لا تتقدم الأمم بالإغلاق على ذاتها، ولا بالاستعارة العشوائية لتجارب الآخرين دون تدبر، وإنما بتلمس الخيط الناظم للسيادة والنهضة في التجارب الوطنية الإقليمية الناضجة.
وفي لحظتنا الراهنة، حيث تتداعى التحديات الاقتصادية وتتشابك الضغوط الإقليمية على منطقتنا العربية وبخاصة في مصر، يصبح من الفطنة بمكان أن نفتح نوافذ التحليل على تجارب جيراننا في الإقليم، لا لمجرد النقل والتكرار، بل لاستلهام الرؤى، وقراءة كيف استطاعت التيارات الفكرية الوطنية حماية مفهوم الدولة بالتوازي مع صون حقوق مجتمعاتها.
إن النظر في حراك الفكر السياسي والاجتماعي التركي يُعد نمطاً يستحق التوقف عنده لدراسته؛ فخلف ما تطلعنا عليه النشرات الإخبارية السريعة، يربض تاريخ عريق من الصراع الفكري حول معنى السيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والحماية الدستورية للحقوق.
ومن بين هذه التيارات، يبرز تيار اليسار القومي الاجتماعي؛ بوصفه تجربة ناضجة نجحت في التوفيق بين ثوابت الدولة الوطنية وبين تطلعات الفئات الشعبية والعمالية، وهو طرح نجد لسماته أصداءً عميقة في الوجدان الوطني المصري والتاريخ السياسي الحديث لأمتنا.
“دكتور ممتاز صويصال.. الأب الروحي لتيار السيادة والعدالة”.
تتضح معالم هذا التيار عند التوقف أمام قامة قانونية وسياسية فذة بحجم الدكتور ممتاز صويصال الذي يُعد بحق مهندس القانون الدستوري والسيادة الوطنية في تركيا الحديثة.
فلم يكن صويصال مجرد أستاذ أكاديمي حاز جوائز دولية كجائزة اليونسكو لتدريس حقوق الإنسان، بل كان رجلاً خاض المعترك السياسي والبرلماني وتولى حقيبة الخارجية، متسلحاً بفكر لا يساوم على مقدرات الوطن.
تجلت فلسفة صويصال في إيمانه المطلق بأن السيادة لا تكتمل إلا باقتصاد وطني مستقل. ولعل معركته التاريخية في التسعينيات ضد الخصخصة العشوائية لقطاعات الدولة الاستراتيجية تُشكل درساً يلهم كل محب لوطنه؛ فقد قاد جبهة قانونية صلبة أمام المحكمة الدستورية لإلغاء قرارات بيع المرافق الخدمية والمصانع التابعة للقطاع العام، مؤكداً أن حماية أصول الدولة هي خط الدفاع الأول عن الأمن القومي.
بين صويصال والتجربة المصرية” تقاطعات الفكر السيادي والقطاع العام”.
عند قراءة تجربة ممتاز صويصال بتمعن، يستحضر العقل العربي فوراً تقاطعات ساطعة مع التوجه الاقتصادي والسيادي للقطاع العام في التجربة المصرية الحديثة، وتحديداً خلال الحقبة الناصرية والتحولات الدستورية اللاحقة لها.
لقد ارتكز النموذج المصري في منتصف القرن العشرين على إيمان راسخ بأن الاستقلال السياسي لا يتجزأ عن الاستقلال الاقتصادي وهو المبدأ ذاته الذي خاض صويصال معاركه الدستورية لأجله في أنقرة.
فكما شُيّدت القواعد الصناعية والمرافق الكبرى في مصر لتكون درعاً حامياً للقرار الوطني ومصدراً للعدالة الاجتماعية؛ أصرّ صويصال على أن التفريط في مؤسسات الدولة الاستراتيجية باسم الانفتاح أو الخصخصة المفتوحة، يفرغ السيادة الوطنية من مضمونها الحقيقي.
