاومة. فلكل منهما طريقتها في التعامل مع المساحة الضيقة المتاحة لها، بين محاولة الاحتفاظ بقدر من الاستقلال وبين إدراك أن قرارًا صادرًا عن العائلة قد يقلب حياتها رأسًا على عقب. ومن خلال تفاصيل العمل والحياة اليومية والعلاقة بين الشقيقتين، يمنح المخرج شخصياته إنسانية تتجاوز كونها رموزًا لقضية اجتماعية.

ولا يرفع الفيلم صوته طوال الوقت. على العكس، يعتمد على إيقاع متأنٍ وحوارات مقتضبة، ويترك للصورة والانتظار والصمت مهمة بناء التوتر. وتبدو الأماكن، من الحقول إلى الشاحنات والمساحات المحجوبة خلف الستائر، امتدادًا لحياة الشخصيات المحاصرة؛ فحتى الفضاء المفتوح لا يمنحها بالضرورة حرية الحركة أو الاختيار.

وتأتي بعض اللحظات العفوية، مثل مشهد البقرة التي ترفض الحلب أو الأحاديث الليلية بين الشقيقتين، لتكسر ثقل الحكاية وتمنح الشخصيات حياة يومية لا تختزلها المأساة. أما مشهد الزفاف، فيجمع بين الموسيقى والرقص والمظاهر الاحتفالية وبين شعور مكتوم بالفقد والخضوع، ليصبح الفرح نفسه ملتبسًا: هل نحتفل بالحياة أم نغطي على ما يُنتزع منها؟

ومع ذلك، فإن الإيقاع البطيء الذي يمنح الفيلم خصوصيته قد يختبر صبر بعض المشاهدين، كما أن اعتماده على التلميح والرمز يترك بعض تفاصيل الصراع أقل وضوحًا مما قد يتطلبه البناء الدرامي. غير أن هذا الاختيار ينسجم، في مجمله، مع عالم يقال فيه الكثير بالإشارات، بينما تظل القرارات الأهم محاطة بالصمت.

إن «البارح العين ما نامت» ليس فيلمًا عن مجتمع بعينه بقدر ما هو مواجهة مع فكرة تتكرر بأشكال مختلفة: أن يُضحّى بحق الفرد من أجل صورة الجماعة، وأن تُستخدم النساء لترميم ما يفسده الرجال، ثم يُطلق على ذلك اسم الصلح. ومن هنا تأتي أهمية تتويجه بجائزة أفضل فيلم عربي طويل في مهرجان الجونة؛ فهو يمنح مساحة لحكاية محلية في تفاصيلها، لكنها إنسانية في أسئلتها.

في النهاية، لا يمنحنا راكان مياسي إجابات مريحة، ولا يقدم نهاية تمحو آثار القهر. إنه يتركنا أمام عيون لم تنم، لأن الخوف لم ينته، ولأن السلام الذي لا يقوم على الاختيار والعدالة قد لا يكون سوى هدنة مؤقتة، تدفع النساء ثمنها مرة أخرى.

الأسئلة الشائعة

حصل الفيلم على جائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم عربي طويل بقيمة 20 ألف دولار في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي

تدور الأحداث في مجتمع بدوي بسهل البقاع اللبناني بالقرب من الحدود السورية

يناقش كيف تتحول المرأة إلى ثمن يدفعه الآخرون عند وقوع خطأ أو نزاع بين الرجال وكيف تُستخدم النساء لترميم ما يفسده الرجال