على سطح بيت متواضع، يلحم شاب مصري قطع الحديد ليصنع سيارة يحلم بها. وفي ورشة صغيرة، يفكك مهندسون ماكينة أجنبية ترسًا ترسًا ليعيدوا بناءها بأيدٍ مصرية. وفي قاعة رسمية، يُعلن عن روبوت صناعي وُلد من عقول محلية. مشاهد متفرقة، لكنها تطرح سؤالًا واحدًا: هل نترك هذه الشرارات تنطفئ وحدها، أم نصنع لها قانونًا يحوّلها إلى صناعة؟.
في قرية طنامل بمحافظة الدقهلية، أمضى الشاب عصام الهندي نحو سنة ونصف فوق سطح منزله بأدوات لحام بدائية ورسومات على ورق مقوّى، حتى أنزل سيارته “كيمت” إلى الشارع في فبراير 2026 وسط احتفال أهل القرية. وفي ورشة لا تتجاوز خمسين مترًا، بدأ ثلاثة شباب صناعة ماكينات التحكم الرقمي (CNC) التي تستوردها مصر بملايين الدولارات؛ واليوم تخدم شركتهم أكثر من 4500 عميل في 34 دولة. وفي وزارة الصناعة، أُعلن تسليم أول روبوت صناعي مصري بمكوّن محلي تجاوز ثمانين بالمائة.
هؤلاء الشباب وغيرهم كثيرون لا يحتاجون إلى معجزات. يحتاجون إلى قانون. ولكي نفهم كيف يغيّر قانون واحد مصير أمة، علينا أن نعود برحلة نصتحبكم فيها إلى كوريا الجنوبية، حيث كان نصيب الفرد من الدخل القومي اثنين وثمانين دولارًا فقط عام 1961. ففي الثلاثين من مارس 1967، أصدرت كوريا، الفقيرة في مواردها والمعتمدة على المساعدات الأمريكية، قانون تعزيز صناعة الآلات. ولم يكن مجرد نصوص جافة، بل إطارًا لسياسة صناعية متكاملة وجّهت رسالة واضحة إلى كل طرف:
- إلى الدولة: “خطّطي”، عبر خطة رئيسية ملزمة؛
- وإلى المصنّعين: “سجّلوا أنفسكم”، لحصر القدرات القائمة وتوجيه الدعم إلى مستحقيه؛
- وإلى البنوك: “أقرضوا”، عبر صندوق يمنح قروضًا طويلة الأجل بفائدة منخفضة؛
- وإلى المستوردين: “اصنعوا محليًا”، عبر قائمة معلنة بالآلات المنتجة محليًا يُقيَّد استيراد مثيلاتها؛
- وإلى الخبراء: “شاورونا”، عبر مجلس استشاري للتداول في السياسات؛
- وإلى الجامعات ومراكز البحوث: “وجّهوا طلابكم”، بربط مشروعات تخرج طلاب الهندسة الميكانيكية باحتياجات خطة الدولة لصناعة الآلات، دعمًا للإنتاج المحلي وتوطين الصناعة.
ولم يبقَ القانون جامدًا؛ ففي 1971 أضاف تعديلٌ السندات الحكومية لتمويل الصندوق، والمجمعات الصناعية المتخصصة، والإعفاءات الضريبية. وكان جزءًا من سيمفونية تشريعية من سبعة قوانين جديدة لصناعات السفن والإلكترونيات والحديد والبتروكيماويات والنسيج والمعادن، يغذّي كلٌّ منها الآخر. والنتيجة: ارتفع دخل الفرد من 82 دولارًا عام 1961 إلى 290 دولارًا عام 1971، وقفزت الصادرات من 40.9 مليون دولار إلى 1067.6 مليون دولار. لم يكن هذا نموًا، بل تحولًا هيكليًا كاملًا.
في الثامن من يناير 1986، أُلغي القانون، لا لأنه فشل، بل لأنه نجح؛ فحلّ محله قانون التنمية الصناعية الأشمل. وتراجع اعتماد كوريا على استيراد الآلات العامة من 83.5% عام 1970 إلى 44.3% عام 1990، وبلغت صادرات آلاتها 53.4 مليار دولار عام 2023، ووصل دخل الفرد إلى 37،880 دولارًا عام 2025. الدرس الأهم: التشريع الحمائي جسر مؤقت، تبنيه لتعبر عليه صناعتك الناشئة، ثم تهدمه حين تقف على قدميها.