وفي الجانب الدستوري، يلتقي فكر صويصال مع المفهوم المصري للدولة الوطنية؛ حيث يعلو صوت القانون والدستور ليضمن ألا تُسلب الطبقات العاملة مكتسباتها، وأن تظل أصول الدولة ملكاً للأمة، تُدار بعقلية التنمية الوطنية الشاملة لا بمنطق التربح والبيع الخاطف.
إنها رابطة فكرية تعبر عن روح واحدة في الشرق عنوانها التمسك بالدولة الوطنية القوية كشرط أساسي للنهوض والتنمية.
مرتكزات التيار: بين صون أصول الدولة والدفوع الدستورية.
تتلخص القيمة الفكرية لهذا الحراك في عدة مرتكزات تشهد امتداداً حتى يومنا هذا في كتابات وتصريحات شخصيات وأصوات مستقلة في الشارع التركي – من أمثال المصرفي والصحفي مصطفى كارتال أوغلو وغيره ممن تتلمذوا على هذا الفكر:
1. الاستقلالية والندّية في السياسة الخارجية: رفض التبعية للمحاور الغربية أو الشرقية، والتمسك بالدفاع عن الحدود البحرية والسيادية من منظور الندّية الكاملة وحفظ كرامة الدولة.
2. الالتزام بدولة الرفاه الاجتماعي: اعتبار الدولة الضامن الأكبر للعدالة الاجتماعية، والرفض القاطع لسياسات السوق الحرة المطلقة “المتوحشة” التي تلقي بظلالها الجسيمة والساحقة على الطبقات العاملة والمتوسطة.
3. التسلح بالشرعية الدستورية: التأكيد على أن حرية التعبير والرأي (والتي تؤطرها المادتان 25 و26 من الدستور التركي) ليست ترفاً، بل هي حق أصيل يكفل لغالبية الشعب التعبير عن تطلعاته وحماية مكتسباته الوطنية تحت مظلة القانون.
– ماذا يستفيد القارئ والمحيط المصري من هذه التجربة؟
إن تسليط الضوء على هذا الفكر التركي الناضج يفتح أمامنا في مصر أفقاً واسعاً للتأمل؛ فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تجابهها دول المنطقة تفرز أسئلة متشابهة حول حدود دور الدولة في الاقتصاد، وسبيل حماية أصولنا الوطنية، ومعادلة التوازن بين الاستقرارالسياسي وحرية التعبير المسؤولة.
إن تجربة اليسار القومي التركي ببعدها الدستوري تقدم إجابة ساطعة تثبت انه لا تعارض أبداً بين تمسك المجتمع بحرياته الدستورية وبين الاصطفاف الصلب خلف مؤسسات الدولة لحماية استقلالها المالي والسيادي.
إنها تجربة تدعونا في مصر لتعميق الحوار حول بناء نموذج تنموي وطني، يستند على بناء قاعدة صناعية وزراعية مستقلة، ويجعل من القانون والدستور حصناً للوطن والمواطن على حد سواء.
إن قراءة تجارب الجوار المكتملة الفكر والدستور ليست نزهة معرفية، بل هي ضرورة لاستبصار طريقنا، واستلهام النماذج التي تصون كرامة الأوطان وتبني مستقبل أجيالها.
يناقش المقال كيف يمكن لمصر أن تستلهم من التجربة التركية في الجمع بين السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية وحماية أصول الدولة عبر الدستور والقانون
يقدمه المقال بوصفه قامة قانونية وسياسية ومهندس القانون الدستوري والسيادة الوطنية في تركيا الحديثة، ويشير إلى معركته ضد الخصخصة العشوائية لقطاعات الدولة الاستراتيجية
يذكر المقال ثلاثة مرتكزات رئيسية هي الاستقلالية والندية في السياسة الخارجية، والالتزام بدولة الرفاه الاجتماعي، والتسلح بالشرعية الدستورية وحماية حرية التعبير