مصر اليوم تشبه كوريا عام 1961: شباب مبدع وقدرة على الهندسة العكسية، لكنها تفتقر إلى ما امتلكته كوريا عام 1967: القانون. فقانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 فتح الأبواب لرأس المال، لكنه لا يربط حوافزه، كقاعدة عامة، بنقل التكنولوجيا أو نسب التوطين. ولذلك أقترح:
أولًا، التخطيط الإلزامي: خطة خمسية تحدد الآلات ذات الأولوية ونسب التوطين المستهدفة وجدولها الزمني.
ثانيًا، سجل وطني وتمويل ميسر: يشمل الشباب المبتكرين والشركات الناشئة، مع قروض طويلة الأجل وحوافز ضريبية وأراضٍ صناعية.
ثالثًا، قائمة الآلات المحلية: تفضيل البديل الوطني متى توافر بالجودة والسعر، بما يتوافق مع التزامات مصر التجارية.
رابعًا، الهندسة العكسية المشروعة: تقنينها متى تمت على منتج حُصل عليه مشروعًا ودون إخلال بعقد أو سرية، وهو ما تقره المادة 39 من اتفاقية تريبس والتوجيه الأوروبي 2016/943، مع احترام البراءات وحقوق المؤلف.
خامسًا، الأفضلية في المشتريات الحكومية: منح الآلات والمعدات المصنّعة محليًا أولويةً في التعاقدات الحكومية، استنادًا إلى القانون رقم 5 لسنة 2015 بشأن تفضيل المنتجات الصناعية المصرية في العقود الحكومية.
سادسًا، مجلس أعلى لصناعة الآلات: يضم ممثلين عن المصنّعين والجامعات ومراكز البحث والخبراء، ويتولى رسم السياسات ومتابعة تنفيذ الخطة.
سابعًا، ربط الجامعات بخطة التوطين: إلزام الجامعات المصرية، ولا سيما كليات الهندسة، بتوجيه مشروعات تخرج طلابها نحو احتياجات الخطة الوطنية لصناعة الآلات، بما في ذلك مشروعات الهندسة العكسية المشروعة، على أن تُحدَّد موضوعاتها وفق احتياجات الصناعة المصرية الفعلية، وبالربط مع خريطة الواردات من الآلات، بما يُسهم في إحلال المنتج المصري محل المستورد؛ فتتحول قاعات الدرس إلى مختبرات حقيقية للتصنيع الوطني.
سيقول البعض: “هذا يتعارض مع قواعد التجارة!” والرد أن كوريا أصدرت قانونها في مارس 1967 ثم انضمت إلى الجات في أبريل من العام نفسه؛ فالدرس ليس تجاهل القواعد الدولية، بل حسن استخدام هوامشها. وسيقول آخرون: “الشباب غير مؤهل!” والرد: مصنع CNC يصل إلى 34 دولة، وروبوت بمكوّن محلي يتجاوز 80%، وسيارة صُنعت على سطح منزل. السؤال الحقيقي:
لم تمتلك كوريا نفطًا ولا غازًا، بل إرادة سياسية تُرجمت إلى نصوص قانونية. ومصر تمتلك ما هو أغلى من النفط وهو عقول شابة تصنع وتبتكر. إنني أدعو مجلس النواب والحكومة إلى تبني “قانون تعزيز ودعم صناعة الآلات المصري”، مؤقتًا وذكيًا، يحوّل المبادرات الفردية إلى قاعدة صناعية مستدامة، وينقل مصر من استيراد الآلات إلى صنعها، ومن سوق يستهلك ما يصنعه الآخرون إلى مصنع يصنع ما يستهلكه العالم. حفظ الله مصر وشبابها. وجعلنا من صُنّاع نهضتها الصناعية المنشودة.
يدعو المقال إلى تبني قانون مصري لتعزيز ودعم صناعة الآلات بشكل مؤقت وذكي، بحيث يحول المبادرات الفردية إلى قاعدة صناعية مستدامة ويقلل الاعتماد على الاستيراد
يقترح المقال خطة خمسية إلزامية لتحديد الآلات ذات الأولوية ونسب التوطين، وسجلًا وطنيًا وتمويلًا ميسرًا، وقائمة للآلات المحلية، وأفضلية للمنتج الوطني في المشتريات الحكومية
استند المقال إلى تجربة كوريا الجنوبية مع قانون تعزيز صناعة الآلات الصادر في 30 مارس 1967، وإلى نماذج مصرية مثل سيارة كيمت وماكينات CNC والروبوت الصناعي المحلي


